الرئيسية » مقالات » دار الحنان” صورة مصغرة للوضع العراقي البائس

دار الحنان” صورة مصغرة للوضع العراقي البائس

هذه المقالة هي تكملة لمقالتي عن محنة الأيتام المعاقين المنشورة على مواقع الإنترنت قبل أيام بعنوان (أسوأ من فضيحة أبو غريب). و(دار الحنان) هذه اسم على غير مسمى، لملجأ حكومي المفترض به أن يقوم المسؤولون به على رعاية أطفال أيتام معاقين يحتاجون إلى عناية خاصة، تابع لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية.

ولكن بدلاً من رعاية هؤلاء الأطفال فالذي حصل وكما تم اكتشافه على أيدي الجنود الأمريكان عند مرورهم بالمنطقة وبمحض الصدفة، ونشرته محطة تلفزيون الـ (CBS) أنهم تعرضوا للإهمال والجوع إلى حد الهزال، وبعضهم تعرض حتى للإعتداء الجنسي. وكان كل هم القائمين في تلك المؤسسة هو سرقة المواد الغذائية المكدسة وبيعها في الأسواق بدلاً من تقديمها لهؤلاء الأطفال الأيتام المعاقين… (لقراءة التقرير ومشاهدة الصور والفيديو وتصريحات الوزير العراقي، يرجى الضغط على الروابط في نهاية المقال).

مرة أخرى أود أن أؤكد إن ما جرى في (دار الحنان) من إهمال متعمد ليس حالة نادرة، بل هي حالة متفشية واسعة الانتشار في عموم العراق في هذا الزمن الرديء، وسأوضح ذلك لاحقاً. كما إن ما حصل في هذا الملجأ يعطينا صورة واضحة وتفسيراً مقنعاً لما جرى ويجري في عراق ما بعد صدام. إنه لدليل قاطع على ما أصاب شريحة واسعة من المجتمع العراقي من خراب بشري وموت للضمير وعجز في أداء الواجب وغياب الشعور بالمسؤولية. وباختصار شديد، أن العراقي صار غير قادر على إدارة شؤونه ناهيك عن إدارة دولة مقدمة على تحولات اجتماعية كبرى تمر بمنعطف تاريخي عاصف. وسبب هذا الخراب البشري والتدهور الحضاري والانحطاط الخلقي، كما بينا في مناسبات عديدة، هو ما تعرض إليه هذا الشعب من الظلم والجور والجوع والحرمان والتعسف والإذلال ومصادرة الحريات خلال 35 عاماً من حكم البعث الصدامي الغاشم الذي منع العراقيين من التفكير وأخذ المبادرة في حل مشاكلهم، إذ كان صدام حسين هو وحده صاحب القرار، ويفكر نيابة عنهم. وكما يفيد علم الفسلجة، إن عدم استعمال أي عضو في جسم الإنسان يصاب بالضمور، وتسمى هذه الحالة بـ (disuse atrophy) وفق مقولة (use it or you will lose it). وهذا المبدأ ينطبق على العقل والضمير والتفكير أيضاً، فكيف يمكن لهؤلاء العراقيين الذين تعرضوا إلى هذا القدر من الظلم والحرمان أن يحلوا مشاكلهم ويؤدوا واجباتهم بالشكل المطلوب؟

لذلك نعتقد أن ملجأ (دار الحنان) عبارة عن صورة حقيقية مصغرة (miniature) للعراق بشكل عام. وإدارة هذا الملجأ هي صورة مصغرة للحكومة العراقية، وصور الأطفال وأجسادهم النحيلة المصابة بالهزال هي صورة حقيقية لمعاناة الشعب العراقي. ومن هنا ندرك لماذا فشلت الحكومة العراقية في القضاء على الإرهاب والفساد والسرقة، كما فشلت في توفير الأمن والخدمات للشعب المغلوب على أمره. إن دار الحنان هذه أعطتنا تفسيراً واضحاً لفشل الحكومة في سحق الإرهاب والجريمة المنظمة.

والذي أكد لي هذا الاعتقاد أيضاً هو ظهور وزير العمل والشؤون الاجتماعية على وسائل الإعلام، وبدلاً من أن يعتذر للشعب العراقي عن هذه الجريمة النكراء التي هزت الضمير العالمي، ويقوم بإجراء التحقيق وتقديم المقصرين إلى المساءلة والمحاسبة، رأيناه يدافع باستماتة عن المقصرين وينكر بشدة وقوع أي خطأ في معاملة هؤلاء الأطفال، وكأن شيئاً لم يكن، وأن ما جرى مسألة طبيعية لا داعي لانتقادها أو إثارة كل هذه الضجة!!! كما وراح الوزير يصب جام غضبه على الجنود الأمريكان الذين اكتشفوا هذه الفضيحة وأنقذوا الأطفال من الموت المحتم، وراح يشتمهم ويصفهم بأنهم أعداء العراق ويخطط لمقاضاتهم. إن كلام الوزير هذا يعني أنه وزملاءه الوزراء الآخرين هم قابعون وراء مكاتبهم في المنطقة الخضراء لا يدرون ما ذا يجري للشعب، وما يدور في مؤسساتهم دون أدنى مبالاة، وكل همهم هو اعتبار مناصبهم ما هي إلا فرصة ذهبية لا تتكرر لهم، لتحقيق أكبر قدر ممكن منافع شخصية، مادية واجتماعية، لهم ولعائلاتهم وأقربائهم وأصدقائهم، ويفسر لنا أيضاً أن إشغال المناصب الخطيرة هذه لا يتم وفق الكفاءة، بل وفق المحسوبية ومبدأ (الأقربون أولى بالمعروف)، لذا فلا عجب أن يتردى الوضع العراقي كل يوم من سيئ إلى أسوأ، سواء في الأمن أو الخدمات وفي جميع المجالات.
أود أن أذكر السيد الوزير أن قبل عامين حصلت تجاوزات في النتائج الامتحانية لعدد من مدارس الثانوية في بريطانيا. وعندها أثيرت ضجة صحفية ووجهت انتقادات شديدة ضد وزيرة التعليم، السيدة (إستِل مورس) مما اضطرت تقديم استقالتها، معتذرة للشعب قائلة في رسالة الاستقالة أنها ليست بمستوى المسؤولية (I am not up to the job)، علماً بأنها كانت مثالاً للكفاءة والنزاهة والإخلاص. وبذلك فقد كسبت عطف واحترام المجتمع البريطاني. أما وزيرنا الهمام، فبدلاً من أن يعتذر ويشرح لنا ملابسات المشكلة، راح ينكر حصول أي خطأ، ووصف التقرير بأنه فبركة من أعداء العراق الذين لا يريدون له الخير. وبذلك فقد أثبت السيد الوزير أن “أعداء العراق” هم أرحم بالشعب العراقي من أبنائه.

ما العمل:
وبعد كل هذه الفضيحة إلى درجة أن صار اسم (دار الحنان للأيتام) مرادفاً لفضيحة سجن أبي غريب، إلى حد أن تدخلت حتى منظمة اليونيسيف التابعة للأمم المتحدة تستنكر هذه الفعلة، وتطالب بحماية لأطفال العراق اليتامى والمعاقين من الفاسدين والمقصرين (الرابط أدناه)
لذلك، نهيب بالسادة: رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وهيئة الرئاسة، بالاهتمام بالموضوع وأخذ الإجراءات التالية:
1- إقالة وزير العمل والشؤون الاجتماعية لعجزه وضعف الكفاءة، ومحاسبته على فشله ومحاولته تغطية الجريمة بحق هؤلاء الأطفال وإلقاء اللوم على الذين اكتشفوا الجريمة وأنقذوا الأطفال الضحايا،
2- تشكيل لجنة من المتخصصين للتحقيق في الموضوع،
3- تقديم المقصرين إلى المحاكمة وإنزال أشد العقوبات بحقهم وفق القانون، ليكونوا عبرة لمن اعتبر.
ــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة بالموضوع:
1- تقرير السي بي أس:
http://www.cbsnews.com/stories/2007/06/18/eveningnews/main2946007.shtml?source=mostpop_story
2- الصور
http://www.cbsnews.com/elements/2007/06/18/iraq/photoessay2942940.shtml

3- تقرير بثته قناة ال “سي بي اس» التلفزيونية
http://www.cbsnews.com/sections/i_video/main500251.shtml?id=2946323n

4- وزير العمل والشؤون الاجتماعية العراقي: سأقاضي القوات الأمريكية لمداهمتها دار الحنان للأيتام
http://www.akhbaar.org/wesima_articles/index-20070622-31923.html

5-اليونيسيف: مستقبل الأطفال المعاقين اليتامى في العراق واقع تحت تهديد حقيقي
http://www.akhbaar.org/wesima_articles/index-20070622-31935.html

6- د.عبدالخالق حسين أسوأ من فضيحة أبو غريب
http://www.aaramnews.com/website/6398NewsArticle.html

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *