الرئيسية » مقالات » باتريك سيل يشجع الحملات العسكرية الجديدة التي تستهدف الأكراد

باتريك سيل يشجع الحملات العسكرية الجديدة التي تستهدف الأكراد

قد لا يكون من باب الإثارة الإشارة بهذه الطريقة اللافتة إلى مقال للمستر باتريك سيل، نشر في جريدة الحياة بتاريخ 8/6/2006 تحت عنوان خبري: “تركيا تتأهب لشن حرب على أكراد العراق”. فالمقال في خطه العام سرد لمعلومات قديمة وتجميع لبعض الأخبار التي تكررها وسائل الإعلام هذه الأيام،وتصفيف لمعلومات حول استعدادات الجيش والحكومة التركية لشن حرب متجددة على شعب كردستان، إلا أن الصيغة التي يتم فيها عرض الأحداث والتصورات التي يقدمها مستر سيل، تفصح عن انحياز تام، بل معادة ضمنية للشعب الكردي، حيث يصور حركته في كردستان تركيا بأنها تقوم بعمليات إرهابية عابرة للحدود، نافيا بذلك الجذر التاريخي لهذه الحركة التي تعود إلى قرون وسنوات طويلة، كما أنها تتمتع في الوقت نفسه بشعبية واسعة. لا يفوت سيل الفرصة أيضا للتشكيك بالتجربة الكردستانية في العراق التي باتت معروفة بنجاحها وديمقراطيتها النسبية الواعدة، وكونها عامل استقرار وتطور وتوازن في العراق والشرق الأوسط بعكس ما يوحي إليه مستر سيل في مقاله.
يبدو للوهلة الأولى أن الكاتب (المتخصص في شؤون الشرق الأوسط) يكتب اعتمادا على معلوماته المتواضعة عن قضية الأكراد، ولكنه لا يتأسف لحال الأكراد ومعاناتهم أو اضطهادهم من قبل الحكومات، وحرمانهم من أبسط حق من حقوق الإنسان، لأنه لم يكلف نفسه بالبحث والكتابة في قضايا الأكراد يوما، كإحدى قضايا الشرق الأوسط الشائكة، وإنما يتأسف لأن لظروف الحكومة التركية التي تنوي جديا الهجوم على كردستان العراق، وكأنها في موقع الدفاع عن النفس، أو مجبرة للقيام بهذه الحملة، ويفترض أن الأكراد هم عامل استفزاز وجسم غريب على تركيا لأنهم يقومون بغزوات عابرة للحدود وعمليات إرهابية في مناطقه الداخلية: “ولا يخفى على أحد ما يجري من استفزازات. ففي هذا الشهر أدى هجوم بالقنابل شنه انفصاليو حزب العمال الكردستاني إلى مقتل ثمانية من رجال الشرطة وجرح ستة آخرين في إقليم تونشلي التركي في حين اتهم الحزب بالمسؤولية عن قنبلة قتلت سبعة أشخاص في سوق في أنقرة في 22 أيار الماضي.
حقا ما يورده سيل في مقاله مثير ومستغرب ومنافي لأبسط الحقائق والوقائع، كيف لكاتب يفترض به أن يكون إلى جانب الضعفاء والشعوب المهمشة ـ كما يشاع عنه لدينا في سورية من خلال كتبه التي تباع في المكتبات والوزارات ـ وليس في صف السلطات الجائرة، يكتب بهذه الطريقة المغايرة للواقع؟ ويقلب المفاهيم لدعم وجهة نظره المتعاطفة مع الحملات العسكرية المرتقبة لأعتى جيش في المنطقة، وتشجيعها لشن حملات إبادة ضد أبناء شعب أعزل.
فالمقال في خطه العام لا يحترم مشاعر ملايين الأكراد، ولا يأخذ معاناتهم بعين الاعتبار. وربما يفترض الكاتب سيل بأن أحد من الأكراد لن يقرأ هذا المقال المنحاز بشكل فاقع لعنف الدولة التركية ولسياسات القوى الكولونيالية القديمة منها والحديثة، المسئولة جميعا عن اضطهاد الشعب الكردي وفقره وشقاء أبناءه.
ما نجده مؤشرا ودليلا على انحياز سيل الفاضح لعنف الدولة التركية الموجه ضد ملايين الأكراد خارج تركيا وداخلها نلخصه بالنقاط المختزلة التالية:
– يستخدم سيل مصطلح شمال العراق وهو مصطلح يستخدمه اليوم عادة أعداء الشعب الكردي في المنطقة، وهو في الوقت نفسه المصطلح الرسمي والمحبب للسلطة / الحكومة التركية “كوزي ايراق”. ويتهرب من استخدام اسم “كردستان” التسمية الواقعية ـ القانونية بل الدستورية التي صوت عليه عموم الشعب العراقي وثبته تاريخيا الشعب الكردي وأصدقائه من قوى السلم والديمقراطية ومناصري حقوق الإنسان في المنطقة، وبشكل خاص الأوساط السياسية والثقافية العربية في العراق. فمصطلح كردستان قديم واستخدم قبل قرون عديدة وخاصة في الأدبيات الجغرافية والسكانية العربية الإسلامية، وهو ليس وليد ظرف سياسي آني، وإنما توسع استخدامه في القرن العشرين كمصطلح تاريخي وجغرافي، وكمصطلح سياسي وقانوني في المحصلة، وهو لن يلغى بقرار من الحكومة التركية ولا بتجاوزه من قبل المتعاطفين معها من القوى الاستعمارية. وإن تعابير ومسميات مثل جنوب شرق تركيا أو شمال العراق ما هي إلا الشق الآخر للحملة المناهضة للشعب الكردي، وهي محاولة لمنعه في اكتساب اسمه الحقيقي، فكردستان حقيقة تاريخية، حقيقة مجتمعية، حقيقة وطن وثقافة، ولا يمكن الإشارة إليها بوصفها جهات جغرافية محضة( جنوب شرق، شمال) أو كغرف ملحقة ببنيان هذه الدولة أو تلك.
– يصف الحزب العمال الكردستاني بالانفصالي ونضاله السلمي المتمثل في الدفاع عن النفس بالإرهابي، وهذا حكم قيمة وانحياز سافر من (باحث موضوعي).
– يصف الشعور “القومجي” للأوساط المعادية للشعب الكردي في تركيا بالشعور الوطني! كنوع من الإعجاب والتسويق من جهته للأتاتوركية وأنصارها.
– يصف الواقع الراهن لكردستان العراق والحراك السياسي والاجتماعي في إقليم كردستان بالنزعة الانفصالية: “وقد تؤدي الحرب بدلاً من القضاء على النزعة الانفصالية الكردية في العراق إلى إثارتها في تركيا التي تضم زهاء 15 مليون شخص من الإثنية الكردية” وهذا تعدي ومصادرة لأراء ومواقف ومشاعر الآخرين.
– يتحاشى استخدام مصطلح القومية الكردية ويستعيض عنها بمصطلح أثنية وهو تعبير ينطوي على كثير من التشكيك والمواربة والخبث في هذه الحالة، وكأن مستر سيل هو المسئول عن وضع معايير لتصنيف الشعوب والأمم وتحديد درجة تطورها الاجتماعي والاقتصادي.
– يدعو إلى وقف العنف في تركيا وكردستان ليس عن طريق إيجاد حل عادل للقضية الكوردية، وإنما بترجيح الحل العسكري وتشجيع حملات الإبادة ضد المدنيين الكورد: “وعلى الجانبين ما زالت ذكريات الحرب حية في الذاكرة والكل متردد في السماح بعودتها. لكن الجانب التركي يجد أن حملة حاسمة ضد حزب العمال الكردستاني هي خير كفيل للحيلولة دون عودتها.”
ويضيف بصيغة التشجيع على أنه من فوائد ومكاسب هذه الحملة المرتقبة على الأكراد زيادة شعبية أردوغان وتحسين علاقته بالعسكر التركي، وهي نقاط سياسية وانتخابية عاجلة لصالح أردوغان: “من جهة أخرى، قد تعود الحرب على حزب العمال الكردستاني بمنافع سياسية على رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان مع استعداده للانتخابات العامة في 22 تموز إذ قد تخفف من حدة التوتر بين حكومته الإسلامية المعتدلة وقادة الجيش التواقين إلى مواجهة مع حزب العمال الكردستاني . كما قد تخفف من حدة الهجمات التي تشنها عليه المعارضة الكمالية المغالية في علمانيتها ووطنيتها.”
لكنه يتأسف لراهن الظروف السياسية، ويمتعض من المعادلات الاستراجية الجديدة في المنطقة، فيؤكد على أن أمريكا لن تسمح بهكذا حملة لأنها حسب رأيه متعاطفة مع الأكراد: “ومع أن الولايات المتحدة وصفت حزب العمال الكردستاني بالمنظمة الإرهابية فهي بالكاد حركت ساكناً لقمعه بسبب تخوفها طبعاً من عداوة حلفائها الأكراد العراقيين.”
علما أنه يظل يرجح، بل يشجع على قمع حزب العمال الكردستاني في هكذا هجوم عسكري، ويدعو إلى آخر كلمة من مقاله الإخباري التقليدي ـ وان بطرق مواربة ـ إلى حرب على كردستان العراق: ” ويعتقد العديد من المراقبين بأن احتمال سماح أردوغان بشن هجوم وارد جداً في الأسابيع القادمة”.
أخيرا يكرر مستر سيل ويجتر مخاوف الجهات المعادية لحق الشعب الكردي في الاستقلال، فيشكك أيضا بنوايا واشنطن ملتحما في شكوكه مع تشكيك الأوساط الكولونيالية العسكرية التركية في حقيقة نوايا واشنطن الاستراجية من مستقبل القضية الكوردية، في لفتة غير ذكية ومنحازة ومفضوحة منه لتأليب الرأي العام الإقليمي على الشعب الكوردي: “وهنا يطرح الأتراك على أنفسهم سؤالاً متكرراً يحيرهم: ما هي الأهداف النهائية التي وضعتها أميركا للأكراد؟ هل قبلت واشنطن بمفهوم الدولة الكردية في العراق علماً أن هكذا تطوراً سيولد بلا ريب طموحاً مماثلاً في صفوف أكراد تركيا؟ وأبعد من ذلك تكمن مخاوف أدهى وأعظم. فهل تخطط الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل التي ترتبط بدورها بعلاقات متينة قديمة العهد مع الأكراد لاستخدام القوات الوطنية الكردية ليس من أجل إضعاف تركيا وزعزعة استقرارها فحسب بل أيضاً العراق وسورية وإيران التي تضم كلها أقليات كردية داخل حدودها؟”
لن نجد بين خفايا أسطر المقال سوى دعوات مبطنة لشرعنة الهجوم على الأكراد على طرفي الحدود، ولن نصادف إلا تعابير مواربة ومستعارة كلها تصب في خانة تشجيع عنف الدولة، وهي تفتقر إلى الحد الأدنى من الموضوعية والمسؤولية الأخلاقية والإنسانية لكاتب يفترض له أن يكون محايدا وداعية سلم ومناصرا لحل قضايا الشعوب في العالم بأكثر الطرق سلمية ودبلوماسية.
انه حقا موقف يثير الاستغراب والاندهاش من كاتب لا يخفي سخطه من أمريكا التي تكيل بمكيالين وينسى أنه يفعل أسوأ مما تفعله أمريكا؟ خاصة في نظرته إلى خارطة شعوب الشرق الأوسط، حيث أنه في هذا المقال لا يعتبر الأكراد شعبا لهم حقوقهم المشروعة كباقي الشعوب في المنطقة والعالم!
ولم تعد هنالك حاجة إلى التكرار واقتطاف المزيد من المقال الذي يضع الكاتب باتريك سيل في مصاف الكتاب الكولونياليين المتطوعين لمعاداة طموحات الشعب الكردي المشروعة في التحرر والعيش بسلام على أرضه.
كما ليس من باب التشدد إن قلنا بأنه يحق لأهل الضحايا وذويهم المتضررين والذين سيتضررون من الحملات العسكرية، أن يصنفوا باتريك سيل إلى جانب القوى والشخصيات المسئولة عن إبادة الأكراد، حيث انه يبرر للحملات العسكرية، ويتناول موضوع الحرب على الشعب الكردي ونتائجها الرهيبة على المدنيين بدم بارد، فهو يبدو موضوعيا كأحد منظري ودعاة الحرب على الأكراد، الذين يحزنهم ويؤسفهم هذه المواقف المنحازة، والمتعاطفة مع السياسات الكولونيالية وعنف الأنظمة العسكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *