الرئيسية » مقالات » البركة في المحاكم الدولية والخاصة بمجرمي الحرب

البركة في المحاكم الدولية والخاصة بمجرمي الحرب

كان ينبغي ان يمر بعض الوقت حتى تطول يد العدالة مجرمي الحرب ومرتكبي الابادة الجماعية بحق الشعوب.
فقد حصلت في النصف الاول من القرن العشرين وتسعينيات القرن الحادي والعشرين مجازر ابادة بشعة بحق الشعوب المضطهدة والمحرومة أصلاً، كما نفذت الانظمة الدكتاتورية، مستظلة بالصراع الدولي خلال الحرب الباردة. (1945- 1991) أعمال الابادة الجماعية بحق المعارضين وأبناء الأثنيات والقوميات الاصغر، كما حصل في الكونغو، وجنوب افريقيا، واندنوسيا، كمبوديا، فيتنام، كوردستان العراق والعراق عامة، وكوردستان تركيا وكوردستان ايران، شيلى، راوندا، السودان وخاصة في أقليم دارفور، البوسنة وكرواتيا وكوسوفو وغيرها.
بعد أنتهاء الحرب الباردة وضع المجتمع الدولي عدة خطوات قانونية وسياسية لمحاكمة مجرمي الحرب ومرتكبي المجازر الجماعية، حيث أمتلأت تلك البلدان وغيرها بمقابر جماعية واقبية سرية وحالات اخفاء وفقدان مصير الافراد والتمييز بسبب الهوية: اللغة أو الدين أو القومية أو غيرها.
ورغم مرور عقود على بعض هذه الجرائم ضد الانسانية، التي لاتسقط بفعل التقادم، فان المجتمع الدولي بدأ بتشكيل محاكم دولية أو شجع على اقامة محاكم محلية خاصة لمحاكمة المتهمين بذلك فقدم الى المحاكمة الجنرال الشيلي الدكتاتور بينوشه رغم تقدم سنه ومرضه، واجبر على الاستسلام للقضاء في اسبانيا حيث كان لاجئاً ثم نقل الى شيلى للمحاكمة عن اغتيال عشرات الشيليين واخفاء مصير المئات منهم . ومازال الكثيرون مجهولي المصير في شيلي ودول عديدة في امريكا اللاتينية.
كما قدم الى المحاكمة الدولية المتهمون بجرائم الحرب في راوندا وصربيا والبوسنة وكوسوفو ودول البلقان الاخرى. ومازالت المرافعات القضائية أمام المحكمة الدولية في لاهاي قائمة، حيث حكمت مؤخراً على مسؤول صربي كبير بالسجن لمدة 35 عاماً عن جرائم حرب ارتكبها في كرواتيا في التسعينيات، وتوفي الزعيم الصربي ميلوسوفيتش في سجنه وهو ينتظر المحاكمة متهما بارتكاب جرائم كبرى بحق البشرية وابادة الجنس وكان بعض الدكتاتوريين أمثال شاو سيسكو قد اعدمته محكمة رومانية خاصة ميدانية سريعة جداً واعدمته وزوجته رميا بالرصاص. وقدمت المانيا الفدرالية الرئيس الالماني الشرقي السابق الى المحاكمة وقضت عليه بعقوبة قاسية. مما كان يشير الى ان المجتمع الدولي لم يعد يتغاضى عن الجرائم المنكرة بحق الناس وعن ابادة الجنس والتطهير العرقي (الجينوسايد).
اما في السودان فقد واصلت السلطات السودانية وميلشياتها المتوحشة ابادة الناس في اقليم الجنوب ثم في أقليم دارفور واقاليم اخرى بلغت بشاعة الجرائم ذروتها في دارفور، حيث تشرد زهاء مليون انسان يعيشون تحت خيام مهلهلة في العراء، يعانون الشحة في مياه الشرب وفي الغذاء والملبس فضلاً عن القلق والخوف الشديد من الهجمات الحكومية وسلب أموالهم ومواشيهم واختطاف الصبايا والنساء واغتصابهن (سجلت الامم المتحدة ومنظمات دولية وقائع حية تشهد على ذلك)، فضلاً عن قتل الشباب واسرهم واعتقالهم.وارتفعت اصوات دولية من الامم المتحدة والمنظمات الانسانية والشخصيات تطالب بالتدخل الدولي لايقاف جرائم الحرب وابادة الجنس في دارفور، ووصفت الجرائم باعمال الابادة الجماعية التي يقدم بموجبها المتهمون بها الى محاكم دولية.
وقد ظلت الحكومة السودانية صامتة ازاء هذه التهم، رافضة أياها، وزاعمة انها تراعي حقوق اهالي دارفور، ودافعت عن المتهمين بالجرائم، وظلت حتى اليوم تصف المناشدات الدولية بانها (التدخل في الشؤون الداخلية) وتستهدف سيادة واستقلال السودانيين، وما الى ذلك من الحجج التي طالما تمسك بها صدام ورفاقه، والحكام في بقية البلدان. وكذلك ظلت جامعة الدول العربية (تدافع) عن الحكومة السودانية، وبقيت منظمة المؤتمر الاسلامي ساكتة ازاء هذه الجرائم والمناشدات الدولية بايقافها، فلا الجامعة العربية ولا منظمة المؤتمر الاسلامي ولا الحكومات العربية تقدمت باعتراض بسيط، وهو مجرد أعتراض، أمام حكومة عمر البشير السودانية لايقافها عن مواصلة جرائم الابادة الجماعية.
هذا الخلل الكبير في المجتمع العربي والاسلامي الرسمي والشعبي، ازاء جرائم الانظمة العربية والاسلامية، عار كبير وسؤال خطير أمامها: لماذا السكوت عن الجرائم ضد الانسانية من قبل حكام عرب ومسلمين ؟ لماذا (التضامن) معهم دون وجه حق ؟ لماذا التواطؤ معهم ازاء ما يرتكبون ضد شعوبهم والشعوب الاخرى.
اخيرا شكلت الامم المتحدة محكمة دولية لمحاكمة المتهمين السودانيين بجرائم الحرب وقدمت حتى الان طلباً قضائياً لمثول وزير سوداني وقائد كبير لميلشيا (الجانجويد) التابعة لحكومة البشير، التي مازالت تتعنت وترفض تسليم المتهمين الى المحاكمة الدولية بحجة ان ذلك (ينتهك السيادة الوطنية) و(التدخل) وما الى ذلك.
هذه الحجج للحكومات صارت بالية وممجوجة فالحكومات، مثل الافراد، ينبغي ان تلتزم بالقوانين الدولية والمحلية والمواثيق والتعهدات الدولية، حتى لو لم تكن موقعة عليها، فكيف اذا كانت قد وافقت عليها ووقعتها؟ وتقبل عمر البشير، على مضض، حضور قوات للامم المتحدة والاتحاد الافريقي على ارض دارفور، لحل المشكلة الا ان واقع الامر هو انه سيماطل حتى الاخير. وقد هددته أوساط دولية بان اذا بقي متعنتاً فأنه شخصياً (أي: عمر البشير رئيس الحكومة السودانية) سيقدم الى المحاكمة الدولية الى جانب مسؤولين عديدين من حكومته. هذا التهديد قائم قد ينفذ في أي يوم.
أما المحكمة الجنائية العراقية العليا الخاصة بمحاكمة كبار مسؤولي النظام العراقي السابق بتهمة ارتكاب جرائم الابادة الجماعية وابادة المزروعات والتطهير العرقي وابادة الجنس كما في مجازر الدجيل وقضية الانفال وحلبجة وحوادث البصرة والعمارة عام 1991 والعمليات الاخرى للانفال في مناطق اخرى من كوردستان (حيث وصل عدد المتهمين بارتكاب جرائم الانفال الى 223 أو 229 باضافة المتهمين الستة الكبار الذين قد بتت المحكمة في امرهم في 24 حزيران الجاري)، اقول… أما هذه المحكمة فجاءت في سياق الانفتاح العالمي على العدالة والقضاء المستقل وتقديم كل مجرم الى المحاكمة مهما كان موقعه في الدولة: وهي أهم المحاكمات حتى الان لضخامة الملفات وعدد المتهمين لكثافة نسبة الجرائم المرتكبة الموثقة بادلة قانونية من صور وافلام وافادات واعترافات سابقة للمتهمين انفسهم اعلنها عنها (فخراً واعتزازاً !! ) في ايام ( المجد التليد) في ذروة التسلط الاستبدادي.
فالمحكمة العراقية العليا تميزت باستقلالها التام والالتزام بالاصول القانونية فاكتسبت سمعة دولية عالية واحتراماً شعبياً واسعاً داخل العراق وخارجه. وقد تضاءلت تدريجياً أصوات الاعتراض والتشكيك والطعن من قبل المستفيدين من ( مكرمات) النظام السابق ومن بعض الاوساط التي وقفت بخجل ضد المحكمة، ثم التزمت الصمت بعدما شاهدت من ادلة غزيرة ثبوتية ضد المتهمين وسوقهم الى ساحات تنفيذ العقوبات القانونية العادلة.
ستبقى هذه المحكمة، التي هي في امس الحاجة، وهي جديرة تماماً، بالاهتمام الجدي المتواصل من قبل الحكومة الفدرالية العراقية وحكومة أقليم كوردستان ومن قبل البرلمانين العراقي والكوردستاني والكتل السياسية الوطنية الاساسية. فقد نجحت المحكمة واجتازت عراقيل كبيرة وضعتها أمامها اطراف داخلية وخارجية، وأصبحت معلماً بارزاً ومشرقاً من معالم العدالة والحضارة والمستقبل الوضاء في العراق الجريح الان.
تأتي الان المحكمة الدولية لمحاكمة المتهمين بقتل الشهيد رفيق الحريري ورفاقه والشخصيات اللبنانية الاخرى، وبالامس اغتالوا النائب اللبناني وليد عيدو، الذي ناشد رئيس الوزراء اللبناني مجلس الامن الدولي لادراج جريمة هذا الاغتيال ايضاً على جدول عمل المحكمة الدولية، باعتبار انها جريمة تأتي في سياق الحملة الشرسة ضد لبنان منذ اغتيال الحريري.
ان محاكمة قتلة الحريري هي، ضمنياً محاكمة لبعض الانظمة والعقليات الضيقة الاستبدادية، وستنعكس كما قلنا على مجمل بلدان المنطقة. وقد ظهرت تداعياتها المتتالية منذ تفجير تنظيم (فتح الاسلام) للقتال في مخيم نهر البارد، ثم تفجيرات متفرقة في بيروت وطرابلس، واغتيال النائب وليد عيدو، ولاندري ما تخبئه الايام المقبلة الا ان احداً لن ينجو بعد الان من المساءلة القانونية والمحاكمة والعقاب القانوني، ولم يعد أي مسؤول حكومي مهما كان، بمنجى عن المساءلة اذا ما ورد اسمه في حيثيات المحاكمات فستكون محكمة الحريري مثيرة ومقلقة للكثيرين الذين ظنوا حتى الامس القريب بأنهم بعيدون عن يد العدالة. لقد تقوت واستطالت يد العدالة لتمسك بمن يتهم بارتكاب جرائم ضد الانسانية.
الخبر الجديد في المحاكمات الخاصة ورد من كمبوديا المنكوبة بالمجازر الرهيبة لعصابة (بول بوت) أواخر ستينيات- أواسط سبعينيات القرن العشرين، اذ استكمل اخيراً وضع النظام الداخلي للمحكمة الخاصة بالمتهمين عن الابادة الجماعية في كمبوديا التي كانت بلداً آمناً مسالماً وديعا حتى ابتلى بانقلاب يساري متطرف على الأمير سيهانوك او اخر الستينيات، اعقبه انقلاب عسكري داخل الفئة الانقلابية فصعد الى المقدمة مجرم وسفاح خطير هو (بول بوت) وانصاره الذين ابادوا حوالي اربعة ملايين انسان فقط بسبب التمييز حسب الهوية الايديولوجية والسياسية، والعجيب ان هذا المجرم قد احتفظ بعشرات السراديب والاماكن الخاصة وهي مليئة بالاف الجماجم البشرية (كارشيف) عن (انجازات) حكومة بول بوت، الذي كان نظامه قد سقط نتيجة تدخل اقليمي ودولي كما حصل في العراق. وقد ظل المجتمع الدولي منذ اكثر من عقدين، يسعى الى تنظيم محكمة خاصة بالمتهمين حيث مازال الكثير منهم احياء بعد أن قتل أومات بول بوت وغيره.
وفي مجال اخر، خارج المحاكمات الدولية حول جرائم الحرب والابادة الجماعية، فان المحكمة الاوربية لحقوق الانسان تنظر في الدعاوى القضائية المقدمة لها حول حقوق الانسان، من مختلف البلدان الاوربية كذلك تركيا وغيرها. خلال الفترة الماضية نظرت هذه المحكمة في (24) قضية لحقوق الانسان والانتهاكات بصددها، مرفوعة من مواطنين كورد في تركيا. واصدرت المحكمة الاوربية يوم 12/6/2007 قراراً بالحكم على الحكومة التركية يلزمها بدفع تعويضات تبلغ حوالي مليون يورو، تدفع للمواطنين الكورد المشتكين بعد ان تبين للمحكمة ان الحكومة التركية انتهكت حقوق هؤلاء، سواء باعتقالهم تعسفياً أم تعريضهم الى التعذيب والاهانات أم الحاق اضرار مادية ومعنوية بهم مثل منعهم من كسب الرزق لفترة ما، أو طردهم من العمل.. الخ! فالمهم في امر المحكمة الاوربية لحقوق الانسان هو انها نظرت بانصاف وعدالة في شكاوى هؤلاء الناس وقضت بتعويضهم أحقاقاً للحق.
يكمن في هذا الحكم القضائي معنى انساني رفيع وهو ان الانسان البسيط المغلوب على امره في تركيا وغيرها بات يرى ظهيراً وسنداً في الدفاع عن حقوقه وكرامته.
وليست هي المرة الاولى التي تقرر المحكمة اصدار احكام قضائية لصالح مواطنين كورد أو اتراك اوغيرهم.
وان كانت طبيعة هذه المحكمة تختلف اساساً عن المحاكم الدولية الخاصة بمجرمي الحرب الا انها محكمة تنظر بحياد وانصاف في القضايا المطروحة عليها بغض النظر عن الموقع الاجتماعي للمشتكي أو هويته القومية والدينية واللغوية. تلك هي عين العدالة.
نحن خلال استعراض موجز سريع لنشوء واعمال المحاكمات الدولية نخلص الى ان المشهد الانساني العالمي اصبح اشد اشراقاً وتفاؤلاً.
اذ رغم المخاطر الجمة للارهاب والعنف والاسلحة النووية والاحتباس الحراري وتلوث البيئة والامراض الفتاكة الصعبة على العلاج ومخاطرها مثل الايدز وانفلونزا الطيور، ورغم المخاوف من تزايد الكوارث الطبيعية والأعاصير المدمرة، التصحر والجفاف وشحة مياه الشرب النقية والمجاعة.. اقول، رغم ذلك فأن بقعة مضاءة تزداد سطوعاً على سطح الكرة الأرضية وهي العدالة وسيادة القانون وضمان حقوق الانسان.. وهي وان جاءت متأخرة فان وجودها يبعث على الامل والتفاؤل بالحاضر والمستقبل، على ان يتماسك المجتمع البشري وتتضامن اجزاؤه مع بعضها من اجل ترسيخ قيم العدالة وحقوق الانسان ومعاقبة مجرمي الحرب والابادة الجماعية، والدفاع عن المظلومين والمحرومين والبسطاء المجردين من اية وسيلة للدفاع الذاتي عن النفس.
ان ذلك أمل كبير يسجل لصالح المتفائلين مهما اشتدت قتامة نظرة المتشائمين والاشرار.

التآخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *