الرئيسية » مقالات » هل (أشرف) مدينة عراقية؟

هل (أشرف) مدينة عراقية؟

لو تفحصنا جميع خرائط العراق السياسية، لما وجدنا عليها أية إشارة الى مدينة إسمها “أشرف” على هذه الخرائط. ولو سألنا جميع التلامذة الممتحنين بمادة جغرافيا عن مدينة عراقية إسمها “أشرف” لرسب جميع التلامذة في إمتحاناتهم. المدينة موجودة وغير موجودة. فمن وجهة نظر صالح المطلگ، ومن حضر معه من العراقيين “كرنفال” منظمة مجاهدي خلق اللاجئة في العراق منذ عقدين ونصف، فهي مدينة تقع في العراق بل وموقع من مواقع “المقاومة البائسة”. وقد ترأس عضو مجلس النواب صالح المطلگ هذه الكرنفال، وسمعنا هجومه اللاذع وانتقاده للحكومة العراقية والتشهير بها، بدلا من ان يطرح ذلك كما جرى العرف البرلماني تحت قبة مجلس النواب العراقي، وليس تحت قبة منظمة إرهابية بالعرف الدولي. ولم ينس صالح المطلگ في كلمته “العصماء” الهجوم على الولايات المتحدة متناسياً أنه يلقي كلمته في أحضان منظمة ترتمي الآن بكل هيكلها وحتى النافوخ في أحضان الولايات المتحدة، وتقدم لها خدماتها المعلوماتية عن نشاط نظام المتطرفين في إيران وسلاحهم النووي، وهذا هو العجب كله بل وزيف كل دعوات المطلگ وصراخه حول الحرص على سيادة العراق.

مسجد على الطراز الإيراني في مدينة “أشرف”


“العراقية” نصب الحرية في مدينة “أشرف” “العراقية”

مدينة “أشرف” غير الموجودة على خارطة العراق، تحولت بعد تأسيسها كمعسكر لمنظمة إرهابية إيرانية مع بدء الحرب العراقية الإيرانية الى مدينة عصرية تضم كل ما تحتاجه أي مدينة عصرية وبكل مرافقها. إنها أكثر المدن “العراقية” نظاماً ونظافة ولدى بلديتها أكثر الإمكانيات المادية، بحيث تحولت أخيراً إلى مركز للنشاط السياسي والإجتماعي لعراقيين مناوئين لحكومة عراقية هم أعضاء فيها. فيؤم هذه المدينة أنصار النظام السابق أيضاً للإحتفال بمناسبات لم يعد بإمكانهم الإحتفال بها في مدن موجودة على الخارطة العراقية. وفي هذه المدينة تجري الصفقات الغريبة والعجيبة بين قادة منظمة مجاهدي خلق الايرانية “الضيفة” على العراق والعراقيين وبين أطراف إرهابية عراقية وغير عراقية ودولية، بما فيها “دولة العراق الاسلامية” من أجل إشاعة الفوضى في العراق وذبح أبنائه.
في هذه المدينة ما زال السلاح الثقيل والخفيف والدروع والصواريخ الذي استلمته منظمة مجاهدي خلق من نظام صدام حسين، قائماً وفي أفضل حالته، بل قد يسلم بعض منه الى أطراف عراقية وغير عراقية من أجل إستكمال هدم البلاد والذي بدأ به صدام حسين وزبانيته قبلئذ.


ميليشيات منظمة مجاهدي خلق الايرانية تستعرض في مدينة”اشرف” “العراقية”

لقد تحولت هذه المنظمة بعد أن كان لها قدر من الرصيد الشعبي في إيران وبعد صدامها الدموي مع خصومها من المتطرفين من حكام إيران، وبعد لجوئها الى العراق، إلى منظمة تعرض خدماتها بالجملة والمفرد في سوق المضاربات السياسية الإقليمية و الدولية. ففي أوج لهيب الحرب العراقية الإيرانية إختارت هذه المنظمة الوقوف الى جانب صدام في عدوانه وحربه العبثية للتخفيف من وطأة الحرب على نظام صدام، تماماً مثلما إختار بعض العراقيين من “التوابين” وغير “التوابين” تشكيل فيالق وكتائب ليقفوا الى جانب هذه “الفزعة” الوحشية للحرب التي أشعلها صدام حسين وأصر على إستمرارها نظام التطرف الديني في إيران. ولقاء ذلك أغدق صدام حسين بكرم حاتمي من أموال العراقيين على هذه المنظمة وسلحها ووفر الرفاه لها في وقت كان فيه العراقيون يأنون من عبئ العوز والفاقة والحرمان من الخدمات الضرورية. لقد تحولت هذه المنظمة منذ بداية الحرب العراقية الايرانية الى منظمة للمرتزقة وعرضت كل خدماتها للاجهزة الامنية والعسكرية لحكم صدام حسين. ويشير أحد من فلت من هذا الفخ أن صدام أغرق المنظمة بشكل سخي. فقد كانت تستلم مبلغ 75 مليون دولار شهرياً من الحكومة العراقية اضافة الى الخدمات في توفير السلاح بمختلف انواعه والمعلومات الامنية واللوجستية وتوفير الحركة وتأمين جوازات السفر وغيره. وبلغ راتب عضو المنظمة من الحكومة العراقية مقدار 500 دولار شهريا اضافة الى مبلغ 2000 دولار لمن يشارك في النشاط العسكري في المنظمة. لقد سلمت المنظمة العشرات من معارضيها من أعضاء المنظمة الى السلطات الامنية العراقية التي فرضت عليهم السجن في معتقل الرضوانية او ساومتهم مع السلطات الايرانية بتسليم كل من عصى على قيادة مسعود رجوي لقاء اطلاق سراح 13 أسير من الاسرى العراقيين اثناء الحرب العراقية الايرانية، في سابقة تخالف كل التعهدات الدولية.
ومع هذا الارتهان لنظام صدام حسين، تحولت المنظمة الى اداة طيعة بيد النظام السابق وأجهزة مخابراته في كبح وقمع اية حركة عراقية معارضة. وكان اوج هذا التدخل الفض في الشأن العراقي هو مشاركتها الى جانب قوات صدام في قمع إنتفاضة الشعب العراقي عام 1991 وخاصة في مناطق كركوك ومناطق الوسط. وهكذا اصبحت المنظمة جزءا لا يتجزأ من المنظمة القمعية البوليسية لصدام حسين وبل وأصبح ذلك دورها الاساسي، الذي تحول بعد الإطاحة بنظام صدام حسين الى بؤرة لبث العزيمة في نفوس فلول النظام السابق و أحدى قواعد إشاعة عدم الإستقرار في البلاد. إن طابع الإرتزاق لهذه المنظمة حولها أيضاً الى أداة طيعة مأجورة لأجهزة مخابراتية إقليمية ودولية. فها هي تعرض خدماتها الى الجانب الأمريكي في نزاعه مع نظام المتخلفين في أيران مقابل إستمرار وجود هذا “الضيف الثقيل” على الأراضي العراقية.
إنها لعبة قذرة ما كان لها أن تستمر وتلحق أفدح الأضرار بالعراقيين لولا قبول بعض العراقيين بالتوسل بمن هب ودب من جهات أجنبية للتوسل بها والسماح لها بالتطفل على الشأن العراقي. ومن المؤسف أن ينتبه مجلس النواب متأخراً الى ظاهرة مجاهدي خلق إيران في العراق، وطلبت كتلة الإئتلاف العراقي مناقشتها في المجلس. ولكن الغريب كل الغرابة أن هذه الكتلة وكتل أخرى لا تطالب بمناقشة تدخلات سافرة لدول إقليمية مثل إيران وسوريا ودول خليجية صغيرها وكبيرها في الشأن الداخلي لهذا الشعب المظلوم. إن قوى مؤثرة في الإئتلاف هي التي تسكت بل تروّج للتدخل الإيراني من خلال تشجيع الولايات المتحدة على التفاوض مع إيران حول أمن العراق؟؟ نعم أمن العراق، وهو قبول ضمني بالتدخل الإيراني في الشأن العراقي تماماً كما يفعله صالح المطلگ في تشجيع مجاهدي خلق على التدخل السافر في الشأن العراقي. أن لدى أجهزة الأمن العراقية أدلة كثيرة لا تنشرها حول تدخلات إقليمية فضة تؤدي الى قتل جماعي للعراقيين وتخريب بيوتهم. فهناك التدخل السوري وحليفة سوريا ايران والتدخل التركي والخليجي والحبل على الجرار في ظل تسابق مريض من قوى عراقية لتشجيع هذه التدخلات وتحويل بلادهم الى ساحة لصراع الوباش. إذن العيب فينا نحن العراقيون، وإذا لم نعالج هذا العيب فإننا نتحول، وتحولنا بالفعل، الى لبنان ثانية. هذا البلد الذي إختار هذا المرض منذ تأسيسه وحوّل بلاده الى ميدان لصراع الجبابرة الإقليميين والدوليين بدلاً من الحزار الداخلي وجلب هذا الخيار الخراب تلو الخراب والضحايا تلو الضحايا الى ان وقع أخيراً رهينة بيد فتح الأسلام. فهل يتعض العراقيون من هذا الدرس المريع او من تجربتهم الحالية. كان على مجلس النواب فتح ملفات كل التدخلات وليس التستر على بعضها وكشف الآخر بما ينم عن عدم الحرص على البلاد وشعبها. وكان على مجلس النواب إتخاذ قرار بإدانة موقف القوات الأمريكية التي تحتضن إرهابيين بعرف الإدارة الأمريكية بهدف تصفية حسابات مع النخبة الحاكمة في ايران. إن الإدارة الأمريكية تستخدم منظمة مجاهدي خلق إيران و دخلت معها في صفقة بائسة وفاشلة شأن الكثير من اجراءاتها الفاشلة في العراق في أمر لا علاقة له بالعراقيين وأمنهم، وهي لا تتعض من الآلاف من أخطائها السابقة على حد قول المسؤولين الأمريكان أنفسهم.
إن مهمة ومسؤولية كبرى تقع على عاتق مجلس النواب والحكومة العراقية والنخب السياسية العراقية في التحري عن كل السبل لحماية العراق وشعبه الجريح، وأن لا أن تدخل في صفقات مشبوهة على حساب أمن البلاد. وعلى الناخب العراقي إعادة النظر في خياره الخاطئ السابق ويختار ممثلين له يدافعون عن مصالحه ومصالح العراق وليس عن مصالح مجاهدي خلق ونقيضها ويتنكرون لمصلحة البلاد.
20/6/2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *