الرئيسية » مقالات » ميغن أوسلفان في العراق

ميغن أوسلفان في العراق

إنها على معرفة بأوضاع العراق، مهمتها مراقبة أداء الحكومة العراقية ومدى استعدادها للإسراع بإنجاز أربعة ملفات ساخنة لتحقيق المصالحة الوطنية وهي الإسراع بتعديل الدستور وإصدار قانون النفط والغاز وإبدال قانون اجتثاث البعث بقانون المساءلة والمصالحة وأخيرا إنجاز انتخابات المجالس المحلية للمحافظات، كان هذا ما قاله الرئيس الأمريكي عن الآنسة أوسلفان.
هذه النقاط الأربعة هي في الواقع التوصيات من26 الى29 في تقرير بيكر وهاملتون، حيث تفترض الإدارة الأمريكية والكونجرس أيضا أن إنجاز هذه الملفات من شأنه إنهاء العنف! في حين إن أجندة العناصر المسلحة ليست مطلبية ولا علاقة لها بهذه الملفات الأربعة، فهي أجندة تهدف من حيث الأساس إلى إثارة العنف المسلح بأشكاله المتعددة من أجل الإخلال بالأمن الذي يعتبر هو المفتاح لنجاح أي حكومة. بمعنى أن أجندة الإرهاب تتمثل “”بالفوضى الهادفة””، وهي غير الأهداف التي بشر بها هنري كيسنجر كوسيلة للقضاء على الإرهاب من خلال “”الفوضى الخلاقة””، لكن الوسائل بإشاعة هذين النوعين من الفوضى هي نفسها. لا أدري أيهم أكثر ذكاءا، مخططي البيت الأبيض الأمريكي الألمعيين أم الإرهابي الذي لم يغتسل منذ العيد الماضي؟
وما يؤكد أننا تجاوزنا مرحلة الشك أو الظن حين وقع الرئيس بوش الأسبوع الماضي القانون الذي يلوح بإمكانية سحب القوات الأمريكية من العراق، في حال فشلت الحكومة العراقية من تحقيق تقدم في مجال الإصلاحات السياسية والأمنية.
من ناحية أخرى وبنفس السياق نسمع رئيس الأركان الأمريكي يقول “”أجبرت على التنحي ولم أستقل طواعية، فقد شعرت أن ذلك لا يصح أن يصدر عن قائد، ولكني أبلغت أن مهمتي قد انتهت””، وهذا يعني أن المهمة الجديدة للجيش الأمريكي في العراق قد تبدلت بالكامل، وهي الآن مهمة أخرى غير التي جاءت من أجلها.
إذا، وبلا أدنى شك أن ميغن، المندوبة الأمريكية السامية في العراق، التي وصلت مؤخرا إلى بغداد في مهمة محددة، هي ليست كما يقول الرئيس الأمريكي من أنها تسعى إلى مساعدة الحكومة العراقية على تحقيق تلك النقاط الأربعة سالفة الذكر، بل هي تحقيق أهم حلقات عملية الانقلاب التي تقترب من نهاياتها السعيدة بالنسبة إلى أمريكا، وأن ميغن تحمل بداخل حقيبتها تقرير بيكر وهاملتون بنسخته التفصيلية وليس تلك المنشورة التي حذفت منها التوصيات السرية وبعض الملاحظات لمن يحمل على عاتقه تنفيذ التوصيات على أرض الواقع.
قدرات ميغان اوسلفان على التعامل مع هذا الموضوع كبيرة جدا، والعهدة على وكالة رويتر، فهي كانت تعمل من قبل نائبة لستيفن هادلي مستشار الأمن القومي الذي استقالت منه مؤخرًا، لكنها عملت بعد ذلك كزميلة لمركز بروكلينز للدراسات تحت قيادة ريشارد هاس، وكان عملها تحديدا بمركز التخطيط السياسي في وزارة الخارجية لتطوير العقوبات الذكية ضد العراق…..
هنا نتوقف قبل أن نواصل قراءة السيرة الذاتية لميغن كما أوردتها رويتر، فكما هو معروف، لا توجد عقوبات ذكية ولا غبية على الحكومة العراقية التي مازالت تحت الوصاية الأمريكية تقريبا، فقد سمعنا عن هذه العقوبات أيام الحصار على العراق، أي قبل ما يقرب من عشر سنوات، لكن لم يسمع بها أحد بعد إسقاط نظام صدام!
في الحقيقة هذا ما نستطيع فهمه من خلال قراءة كنية ميغن، أرجو أن لا أكون على خطأ، وهو ما يجعل من حسن الظن بتوصيات بيكر وهاملتون نوع من السذاجة، أي إن التوصيات التي سوف تعمل ميغن على تحقيقها لا تريد تحقيق الأمن بالسرعة المطلوبة أمريكيا قدر ما تعمل على خلق الذرائع الكافية لإسقاط حكومة المالكي وسحب الشرعية منها وفق ما جاء بالوصيات، كون ميغن كانت تعمل قبل وصولها إلى بغداد على عقوبات ذكية على العراق لحساب وزارة الخارجية، أي إن الحكومة العراقية تقع تحت طائلة عقوبات غير معلنة، لذا سميت بالذكية بدلا من إعطائها الاسم الحقيقي، وهي تمرير سياسة لا ترغب بها الحكومة التي يقودها الإسلام السياسي الشيعي، أي خلق الذرائع التي تبدوا موضوعية في شكلها من أجل سحب الشرعية الدستورية منها، حيث، كما أسلفنا، أن ميغن كانت مكلفة من قبل معهد بروكلينز الذي تستعين به الإدارات الأمريكية في حل أي معضلة تواجهها، ويبدو أنها أبدت حماسا وبراعة بصناعة هذا النوع من العقوبات الغير معلنة، ومنها التراخي المتعمد بالقضاء على العصابات المسلحة في العراق، وزج المزيد من المخربين للعملية السياسية من الداخل، وتسليح العناصر المسلحة التي تدعي قتال الأمريكان بحجة زجهم بالعملية السياسية ودفعهم في مواجهة مسلحة مع القاعدة دون التنسيق مع الحكومة، ومنها أيضا شل القرار العراقي على جميع المستويات من خلال زج عناصر لا تنسجم مع الآخرين ولا تعمل بروح فريق العمل الجماعي بحجة توسيع المشاركة لتشمل مساحة أوسع من مكونات المجتمع العراقي، ومنها أيضا زج رجال النظام السابق في مرافق الدولة العليا وإشراكهم بجميع مفاصل السلطة. طبعا هذه الأمور وغيرها لا تخفى على المالكي، ففي حديث له مع الصحافة كما أوردته المدى، قال أن حزب البعث المنحل وتنظيمات القاعدة قد أوعزوا إلى بعض عناصرهم للدخول في العملية السياسية من باب المصالحة الوطنية، وذلك بقصد اختراق العملية السياسية وإعاقتها من داخلها، كما وانتقد القوات الأمريكية بتزويد العناصر المسلحة بالسلاح.
أضف إلى ذلك، هناك اعتقاد سائد لدى المراقبين السياسيين هو أن الهدف النهائي قد يكون تسليمهم السلطة بالكامل للبعثيين وإبقاء الإسلاميين على الهامش، وتحديدا الإسلام السياسي الشيعي الذي لا ترغب به أمريكا أن يكون بديلا في قيادة عملية إقامة نظام ديمقراطي في العراق منذ البداية، ولكن لماذا يكون البديل هو البعث؟ فالبعث قد أثبت أنه لا يقبل بالشريك بأي حال! ربما يكون السبب يتعلق برغبات أو اعتراضات دول الجوار الإقليمي العربي.
نعود إلى استكمال قراءة كنية ميغن أوسلفان، لهذه الأسباب قرر الرئيس أن تكون ميغن بالذات كمندوبة سامية نيابة عنه في بغداد، هذا إضافة إلى مؤهلاتها الأخرى كما نقلتها رويتر، فهي ثلاثينية مولودة في عام1969، أيرلندية الأصل وتحمل البكالوريوس من جامعة جورج تاون والماجستير والدكتوراه من جامعة اوكسفورد، ويرشحها زملاءها في البيت الأبيض لمنصب مستشار الأمن القومي الأمريكي مستقبلاً. يضاف إلى ذلك مؤهل آخر مهم جدا، فقد سبق لها أن عملت في العراق كمساعدة إلى الحاكم الأمريكي السبق بول بريمر. هذه الشابة التي تتوقد ذكاءا، أو خبثا، سمه ما شئت، ستكون علاقتها مباشرة مع البيت الأبيض، وتقدم تقاريرها للرئيس مباشرة، كما وتعتبر أكثر أهمية من السفير كروكر في بغداد. بمعنى أنها بول بريمر جديد في العراق، وهذا يعني أن العراق سوف يواجه فترة فراغ دستوري وسلطوي يجب ملؤها فورا.
بنظرة موضوعية للأمر، نستطيع الجزم أن الحكومة العراقية ربما تستطيع تحقيق الكثير من الإصلاحات السياسية التي تكلم عنها الرئيس الأمريكي بوش، لكنها لن تستطيع تحقيق الأمن لعدة أسباب، أهمها التراخي المتعمد والواضح للقوات الأمريكية بإنجاز هذه المهمة، إضافة إلى أسباب أخرى عديدة تقع مسؤوليتها على عاتق القوات الأمريكية، وفي حال تم الانسحاب فعلا كما هدد القانون، فإن ذلك يعني أنها سوف تستبدل بأخرى عربية حسب توصيات بيكر وهاملتون، وهذا ما يرفضه أطراف عديدة في العملية السياسية أهمها كتلتي الائتلاف والكتلة الكوردية.
الحكومة تجد أيضا أن هناك تحركات لكتل سياسية مدعومين بدول الجوار الإقليمي العربي بقيادة الدكتور علاوي لتشكيل تكتل يهدف إلى خلق معارضة للحكومة بداخل البرلمان، يقولون أنهم يمارسون حقهم الدستوري بشكل ديمقراطي.
لكن من خلال مراجعة توصيات بيكر وهاملتون والفشل الأكيد بعودة الأمن خلال فترة زمنية بسيطة جدا، وتلك التحضيرات التي تجري على الأرض والتي لا تخفى أهدافها على لبيب، فإن هذه الكتلة سوف تكون هي البديل للحكومة الحالية، وهذا ما جعل من حكومة المالكي تجزم أن وراء هذا التكتل مؤامرة، وإن هدفهم هو القيام بانقلاب مدعوم أمريكيا وعربيا، وهو ما أعلنته الحكومة العراقية على لسان أعلى المستويات فيها.
ولمزيد من الإيضاح، نعود إلى توصيات بيكر وهاملتون، حيث إن التوصية25 من التقرير الذي تحمله المندوبة السامية معها تعني أن الحكومة المنتخبة سوف تفقد الشرعية، من خلال وضع الشروط التعجيزية عليها، وهي عدم تمكنها من توفير الأمن والخدمات. وبالعودة إلى باقي التوصيات نجد الآتي:
• إلغاء الدستور الذي كتبه برلمان منتخب واستفتى عليه الشعب، وكتابة دستور جديد بواسطة الولايات المتحدة أو الأمم المتحدة— التوصية26
• إجراء انتخابات جديدة بعد إقرار الدستور الجديد—– التوصية29
• إعداة النظر بموضوع كركوك حسب رويا دولية من دول مجموعة الوصاية الجديدة—– التوصية30
• تفريغ وزارة الداخلية من قواتها الضاربة——— التوصية50
• إعادة البعثيين للجيش والقوات المسلحة وأن يضع الرئيس الأمريكي مسؤولية الجيش كاملة بيد الأمريكان——— وفق مضمون التوصيات من40 ولغاية61.
• إعادة البعثيين لمركز القرار العراقي——– التوصية27
• وأخيرا إلزام الحكومة بإطلاق سراح المعتقلين، وأن تكون أكثر سخاءا بما يتعلق بموضوع بالعفو عنهم، أي على أساس مقولة “عفا الله عما سلف” وهو بالضبط ما نادى به ممثلوا التكتل السياسي الجديد الذي أغضب الحكومة————- التوصيتين31 و36
والآن نتسائل، هل المالكي أساء التقدير؟ أم أن توقيت التكتل الجديد كان خطأ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *