الرئيسية » مقالات » مشروع محمد شاكلي لتقويم الواقع المفتعل للكورد والتركمان في كركوك

مشروع محمد شاكلي لتقويم الواقع المفتعل للكورد والتركمان في كركوك

أصل المشروع كتيب باللغة الكوردية كتبه الأستاذ محمد شاكلي وترجمه الى العربية الاستاذ عبدالله قره داغي ، طبع مؤخرا في أربيل أهداه المؤلف الى المخلصين الذين يحملون هم السلام والتعايش القومي وتصحيح الخطأ الحاصل في التكوين الديموغرافي لكركوك والمدن التي تحمل صفاة التنوع القومي في كوردستان .
والشيخ محمد شاكلي ليس غريبا عن أجواء كركوك فهو من مدينة كفري أقدم قضاء تابع لكركوك ودرس وأكمل دراسته الإعدادية في كركوك وهو من المثقفين الملمين بتأريخ المدينة وهو الى جانب كونه كادرا سياسيا قديما يعد كاتبا ومحللا واقعيا له قرآئه ومتابعيه ، وقد أضافت تجربته في العمل السياسي بعدا آخرا في إغناء خلفيته الثقافية ، حيث سبق وأن عمل في أحزاب كوردستانية كبيرة فمن كادر مسؤول في الحزب الديمقراطي الكوردستاني في الستينات والسبعينات الى عضو مؤوسس للحركة الإشتراكية الكوردستانية وثم عضوا في المكتب السياسي في الحزب الاشتراكي الكوردستاني لاحقا وعضوا في المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكوردستاني ، شغل مناصب خطيرة في الحزب والدولة ويحمل حاليا حقيبة الأوقاف في حكومة إقليم كوردستان ، ومن شهاداتي عن أدائه في مجال بناء جسر التعاضد والتآخي بين الكورد والتركمان في كركوك أشارة الى دوره في إشراك التركمان في الجمعية الثقافية والأجتماعية في كركوك ، ففي المؤتمر التأسيسي للجمعية المذكورة وقد كنت عضوا مشاركا فيه لا حظت حرص الرجل على ضم أكبر عدد ممكن من التركمان فيه وحينما كان هنالك مرشح للتركمان للهيئة الإدارية لاحظته يحث الآخرين على دفع المرشح للنجاح ومن مداخلاته في ذلك المؤتمر كان ضد من يعتقد أن قضية كركوك محصورة في مركز مدينة كركوك ، بل كان يقول أن كركوك هو مقاطعة تبدأ من النهر وتنتهي في النهر وقصده نهري ( زي ) الزاب الصغير ونهر سيروان الذي يحاذي حدود قضاء كلار .
هنالك من يشوه العلاقات التاريخية بين الكورد والتركمان والآيدلوجيات الجاهزة تدفع بدفة سفينة الأخاء بعيدة عن شاطئ الأمان ووسط الأمواج المتلاطمة من الكتابات البعيدة من الواقعية لا بد لنا البحث عن خليج هادئ نركن إليه لننظر الى الواقع بعين من يريد إعادة المياه الى مجاريها ، وعليه ، حري بنا أن نتوقف قليلا عند مشروع الشيخ محمد شاكلي لنرى ما سيقدمه لنا ؟
والرسالة تقرأ من المضروف كما يقال ، والشيخ شاكلي يقدم جهده في بداية الكتاب الى ( كل المخلصين الذين يحملون هم السلام والتعايش القومي على طريق الخطأ الحاصل في التكوين الديموغرافي لكركوك والمناطق الشبيهة لها ) .
يؤكد الكاتب على الأستقرار الموجود في كركوك عبر التأريخ المشترك بين الكورد والتركمان في كوردستان ، فهو يشير الى بدايات أنبثاق الحركة الكوردية في بدايات القرن المنصرم التي تزامنت مع بروز حزب الإتحاد والترقي الذي كان له فرع في كركوك في نفس الوقت الذي بدأ شئ من الفتور بين الكورد والتركمان دون تطوره الى أحداث ومشاكل فعلية في الساحة مع بقاء العلاقات الأجتماعية على نفس الثقة التي كانت موجودة منذ أقدم عصور التواجد المشترك بينهما ، غير أن المؤلف كما يبدوا يعلق تصعيد المشاكل على شماعة ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 والتي أنبثق منها دستور جديد للبلد يؤكد البند الثالث منه على شراكة الكورد والعرب في الوطن مما أثار مدافن الحقود لدى المعادين للكورد وقد أستخدم هؤلاء الأعداد التركمان في كركوك بذكاء سلبي وكانت المحاولات رامية الى نسف جسور الأخاء والتعايش بين الكورد والتركمان وقبر الثقة المتبادلة بينهما فمن ضمن المخاوف التي كانت تزرع في نفوس التركمان كانوا يدعون بإن الكورد لو أمتلكوا السلطة سيبيدون التركمان ويستولون على ممتلكاتهم وأموالهم ، هذا ما يقدمه المؤلف في مقدمة مشروعه ويهدف أخيرا كما يقول على إعادة لحمة التضامن والتآلف بين الكورد والتركمان وطبعا لا يجد المؤلف شئ سوى الحوار الجدي سبيلا الى ما يهدف إليه .
يؤكد الشاكلي على أن يكون الكورد هو المبادر الى الحوار لكي يضيفوا نقطة مضيئة أخرى الى سجل نضالهم وبالمقابل يحث التركمان على عدم التعلق بالوعود الخارجية التي لا تنفعهم لا من قريب ولا من بعيد ، فالوعود الخارجية من شأنها زرع الفرقة والفتنة بينهما وهما صاحبي سجل خال من المشاكل .
وفي هذا الصدد نود أن نضيف الى أن كل فئة تعلق نفسها بوعود أجنبية لا تحصد سوى الندم لان الأجنبي يبني علاقاته مع الآخرين على أساس مصالحه ، لا مصالح الآخر ولا حتى المصالح المشتركة أيضا ، ولدينا شواهد وأمثلة كثيرة في بحر السنين التي مرت على العراق منذ تأسيسه وحتى الآن ، ولا فرق في هذا بين الطوائف والملل والأثنيات والأحزاب والحركات ، والتطبيقات كانت مشابه لكل هذه التنوعا ت التي أعتمدت على علاقة الأجنبي ، فعلاقة الأتحاد السوفيتي السابق مثلا مع الأحزاب الشيوعية في العراق والبلدان العربية والعالم لم تكن على حساب المصالح المشتركة أو لتنصير الشيوعية في العالم أبدا ورأينا كيف ضحت هذه الأحزاب بمستقبلها السياسي في طريق تلك العلاقات والحزب الشيوعي العراقي مثال صارخ في هذا المبحث ، حيث يعد هذا الحزب أقدم أحزاب العراق الكبرى وأقدم الأحزاب الشيوعية في الوطن العربي وكان من الممكن أن يكون اليوم في عراق ما بعد الدكتاتورية صاحب أكبر جماهير في العراق بشكل عام والجنوب العراقي بشكل خاص ولكن ما نراه أنه يتحالف مع من هم طارئين حتى على السياسة والمقاعد التي حصلوا عليها لا تتناسب أبدا مع التضحيات الجسام التي قدمها في العراق وأنا أرى أن أعتماده على الأتحاد السوفيتي بذلك الشكل المفرط هو الذي آل به الى هذا المآل ، والشئ نفسه ينطبق على التركمان الذين تناسوا حجمهم في كوردستان وتراثهم الغني ومصالحهم الخاصة التي لا يمكن أن تصان الا مع شركائهم في الوطن الكورد ، غير أن أشخاص منهم وبمحض مصالحهم الذاتية وجهتهم الى الإرتباط بتركيا التي برهنت في كل المناسبات الى إنها تنظر الى التركمان في العراق نظرة هامشية ولا تتفوه بأسمهم الا من أجل كسب مصالح أخرى خاصة بتركيا لا التركمان وحقوقهم في كوردستان وإن هذه الدولة وبفعل أسلوبه المتشنج مع عشرين مليون كوردي في تركيا تحاول بشتى الوسائل زرع الحقد لدى متعاونيه أزاء الكورد وبالتالي تعميم هذا الحقد الى صفوف التركمان ولكن حينما تساق شباب التركمان الى أعواد المشانق في عهد المقبور صدام حسين لا تلف نفسها عناء كتابة بيان أحتجاج حتى ، تماما مثل الأتحاد السوفيتي الذي كان ينظر الى ما يحصله من نظام صدام حسين من أموال لقاء سوق الأسلحة إليه أكبر بكثير من أرواح الشيوعيين الذي علقوا على أعواد المشانق في بغداد والمدن الاخرى في العراق .
قسم المؤلف مشروعة الى مقدمة وخاتمة يتخللهما أحدى عشرافصلا بالاضافة الى مقدمة المترجم عبدالله قره داغي ، وفي كل قسم يتطرق الى موضوع مستقل ألا أنه يعتبر حلقة من حلقات السلسلة التي تعقد لؤلؤة مشروعه .
ففي الفصل الأول يؤشر الكاتب الى بدايات أهتمامه بقضية كركوك التي ترجع الى خريف 1957 عندما ترك كفري متوجها الى كركوك لأكمال دراسته في أعدادية المصلى ، يبدا الفصل بموقف مهم وحدث ذو معنى مرادف وهو في المرحلة الثانية من دراسته الإعدادية حيث يروي ، أن مدرس مادة الجغرافية سامي شاكر العراقي قد قام بالهجوم على الاتحاد السوفيتي أثناء الدرس لانه قبل لجوء المرحوم الملا مصطفى بارزاني والذي وصفه المدرس بالمتمرد ما أ ثار حفيظة زميله الطالب الكوردي خالد هيدايت الذي رد على المدرس بشدة قائلا أن البارزاني ليس بمتمرد وينبغي عليك كمدرس أن تراع شعور طلابك ، وفي النهاية تحول الوضع الى ملاسنة شديدة بينهما تدخل على أثرها مدير الاعدادية الذي حسم الامر يإخراج الطالب من الصف ولكن المشكلة لم تحسم لان الطلبة الكورد تبعوا زميلهم الى خارج الصف وشاركهم في ترك قاعة الدرس طالبين تركمانيين أيضا ، وخروج هذين الطالبين ليس حدثا عابرا مادمنا نتحدث عن العلاقات المشتركة بين الكورد والتركمان ، حيث أن الكثيرين يعولون على مسألة التأزم الفارغ بين تلك القوميتين في كركوك ويمررون عبر هذا الإدعاء الكاذب مخططاتهم الخبيثة ولا وجود لمثل ذلك التأزم في واقع الحال ومعظم أؤلئك المتآمرين يخوضون في مستنقع الأحداث المؤسفة التي وقعت في صبيحة الرابع من تموز عام 1959 إبان أحياء الذكرى السنوية الأولى لثورة الرابع عشر من تموز 1958 وكما يؤكد الشاكلي بإن الكورد لم يشتركوا في مواجهة التركمان ويمكن أن يكون لبعض الكورد قد شاركوا فيها ولكن بصفاتهم وإنتمائاتهم الشخصية وبالعكس من ذلك فإن معظم الكورد قد لعبوا دورا إيجابيا في إعادة الهدوء والحفاظ على أموال وأرواح جيرانهم رغم حالة الفوضى السائدة في المدينة آنئذ ، ويضيف بان الحدث كان ناجما عن مجموعة من المصالح المتناقضة داخل العراق وخارجه وأصبحت كركوك ضحية تلك المصالح وأفلح الأعداء مع الأسف في مساعيهم الى حد كبير .
أما في الفصل الثاني يتحدث الشاكلي عن الحركة الثقافية والسياسية في كركوك ، أما في الفصل الثالث يركز على دور ناظم الطبقجلي العنصري ، وناظم هذا كان قائدا للفرقة الثانية ومقرها كركوك وكان ضباط ومراتب هذه الفرقة من الكورد إلا أنه بإستلامه لهذا المنصب عمل على تقليل نسبة الضباط الكورد الى أن محى آخر أثر لهم في الفرقة ، وقد أستقى الكاتب معلوماته من مصادر متنوعة منها كتاب البارزاني والحركة التحررية الكوردية لمسعود بارزاني وسياسة التعريب لنوري طالباني ودور ناظم الطبقجلي التخريبي للكاتب لطيف فاتح فرج ، وثم يعرج الى بدايات تعريب المدينة والاهتمام بعرب ناحية الملحة ( قضاء الحويجة فيما بعد ) وقبولهم في كليات الشرطة والعسكرية على حساب الطلبة الكورد الذين لم يقبل حتى طالبا واحدا في السنة الدراسية 1957 _- 1958 ويعزي المؤلف ذلك الى خطة سرية دون الإشارة الى المصدر ، ثم يتحدث الكاتب عن برنامج منظم لتعريب المدينة وفسح المجال للعرب الطارئين على المدينة بأحتلال مواقع قدم في المجالات الأقتصادية والإجتماعية والوظيفية وسط ذهول وصمت الكورد والتركمان العجيبين .
الفصل الرابع من الكتاب يعيد الكاتب الى أذهان قرآئه محاولات الرئيس الأسبق للحكومة العراقية في العهد الملكي الفريق ياسين الهاشمي الرامية الى إسكان عشيرة العبيد الرحالة في ناحية الملحة وتسخير إمكانيات مالية سخية لذلك مشيرا في الوقت نفسه من عدم معارضة الكورد على سلب أراضيهم الزراعية الكائنة في تينيك المناطق وأستجابوا لطلب حكومة الهاشمي كمشاركة منهم في حلحلة مشاكل القبائل العربية المتصارعة فيما بينها ويعزي الكاتب سبب سكوت الكورد أزاء الموقف على ردآئة تلك المنطقة وعدم صلاحيتها للزراعة والرعي لردآئة مناخها الذي يتسم بالجفاف وإرتفاع درجات الحرارة فيها وندرة المصادر المائية فيها ، غير أن الحكومة حلت هذه المشكلة للقبائل العربية التي أسكنتها في المنطقة بعد أن نظم قنوات مائية تنقل المياه من نهر الزاب الصغير الى تلك المنطقة التي تحولت شيئا فشيئا الى منطقة زراعية مهمة جدا في المنطقة ككل ، وهنا تجدر الإشارة بنا الى أن الكورد سواء تحت نير الحكومات العربية العراقية المتلاحقة في كافة العهود أو تحت سيطرة الحكومة الكوردية لم تستفد قليلا أم كثيرا من المصادر المائية الكثيرة في كوردستان ، لا لمجالات الزراعة والري ولا لمجالات توليد الطاقة الكهربائية ولا في مجال السياحة والإصطياف رغم وجود وزارات مستقلة تحمل أسم كل تلك المجالات المذكورة وصرف مبالغ طائلة لمنتسبي تلك الوزارات ولا نعرف متى تبدأ الحكومة بالنظر الى أهمية تلك المجالات بعين جدية لتعود أرياف كوردستان التي فقدت بريق إنتاجها الحيواني والزراعي بعد عمليات الأنفال السيئة الصيت والسمعة . يقول شاكلي بأن الكورد وإن كانوا مالكي تلك الأراضي كانوا متسامحين مع العشائر العربية التي كانت تطلب منهم السماح بالرعي في مناطقهم في ناحية الملحة في سنوات القحط والجفاف ربما لقاء مبالغ قليلة جدا وكانوا هم يتجهون الى مناطق شرق كركوك لأغراض الرعي ، منطقة ليلان مثلا ، وفي ختام هذا الفصل يتوصل الكاتب الى حقيقة مفادها أن العشائر العربية قد عبرت ولأول مرة في التأريخ حدودهم الطبيعية المتمثلة بسلسلة جبال حمرين في القرن المنصرم وثم يعرج الى مسألة إكتشاف النفط في المدينة وإقامة المشاريع النفطية فيها ما أدت الى توجه الناس إليها من المحافظات البعيدة .
في الفصل الخامس ، يتحدث الكاتب عن أهمية العوائل المهمة في كركوك كالطالبانية والزنكنة والكاكائية والصالحي والبرزنجة وشوان ويركز على التكايا والخانقات والمضايف التي كانت تعج بالناس قبل تشكيل العراق الملكي وبعده ، ويؤشر في الوقت نفسه عن الوجوه التركمانية المهمة في المدينة التي كانت مصدر مهم من مصادر المشورة بالنسبة للحكومات ويتحدث عن المصالح الاقتصادية والتجارية بين تلك الأسر التي كانت علاقاتهم الاجتماعية متشابكة بشكل لا يمكن التمييز بينهم ، ولكن العرب على عكس الواقع السائد اعلاه لم يكن لهم وجود الا بعد الخمسينات ويسترشد برأئه عن التمثيل النيابي للمحافظة حيث لم يمثلوا المحافظة بنوابهم في المجلس النيابي العراقي الا بعضو واحد في دورتين نيابيتين أثنتين ، ( للتأكيد على رأي المؤلف يرجى مراجعة مقالنا الموسوم – التمثيل الكوردي لمحافظة كركوك ) حيث بينا فيها عدد ممثلي محافظة كركوك في دورات المجلس النيابي العراقي في العهد الملكي بدئا من أول دورة نيابية الى آخر دورة قبل ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 ، ثم يردف الكاتب بالحديث عن علماء ووجوه المدينة وجلهم من الكورد بالدرجة الأولى ويليهم التركمان وبحكم النسبة القليلة من العرب في المدينة لم يبرز بينهم رجال دين بارزين وموظفون كبار فيشير مدللا بالتكية الطالبانية وتكية الشيخ أحمد خانقاه التين كانت مدرستين ترفد المجتمع بالكثير من رجالات العلم والأدب .
في جانب آخر من نفس الفصل يضع الكاتب يده على بدايات الجرح ، جرج التمييز العنصري والتنافر إحداث الفجوة بين أبناء المجتمع الواحد وقد كان الطورانيين الذين يتلقون ثقافاتهم من تركيا وراء ذلك الجرح الذي لم يتطور لحسن الحظ الى نزيف في هذا المجتمع . فمن خلال قرآءة فقرة من هذا الفصل تتكون لدينا ملاحظات لا تفسد للود من قضية ، إذ يقول الاستاذ شاكلي بإن التركمان في كركوك عادات وتقاليد خاصة وقناعات وأفكار ثابتة لا يتنازلون عنها ، ويهم الرفاه والأستقرار والأمن في حياتهم ويحاولون تأمين حياتهم ، ففي مقتبل أعمارهم يسعون الى أن يكون لهم دخلا مستقرا عبر التعيين في دائرة رسمية أو تعلم صنعة ما ولا يقتربون من مكامن الخطر ويحترمون القوانين سلطة الحكومة والدولة الرسمية ( أية دولة ) ، ويشعرون في أعماقهم بخوف مجهول ، الخوف من حياتهم ومعيشتهم ومستقبلهم ومشاريعهم التجارية ولهم كذلك خوف من مواطنيهم الكورد ، فأنا أتفق مع الكاتب في الكثير مما قاله أعلاه بحكم عيشي في ذات البيئة التي عاش فيها المؤلف مع الاختلاف في التجربة ، والكثير من المخاوف والحرص والصفات التي ساقها المؤلف صحيحة ومشروعة وتعتبر علامة إيجابية من قبل الباحثين عن صفاة الأمم والملل والنحل ، غير أن تكون تلك القناعات التي قال يقول المؤلف عنها مغلقة وغير قابلة للإنفتاح فلي بصددها كلام آخر ، والدليل التلاقح والتلاحم والأختلاط الإجتماعي العجيب بينهم وبين الكورد ، فقلما يجد المرأ عائلة تركمانية لم تقترن بأخرى كوردية وعلى ذلك الأساس فقد نشأت علاقات قرابة بشكل لا يجده في المرء في أية منطقة أخرى في العالم والقصد تلك المدن التي تمتاز بالتنوع من حيث القوميات المختلفة التي تقيم فيها ، وإن بحثنا عن جسور ترابط أخرى فنجد أن عدد غير قليل من التركمان أنضموا الى الأحزاب الكوردستانية وبالتالي قاتلوا في صفوف البيشمركة ومنهم من أستشهد في ميادين القتال ، ولكن حينما ننظر الى هامش الصفحة 64 من كتاب الشاكلي فنجد أنه أستند في رأيه الأخير على رأي عزيز قادر صمانجي في كتابه ( التاريخ السياسي لتركمان العراق ) المطبوع في دار الساقي ببيروت 1999 ، والصمانجي معروف بطرح أفكار غريبة وغير علمية وله سلوك ملفت في النظر في مجال العمل الإعلامي ، ويمكننا هنا ضرب مثلا على سلوكه المشار إليه ، فالمؤرخ العراقي الراحل مير بصري سبق وأن قدم كتابين يعنوان ( اعلام الكورد ) و ( أعلام التركمان ) ، ففي الكتاب الأول يصنف عدد من الأعلام من ضمنهم أعلام كورد في كركوك مشيرا الى المصادر التأريخية والكتب التي تشير اليهم وفي الكتاب الثاني لنفس المؤلف يصنف نفس الأعلام على إنهم من التركمان ومصدره ليس الا كلام صمانجي نفسه ، حيث يقول مير بصري على أنه صنف فلان عدد من الأعلام على الكورد لكن السيد عزيز صبانجي بلغني في جلسة خاصة في لندن على أنهم من التركمان ونضرب محمد حاجي نعمان عضو مجلس النواب العراقي في العهد الملكي مثلا من بين عدد من أولئك الأعلام وعلما بأن السيد صمانجي لا يعرف محمد حاجي نعمان لا من قريب ولا من بعيد بينما السيد محمد شاكلي يعرفه حق المعرفة وربما ألتقى به يوما لأنهما المرحوم حاجي نعمان والسيد شاكلي كلاهما من مدينة كفري ، ويعرف المؤلف حتما بإن المذكور لم يكن كورديا فحسب بل كان من أؤلئك النواب الذين كان لهم مواقف معلنة وموثقة أزاء القضايا الكوردية ومنها قضايا المطالبة بإحداث مديرية المعارف في كوردستان ومركزها في كركوك وبأمكان من يريد المزيد مراجعة محاضر مجلس النواب وأعداد تاريخ الوزارات العراقية للسيد الحسني وكتاب المؤرخ الكوردي محمد أمين زكي بك ( دوو ته قه لاي بي سوود ) ومصادر أخرى كثيرة .
في الفصل السابع يتحدث المؤلف عن أهمية الحوار بين الكورد والتركمان لتبديد المخاوف التي بدأت تتبلور لدى التركمان بعد أحداث تموز عام 1959 ، ويقول أنه تحدث مع أصدقائه التركمان بهذا الصدد وسألهم عن سبب أبتعادهم عن أصدقائهم وجيرانهم الكورد والأصطفاف مع من يريد تعميق جرح الماضي فجائت إجابات أصدقائه متفاوته وأتفق الكثير منهم على إنهم ينتظرون سلوك الكورد وهم يمسكون بزمام الحكم في المناطق المحررة من كوردستان أزاء التركمان لكي يستنتجوا ما يمكن أستنتاجه في هذا الصدد ، بعد تحليل آراء من حاورهم يختم الشاكلي هذا الفصل بالقول على أن الكورد يجب أن يثبتوا للأخوة التركمان بإنهم ليسوا أصحاب سلطة مستبدة ، وأنهم يفهمون مسائل التعايش وحقوق الأنسان والديمقراطية ولا يقبلون أضطهاد الآخرين بعد ما ذاقوا طعم الأضطهاد من قبل الآخرين .
في الفصل الثامن يجري الحديث عن العرب في كركوك ويقول المؤلف عنهم على إنهم لا زالوا ينتمون الى أصولهم القبلية ومناطق سكناهم القبيلة ولا يعتبرون أنفسهم من أهالي كركوك ومسألة بقائهم منوطة بتنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي ، وعن عرب الحويجة فيقول ، إنهم يعيشون واقعهم العربي ولهم بواباتهم للإنفتاح على مناطق تكريت والموصل العربية غير إتهم يحاولون تشجيع العرب على البقاء في كركوك وعرقلة عودة من يريد العودة الى مناطق سكناهم وذلك لتقوية مركزهم في المحافظة والمحافظة على مصالحهم فيها ، ومن جانب آخر يحاولون بشتى السبل توتير العلاقات الكوردية والتركمانية ويقف معهم في هذا التوجة الجبهة التركمانية ، وثم يستعرص ما جرى لهم في الأنتفاضة الآذارية علم 1991 وأثناء تحرير كركوك في عام 2003 للمرة الثانية ويقول أن التركمان على عكس العرب المستوطنين ألتزموا بأماكنهم ومنازلهم ولم يكن ثم تعاون بينهم وبين العرب ولكن العرب وخصوصا من كان منهم يعمل في الدوائر الأمنية التي لها علاقة مباشرة بإضطهاد الكورد قد هربوا بعيدا من كركوك الا إنهم عادوا الى كركوك بعدما عرفوا أن الكورد لا ينتقمون من أحد ، وهنا يحمل بعض الغوغائيين من الناس الذين أستغلوا الأوضاع وحادوا عن هدف الأنتفاضتين وتسببوا الأعتداء على أموال الناس سببا لترك أثرا غير طيبا لدى التركمان وإن لم يحسبوا على أفراد البيشمركة وينتقد المؤلف العمل الحزبي الضيق الذي تسبب الخسارة الكبيرة للعمل في كركوك .
في الفصل التاسع يعرج المؤلف الى قضية إعمار كركوك ويقول بأن القضية تلك بحاجة الى أيدي مخلصة ويجب أن تناط بالكورد والتركمان ويجب عليهما التعاون من أجل إعمار مدينتهم التي عانت من التقصير والأهمال الشئ الكثير .
أما في الفصل العاشر يكتب المؤلف معتقدا بأن عدد مثقفي التركمان لم يكونوا كافيا لصد الكمالية التي باتت تنتشر بين أوساط التركمان معممة ثقافة التشدد أزاء الآخر وخلق المزيد من التعقيد والمشاكل في كركوك وفي آخر المطاف هجر أؤلئك المثقفين الى خارج القطر ومن بقى فيهم أندمج مع مروجي التعصب والتعالي ، وما بدد ذلك التعميم هو الوجود الشيعي داخل التركمان والذين لا يمكن لهم الأصطفاف مع مروجي الكماليستية وقد أمتازت علاقاتهم بالكورد ببعض الخصوصية التي كانت تحصيل حاصل الظلم الذي لاقوه من لدن النظام العراقي السابق ويمكن أن تكون هذه النقطة منطلقا جيدا في أفق العلاقات الكوردية التركمانية .وفي نفس الفصل يستعرض المؤلف سياسة القيادة الكوردية من بعد الأنتفاضة ولحد الآن والتي أتسمت بقسط كبير من الحكمة والجرأة حيث مهدت الطريق للتركمان لتشكيل أحزابها السياسية وخلق أجواء الحرية ومنحها مساحة جيدة من الحرية ومن ضمنها الجبهة التركمانية ولكن هذه الجبهة أنعطفت من الجادة نهائيا بعد تحرير العراق وألتزمت بسياسة خاصة تعادي كل تعاون بين الكورد والتركمان وقد أتسمت لغة صحافتها بميزة الأستفزاز وبات خطابها تعادي مسألة عودة كركوك الى أقليم كوردستان الذي يسمى عندهم بشمال العراق ولا تهمها في هذا المسعى حتى ضياع كافة حقوق التركمان التي أصبحت وجها لوجه أمام فرصة تأريخية نادرة وقد أصمت الجبهة آذانها أمام كل الندائات الكوردية الداعية الى التحاور وأستفسرتها تفسيرات خاطئة وعند تعاونها مع فلول البعث في كركوك تناست موقف البعث الدائم أزاء التركمان ومن ضمنها كلمة لصدام تقول ( ليأخذ عبدة الأجنبى رفاة موتاهم الى المكان الذي تحن إليه قلوبهم ) ، أو كلمة طارق عزيز في أنقرة عندما قال فيها ( لا يوجد في العراق سوى العرب والأكراد ) .
والمؤلف لا يضع بيضات العلاقة الكوردية التركمانية في سلة الجبهة التركمانية ويقول عنها إنها لا تمثل الأقلية من التركمان ويضيف نقلا عن شهود عيان بأن التركمان في مناطق عديدة من كركوك حرموا على أنفسهم أكل اللحم أثناء عمليات الأنفال بعدما شاهدوا بأم أعينهم كيف تساق مواشي أخوتهم الكورد الى الآخرين وكانوا يعتقدون بأن اللحم المباع في الأسواق هو من تلك الرؤوس المنهوبة من القرويين الكورد .
في الفصل الحادي عشر وهو الفصل الأخير من كتاب الشاكلي يتحدث عن التغييرات التي طرأت على الوضع قبل وأثناء وبعد تحرير كركوك ويجمب تلك التغييرات في نقاط خمسة وهي تعاون بعض الأحزاب التركمانية مع تركيا بدلا من الأحزاب الوطنية الكوردستانية والتدخل التركي في شأن كركوك بعد تحرير المدينة وتصرفات البعض المحسوب على الكورد البعيدة عن اللياقة و ضعف الأحزاب التركمانية غير المنتمية الى الجبهة التركمانية في الأداء السياسي داخل الجماهير التركمانيةوأخير الدور التخريبي للعنصريين العرب وبقايا البعث في كركوك .
وفي سبيل تطبيع العلاقات الكزردية التركمانية في كركوك وإزالة الضباب الذي يلف تلك العلاقة يقدم السيد محمد شاكلي جملة من النقاط يمكن إيجازها بما يلي :
1 – أن تكون للأحزاب الكوردية المؤثرة برنامج واضح وموحد حول جميع المواضيع المعلقة .
2 – تطهير الدوائر والأجهزة المحلية في كركوك من العناصر الغير صالحة لخدمة مشروع كركوك .
3 – معاقببة كافة العناصر والمجاميع التي لا تتجاوب مع أمن ووئام وأستقرار ساكني كركوك .
4 – تعيين العناصر الأمينة بدلا من العناصر التي دفعتهم المحسوبية والمنسوبية الى مواقع المسؤولية .
5 – أن يكون لوزيري التركمان في حكومة أقليم كوردستان دورهما الأيجابيين في مسألة تطبيع كركوك .
6 _ الشروع بحوار هادئ وفي هذا الوقت بالذات بين الأطراف ذات العلاقة ومن جملتهم أصحاب كافة الأراء والطروحات التي تتقاطع ولا تتقاطع معا لغرض الوصول الى نقاط مشتركة والحديث عن جميع المشاكل بعيدا عن التدخل الأجنبي .
7 _ أن يولي الأعلام الكوردستان أهتماما جديا بقضية التركمان ومطاليبهم .
وفي خاتمة المشروع يؤكد المؤلف على أهمية ما ذهب إليه وما طرحه من أفكار لتطبيع العلاقات الكوردية التركمانية ، ويقول يجب تهيئة الجو للتركمان كي يتسنى لهم وقتا لمقارنة أوضاعهم في أقليم كوردستان مع أوضاعهم في العقود التي كانوا تحت سيطرة نظام البعث الذي كان لا يعترف بهم ككيان قومي ، وبالمقابل أن يكون لنا فترة لمراجعة ما أرتكبت من أخطاء سياسية في هذا المضمار ، وأخيرا يؤكد المؤلف على عامل الوقت وأهميته في تنفيذ المادة 140 التي هي مكسب للكورد والتركمان على حد سواء .
ما يمكن قوله هنا ، أن هذا المشروع يجب لا يكون المشروع اليتيم الذي يقدمه سياسي كوردي على طاولة البحث ، فعلى الساسة الآخرين أن يساهموا بتقديم وجهات نظرهم وبالتالي مطالبة التركمان بتقديم ما لديهم من أفكار كمحاولة أولية لجر الطرفين الى طاولة المباحثات والحوار الثنائي قبل تفاقم الأوضاع وأستحالة الجلوس معا ، فكركوك ومجمل القضايا بما فيها العلاقات الكوردية التركمانية على كف عفريت والمطلوب تكثيف الجهود وأعارة الموضوع الاهتمام الكافي ويجب أن لا يقتصر الأمر بالنسبة الى حكومة أقليم كوردستان على وزارة واحدة تتابع المناطق الخارجة عن إرادة الأقليم ، بل على الحكومة أن تحرك أكثر من وزارة وأكثر من لجنة متابعة وأكثر من شخصية والمزيد من الوقت والجهد لدرء تفاقم أشد يسعى إليه الآخرين خارج الحدود وداخلها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *