الرئيسية » الآداب » مرايا الســـــــــــــــــــــــجن (6) ( أبو شـــــــوقي)

مرايا الســـــــــــــــــــــــجن (6) ( أبو شـــــــوقي)

سأقص عليكم شيئا ً عن أيام الاعتقال الرهيبة التي عشتها في أحد أقبية الاعتقالات إثر مظاهرة نوروز عام 1986 لمدة سنتين وأعتقد أنه ولحد الآن يعيشها المعتقلون السياسيون في بلادنا الحبيبة .. كما هي دون تعديل ..

مصطفى شوقي الجندي

قصير القامة ، أبيض اللون ، أشيب الشعر .. كان عمره (وقتها) سبع وخمسون عام . لمّـا شاهدته شاهدته لأول مرة في بداية دولي السجن في معتقل لفرع مخابرات المنطقة بدمشق …
لم أجد مكانا ً أجلس فيه بين نزلاء القاووش الذين كان عددهم تسعين شخصا ً في بادئ الأمر …
تأخر الوقت وأنا بدون مكان أنام فيه .. دعاني أحدهم وكان من سكان حي مجاور لحيينا ( حي الصالحية ) قال لي : ” هذا المكان لرجل خرج منذ الصباح ولم يعد .. أعتقد أنهم أطلقوا سراحه ، سننتظر بعض الوقت وبالتالي يمكنك أن تنام فيه .
تنفست الصعداء لأني وجدت مكانا ً للنوم ، وراح صاحبي يحدثني بهمس عن سبب زجه في السجن ، لقد أسـّر لأحد زبائنه في دكانه أن كل شئ أصبح غال هذه الأيام ، مما جعل (المخابرات) أن تعتبر كلامه هجوما ً على السلطة فاعتقلوه ، ثم حكموه عرة أيام تسمى في قاموسهم : ” تعزيرية ” .. !!!
تبادلنا الحديث ن والثرثرة حتى الواحدة ليلا ً (تقريبا ً) ، وإذا بالباب الحديدي يفتح ، ويدخل أربعة سجانة ليلقوا ببطانية فيها شئ مابين كتل المعتقلين الذين غلب على معظمهم النوم .. وخرجوا .
مالبث أن صدرت أنات شخص وصوت ضعيف يستغيث طلبا ً للمساعدة .. استيقظ الشخص الذي رميت عليه البطانية بمن فيها ليساعد صاحب الصوت ، يخرجه ، ويحمله إلى مكانه الذي كدت أن أعتقد بأني أستطيع النوم فيه تلك الليلة ..
لعرة أيام على التوالي ساعدنا الرجل على امكانية الجلوس ، والنهوض ، والمشي .. حتى رجع له شئ من عافيته وبدأ يستأنس بنا ويحكي لنا عن نفسـه ..

ُكني بأبو شوقي ، وكان يملك أرضا ص جميلة ، وبيتٌ زرع حوله أنواعا ً من الأشجار المثمرة ، ، وبقول وبعض أنواع من الورد قبل هجرته التي دامت طويلا ً.
أكد لنا بأنه ترك زوجته وأولاده فيها وهرب متوجها ً إلى عمان – عاصمة الأردن – إثر أحداث الاخوان المسلمين في ادلب وضواحيها لخوفه من أن (يتهم) بالعلاقة مع هذه المجموعات ..
عمل في عمان بالتجارة ، وبعد سبع سنوات فكر في الوصول إلى الغرب الأوربي ليلجأ هناك كما يفعل الكثير من الناس .. حاول ، ولما وصل بوخارست أخفق في الوصول إلى الأبعد ..
تداخلت أفكاره ، وتوصل إلى أمر عزم عليه .. طرق باب السفارة السورية ، واستفسر من السفير عمـّا إذا كان وضعه في خطر لو عاد إلى الوطن ، فأكد له السفير السوري هناك بأن وضعه على مايرام ، ولا يوجد مايستوجب الخوف منه ، بل أنه يتعهد بأن لايمسه ( مخلوق ) وأنه سيساعده بكل امكانياته ..

*************

عندما عاد استقبلته المخابرات الجوية في المطار وحولوه إلى قبو لأحد فروعهم الواقع _ مقابل كلية الفنون الجميلة _ فطالت فترة استضافته لديهم أحد عشـر شهرا ً ، ثم تم تحويله إلى الفرع الذي نحن فيه وهو عندهم منذ سنة .. !!
تعرض للتعذيب الشديد ، وكانوا يطلبونه للتحقيق بين الفينة والفينة .. وكان يتعرض للسخرية من جانب السجانين بما فيهم الممرض الذي كان يتعلم التهديف والنينة عندما كان يحقنه بالإبر(الحقن) التي قد يصفها الطبيب الخاص بالسجن .
أضرب ذات مرّة عن الطعام فتضامنـّا معه ( غالبيتنا ) غير أن مسؤولي السجن لم يأبهوا للحدث وعاقبوه بالضرب ، هددوه إن لم يرجع عن إضرابه فسيموت مجانا ً .
بقي أبو وقي في مهجعنع أو (قاووشنا) حوالي سنتين ثم وفي يوم قائظ نودي عليه .. وقف الجميع يودعونه ، ويرجوه أن لاينساهم ، أن يمرّ على بيت كل واحد منـّا يخبر أهلنا بأنـّا مازلنا في عداد الأحياء تحت الأرض .. يذكر لأهلنا بأنه صادفنا .. شاهدنا في سجن ما .. أو فرع ما ..
خرج أبو شوقي وتحلقت كل مجموعة على حدى لتذكر محاسنه ، ومساوئه ، وتتندر ببعض ماتعرّض إليه المسكين من عذاب .
البعض حسدوه ، والكل دعوا الله أن ُيفطن أبو وقي به ليذهب إلى بيت أهله يطمئنهم بأن ابنهم موجود .

***********
نودي على زميلي أحمد للتحقيق معه .. ولمـّا عاد كانت رجلاه تورمتا وظهرت على وجهه كدمة إثر ضربة من الجلاد ..
بذهول قال لي : تصور أخذوني مطمشا ً إلى غرفىة التحقيق ، ولمّـا لم يكن المحقق متواجدا ً في غرفته توجب علي الانتظار جاثيا ً على الأرض .. كنت أرتجف من دة البرد سـيما وأني ذهبت وأنا بالشورت (كما أراد السجان) حضناني إثنان .. جرّاني إلى غرفة التعذيب .. بدأ أحدهم بضربي بسوطٍ مضفور (رباعي) بقوة متناهية ، وقبيل أن يغمى علي ّ سمعت زميله يقول له : ” .. ولك انتْ مابتعرف تضرب ، هات الكرباج لخليه يوف نجوم الضهر .” ..
يتابع .. : لم أستطع بسرعة تمييز صوته لأنهم كلهم كانوا يصيحوا صياحا ً .. لكن وبعد أن بدأ يعد ّ عرفته .. إنه الذي كان الذي يعدّ علينا عندما كنـّا نخرج إلى المراحيض .. إنه أبو علي بعينه ، وله في ذاكرتي صورة لغبي ساعده الحظ في إيجاد وظيفة كلب حراسة في أقبية المعتقلات المنتشرة في كل الوطن ..
استمر أبو علي في ضربي حتى طارت الطماة من على عيني .. رأيته مبللا ً بالعرق من شدة نشاطه .. !!
دخيلك هل سيترّفع إلى رتبة ضابط ، أم سيأخذ أجرا ً أكثر عندما يضرب الناس بشدة أكثر ؟؟ أم أنها هواية ســاديّ يتلذذ بعذاب الناس ؟؟ !!

***************

فيما بعد قرأت حديثا ً للقاص العراقي نجم والي والذي يقول فيه : ” .. مرّة وأنا أصعد الباص الرقم (4) في شارع الرشيد في بغداد ، رأيت جلادي الذي كان يعذبني في سجن الاستخبارات في وزارة الدفاع ، يقوم بلطف ليعطي مكانه لامرأة عجوز مخاطبا ً إياها تفضلي ياأمـي ، فنزلت من الباص غاضبا ً .
قد تقول لي هذا مايمكن أن يصوره الأدب ، ولكن رغم ذلك لم أستطع كتابة هذا المشهد ، أو مشـهد تعذيبي .. ” .

**************
صديق آخر .. في سـجن آخر .. بنى نوع من الإلفة مع سـجانه .. صارا يتمازحان ، يسأله السجان عن صحته بعض الأحيان ، بل كان يأتيه بكأس من الاي أو فنجان من القهوة الصباحية ..
طلبه المحقق ذات يوم وأمر سـجانه ذاته بجلده ، فضربه ضربا ً مبرحا ً للغاية ، حتى أنه قال لي (فيما بعد) : َطلع لي روحي أخ ..
ولمّـا انتهى التحقيق وحفلة التعذيب خرجا فقال لجلاده وهما في طريقهما إلى الزنزانة : ” هيك بتضربني ؟ كسرت عظامـي ياصاحبي .. !!
فأجابه : يابا كل ي لحال .. الــغل ـغل ، والصداقة صداقة .

****************

على فكرة ، أبو علي الذي عذب زميلي أحمد كان يفتح نافذة الباب الصغيرة في كل مناوبة ويسأل : ” مين عندو شـحاطة ولا ؟؟ ” فيعطيه الناس شحاطاتهم – ربما ليكف ّ البلاء عنهم ، وخاصة المعتقلين الجدد الذين لا يعرفوا تاريخ (أبو علي) مع الشـحاطات ، فهو يأخذها على أنها إعارة ثم ينسوا أنهم أعطوه شئ اسمه (شحاطة) حتى أن البعض كان يعتقد بأنه يهدي تلك الشحاطات لجيرانه ، وربما يبيعها في سوق البالة !!
والشحاطات التي كانت (تغيب) جميلة ، وغالبا ً ماتكون تفصيل (شغل دير الزور) وموصى عليها … وعندما لا يعطوه (شحاطة) فإنه كان يقتحم القوو وهو يزعق ويتطاول على الناس ن ويتفوه أحط الكلام وأرخص المنطق ثم يأمر الناس بقلب فراهم وأمتعتهم بحثا ً عن حاطة قد تكون متخفية هنا أو هناك .. في نفس الوقت كان هناك عريف متطوع يعمل كصيدلاني واسمه (عماد) مهمته توزيع الدواء على المرضى ، واتقاء لره ينادوه بالسيد عماد ..
عندما يدخل ليؤدي الدواء للمرضى فإنه يبدأ بتعذيبنا وتوبيخنا .. الجميع يجب عليهم الجلوس باحترام – رغم أننا كنّـا نسميه فيما بيننا بالفلعوص – وأن نسكت ، ، ونضحك عندما يكشـر ضاحكا ً ، ونسكت عندما يقطب ، كان من لؤمه ينيشن – كما يفعل مع أبو شوقي – حتى يولول المريض .
ذات مرّة اشتكاه الدكتور عماد محاسنة الذي كان معتقلا ً معنا لمسؤوله الدكتور ، وفي المساء جاءنا السيد أبو علي يعاتبنا ويوجهنا بمحاضرة ارشادية لا شأن لها بالأخلاق ، اختتمها بقوله : ” .. شوفوا ولو ، إذا اجى واحد حمار وطلب منكم شي لا ترفضوا ، بس قولوا له : أمرك ، وتعالوا خبروني ، وأنا باخد حقكم منو .
شــو بتحكوا ؟
ردد الجميع : أمرك ، أمرك أبو علي .. أمرك أبو علي .
ابتســـم بغباء وخرج .