الرئيسية » شخصيات كوردية » الأمير شرف خان البدليسي مؤرخا لتاريخ الإمارات والامراء الكورد

الأمير شرف خان البدليسي مؤرخا لتاريخ الإمارات والامراء الكورد

الأمير شرف خان بن الأمير شمس الدين البدليسي الروزكي، أمير أيالة بدليس على عهد سلطنة السلطان محمد خان الثالث بن السلطان مراد الثالث، درس العلوم الدينية، وكان يقضي وقته بمطالعة كتب أخبار الخلف ودرس حالات السلاطين السلف “حتى إذا تضلع بذلك العلم الشريف (أي علم التاريخ) واكتسب، في الجملة، مهارة في ذلك الفن اللطيف، وأدرك في نفسه الجرأة والجسارة الأدبيتين، فيما يتعلق بضبطه، حسبما أمكنه، عند ذلك جال في خاطره أن يؤلف في ذلك العلم الشريف كتابا لم يبلغ شأوه شعاع شعور المتضلعين بعلم التاريخ، ولا أدرك كنهه أفكار متتبعي أحوال السلاطين المتقدمين منهم والمتأخرين”.وقد فرغ من تأليف هذا الكتاب باللغة الفارسية سنة 1596 م، أما الوقت الذي بدأ فيه شرف التأليف فمن الصعب تعيينه بصورة قطعية كما يشير زرنوف. يتألف الكتاب من مقدمة وأربعة أبواب وخاتمة، ويقع في 744 صفحة في نسختها العربية الصادرة، للتو، عن دار المدى بدمشق، علما أن ثمة طبعات عربية أخرى للكتاب لعل أهمها تلك التي أنجزها محمد علي عوني في عشرينات القرن الماضي في القاهرة، فضلا عن صدوره باللغة التركية، والكوردية السورانية، والكوردية اللاتينية (الكورمانجية).يبحث شرف خان في مقدمة كتابه عن أنساب العشائر الكوردية، ومنشئها، وسيرها، والعناوين التي عرفت بها، ويورد في البداية روايات عدة عن انساب الشعوب الكوردية، وهذه الروايات كثيرة ومتضاربة، ويضيف “الشعب الكوردي أربعة فروع كبيرة تتخالف لهجات لغتهم وسحنتها وآدابها، أولهم (كرمانج) وثانيهم (لر ـ اللر) وثالثهم (كلهر ـ كلور) ورابعهم (كَوران ـ الجوران)، ويحدد شرف جغرافية البلاد الكوردية التي تتطابق مع جغرافية كوردستان الحالية التي تظهر في الأدبيات الكوردية المعاصرة…

ويتحدث عن ديانة الكورد فيقول بان الأمة الكوردية تتمذهب بمذهب الإمام الشافعي، كما أن قسما منهم ينتحلون النحلة اليزيدية، ويعدد شرف في مقدمته مزايا الكورد وطباعهم فيقول “ولسواد الأمة الكوردية الباع الطويل في القيام بحقوق الوالدين، وإكرام الضيف، ومراعاة الأمور الدينية، وتأدية حقوق الناس، وإنصاف المظلوم من الظالم، والاعتراف بفضل المحسن والإقرار بولاية النعم والتضحية بالروح والقلب في سبيله. ويظهر أن اسم الكورد لم يطلق عليهم إلا ليعبر عن مدلول الشجاعة والبطولة”. ويشير شرف خان إلى بعض المثالب لدى الكورد، فيقول “وقد جبل الكورد على التنافر والشقاق، فلا يتناصرون ولا يتطاوعون ولا تربطهم رابطة الوحدة والاتفاق…ولما كانت الأمة الكوردية أمة أنفة، لا تنقاد للأوامر، ولا تنفذ الأحكام والقوانين فيما بينهم، نرى أكثرهم عتاة مجبولين على البطش وسفك الدماء، ميالين إلى الثار والانتقام…”، ويشير إلى الكبرياء الكوردي، كذلك، فرغم بؤس أحوالهم إلا انهم “أقنع الأمم وأرضاهم بالكفاف! بحيث أن معظم عامتهم يقضون أيامهم باقتيات (الجاورس والدخن) ولكنهم يربؤون بأنفسهم عن أن يلتجئوا إلى أمراء الدولة أو أصحاب الثروة الطائلة، في طلب رغيف حنطة، أو جمع مال…”.بعد هذه المقدمة يمضي شرف خان البدليسي إلى البحث في تاريخ أمراء وسلاطين وأشراف الكورد، فيخصص الباب الأول لسير تراجم ولاة كوردستان الذين رفعوا لواء السلطنة عاليا، فأدخلهم المؤرخون في عداد السلاطين، مثل ولاة ديار بكر والجزيرة، ودينور وشهرزور، وولاة الفضلوية المعروفة باللر الكبرى وكذلك ولاة اللر الصغرى، وينهي هذا الباب بالحديث عن سلاطين مصر والشام المعروفين بالأسرة الأيوبية وقد برز منهم صلاح الدين الأيوبي الذي يفرد له شرف خان مساحة واسعة يتحدث فيها عن خصاله وحروبه وشجاعته وعن أقاربه ونشأته. أما الباب الثاني فهو في ذكر أعاظم حكام كوردستان الذين إذا لم يستقلوا بالملك ولم يرغبوا في العروج، فقد أمروا ـ في بعض الأحيان ـ بتلاوة الخطب وسك النقود باسمهم، وهنا نتعرف على سير حكام اردلان وهكاري والعمادية وحكام الأسرة البختية، وحكام حصن كيفا المعروفين بـ “ملكان”. ويخصص الباب الثالث للبحث عن بقية كوردستان وأمرائها فنقرأ سير حكام جمشكزك، وحكام المرداسية، وأمراء بالو، وصاصون، وحكام خيزان، وحكام كليس وشيروان، وباطمان، وميافارقين، وسوران، وبرادوست وسواهم. أما الباب الرابع فهو في شأن حكام بدليس، وهم آباء جامع هذه الرسالة، ويشتمل على مقدمة للتعريف ببلدة بدليس وقلعتها، وبانيها، وما بعثه على تشييدها، ثم يتحدث المؤلف عن أجداده الأمراء ليصل إلى الخاتمة المخصصة لسلاطين الدولة العثمانية وملوك إيران وتوران (الطوران) وغيرهم.والواقع أن من يقرأ هذا الكتاب يندهش أمام هذا الجهد الضخم الذي بذل فيه، وهو جهد يليق بمراكز أبحاث كبيرة لا بفرد، لكن شرف خان البدليسي يكتب مبررا سبب تصديه لإنجاز هذا العمل الكبير”ولما كانت ماشطات عروس المقال، وببغاوات مسكرات الأخبار الحديثة منها والقديمة لم يعنين في أي عصر وزمن ببيان تراجم ولاة كوردستان، وكيفية الحالات التي كانوا عليها، ولم يدبجن كتابا منسقا عنها، مر بخاطر هذا الحقير الفاتر الساقط عن درجة الاعتبار ( وهو يعني هنا نفسه، إذ كانت نبرة التواضع هذه شائعة لدى الأدباء الكورد والفرس آنذاك)، أن يجمع بِِبَنان البيان، على قدر الإمكان، مجموعة يضمنها شرح حالاتهم وشمائلهم وأطوارهم، وأن يسجل ما وقع عليه نظره في تواريخ العجم (كتب التاريخ الإيرانية) وما سمعه من الطاعنين في السن الثقات الصادقين في أقوالهم، إضافة إلى ما عاينه وشاهده واطلع عليه بنفسه، وأن يسمي ما دونه “شرفنامه” لئلا تبقى تراجم أُسر كوردستان العريقة العظام محتجبة وراء ستار الكتمان”.

شفق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *