الرئيسية » مقالات » لماذا تشكل ديالى أحد أبرز معاقل الإرهابيين في العراق ؟

لماذا تشكل ديالى أحد أبرز معاقل الإرهابيين في العراق ؟

تقع محافظة ديالي على الحدود العراقية الإيرانية التي تمتد من الفاو في محافظة البصرة مروراً بمناطق من محافظة ديالى ومناطق أخرى في محافظتي السليمانية وأربيل لتنتهي عند الحدود العراقية التركية حيث المنطقة التي تسمى بالمثلث الحدودي الذي تلتقي عنده الدول الثلاث.
يسكن محافظة ديالى, ومركزها مدينة بعقوبة, خليط من العرب والكرد والتركمان, فهناك مناطق عربية وأخرى كردستانية, كما أن فيها أتباع للمذاهب الإسلامية الشيعية والسنية. كما تسكنها الكثير من العشائر العربية والكردية والتركمانية.
والمنطقة غنية ببساتينها ونخيلها وحمضياتها وفواكهها الأخرى وخضرواتها التحتية التي تعتبر من أطيب فواكه العراق وخضرواته, وهي غنية بمياهها والأنهر التي تمر بها وتسقي أراضيها. وفي هذه المدينة كان سجن بعقوبة الشهير الذي احتضن الكثير من السياسيين العراقيين لسنوات طويلة, وكانت النسبة العظمى من سجنائه من الشيوعيين العراقيين على امتداد تاريخ هذا السجن, وقد كنت أحد نزلاء هذا السجن أيضاً حين كان الجلاد علي زين العابدين مديراً للسجن.
كانت محافظة ديالى موزعة في ولاءاتها إلى الحزب الشيوعي العراقي والحزب الديمقراطي الكردستاني والحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال قبل ثورة تموز 1958, وفيما بعد وجد أعضاء لحزب البعث والقوى القومية أيضاً وخاصة في أعقاب سقوط الجمهورية الأولى واستشهاد عبد الكريم قاسم وصحبه من قادة ثورة تموز 1958 وانتصار الانقلاب الفاشي لحزب البعث والقوميين اليمينيين العرب. ومن هذه المنطقة انطلقت جحافل المنتفضين العسكر بقيادة عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف ضد الحكم الملكي, إذ كانت في هذه المنطقة العديد من معسكرات الجيش. وفي العام 1955/1956 أبعد إلى معسكر في السعدية في المحافظة الكثير من المناضلين المثقفين وأساتذة الجامعة وطلبة الكليات لفترة غير قصيرة حين كان نوري السعيد رئيساً للوزراء في فترة المراسيم القهرية والقمعية المعروفة التي صدرت في العام 1954.
لقد كان الفكر الماركسي والحزب الشيوعي العراقي يحتل موقعاً مهماً في صفوف سكان المحافظة وفي بعض أبرز مدنها ومنها بعقوبة وبهرز وخانقين والسعدية … على سبيل المثال لا الحصر. وهي اليوم معقلاً للإرهابيين, ولكنها لم تخل من قوى سياسية من مختلف الاتجاهات الوطنية, رغم إجبار الكثير منهم على مغادرة المنطقة, وبعد أن تم قتل الكثير منهم على أيدي هؤلاء الإرهابيين الأوباش من أتباع القاعدة وصدام.
في فترة لاحقة استطاع نظام صدام حسين أن يؤثر على عدد من العشائر ويكسبها إلى جانبه ويغريها بالأموال والمكاسب والامتيازات. كما اسكن في هذه المدينة الحدودية مجموعة كبيرة من مجاهدي خلق التي تقدر بعدة ألاف مقاتل والتي أصبحت عملياً أداة بيد هذا الدكتاتور لمناهضة والتشويش على الحكم الإيراني في حينها من جهة, ولكنها شاركت في قمع انتفاضة الشعب الكردي في أعقاب انهيار النظام وقواته العسكرية في حرب الخليج الثانية في العام 1991.
كان صدام حسين قد أبدى اهتماماً بهذه المنطقة لثلاثة أسباب, وهي:
1. قربها من الحدود الإيرانية ورغبته في إبعاد التأثير الإيراني عنها وكسبها إلى جانبه, فمنح بعض عشائرها جملة من المكاسب والامتيازات.
2. وجود مناطق كردية تابعة لإقليم كُردستان وفيها الكثير من الكُرد, إذ سعى صدام حسين إلى تهجير عدد كبير منهم قسراً إلى خارج المنطقة وإسكان عائلات عربية فيها تؤيده سياسياً, كما منح مساحات واسعة من الأراضي الصالحة للزراعة والخصبة فيها إلى جماعات من أتباعه ينحدرون من مدينة تكريت, مسقط رأس صدام حسين.
3. وجود عدد كبير جداً من أتباع مجاهدي خلق الذين سلحهم بأحدث الأسلحة ووضع بعض ابرز البعثيين مسئولين عن مناطق سكناهم ومعسكرهم تدريباتهم العسكرية والعمليات التي يمارسونها داخل إيران.
وبسبب أهمية هذه المدينة والحرب الطويلة التي استمرت ثماني سنوات مع إيران, قام النظام بخزن كميات كبيرة جداً من مختلف أنواع الأسلحة الحديثة الخفيفة والمتوسطة والصواريخ وقاذفات الصواريخ وكميات كبيرة من المتفجرات فيها وفي مناطق سرية ووضع أشرس كوادره من العسكريين وأجهزة الأمن والاستخبارات وتنظيماته الحزبية للعمل في المنطقة.
في أعقاب سقوط النظام تحول بعض العشائر الشيعية التي كانت موالية لنظام الحكم الصدامي إلى موالاة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بقيادة الراحل السيد محمد باقر الحكيم وميليشياته (فيلق بدر) أو إلى التيار الصدري وميليشياته (جيش المهدي), كما تحول بعض العشائر السنية العربية إلى موالاة هيئة علماء المسلمين أو الحزب الإسلامي أو التحق بعض أفرادها بقوى القاعدة وشتى التنظيمات الإسلامية المتطرفة والإرهابية.
بعد سقوط النظام تعطلت الحياة الاقتصادية إلى حدود بعيدة وتعثر العمل في الريف والزراعة وفي بساتينها الغناء وارتفع حجم البطالة كثيراً بين السكان الشباب على نحو خاص وتراجع مستوى معيشة السكان حتى أكثر من السابق وفي فترة الحصار البغيض وفقدت العديد من العشائر تلك الامتيازات التي حصلت عليها, رغم أن بعضها استطاع التعويض عنها بمكاسب من المجلس الأعلى أو التيار الصدري أو هيئة علماء المسلمين.
نشأت في مثل هذه الأوضاع الاستثنائية المعقدة إمكانية فعلية لنشاط أربعة أطراف تلعب دوراً كبيراً في الساحة السياسية العراقية, وهي:
1. القوى الإيرانية التي دخلت العراق في أعقاب سقوط النظام أو تلك التي تقف في المناطق الحدودية مع العراق. واهتمت هذه القوى بتقديم الدعم المالي والعيني لكل من يبدي استعداداً للعمل معها, إضافة إلى أنها ساهمت بتوفير السلاح والعتاد والمتفجرات وكل ما هو ضروري للعمليات العسكرية الإرهابية. وكان الهدف من وراء ذلك تنشيط التحرك ضد قوات الولايات المتحدة لإجبارها على إنهاء وجود قوات مجاهدي خلق في العراق أولاً, وعدم القيام بعمليات ضد إيران من محافظة ديالى ثانياً, وإخراج القوات الأمريكية من العراق ثالثاً, وتكريس “مصالحها الحيوية” رابعاً. والقوى الإيرانية المقصودة هنا تتوزع على قوى رسمية وأخرى غير رسمية مرتبطة بأجهزة مختلفة أو منظمات سياسية وشعبية تسمى مستقلة! ولم يكن يهمها أن تكون هذه القوى الإرهابية المسلحة التي تتعاون معها شيعية أم سنية مرتبطة بهيئة علماء المسلمين أم القاعدة أم أنصار الإسلام السنة أو المجاهدين أو ميليشيات بدر أو جيش المهدي.
2. القوات الأمريكية التي دأبت على محاولة كسب بعض العشائر والقوى على جانبها من خلال تزويدها بالمال والسلاح على أمل أن تحار القاعدة في حين كان يصل جزءاً من ذلك إلى القاعدة بسبب التسريبات المعروفة لأتباع القاعدة فيها, وهي لم تكن سراً غير معلن. وقد ساهم هذا الواقع بتعزيز قدرات القاعدة وإمكانياتها الإضافية من الأسلحة والعتاد والمتفجرات.
3. الأحزاب الإسلامية السياسية التي ولجت المنطقة وكسبت عناصر فيها وشكلت ميليشياتها المسلحة ووفرت المال والسلاح والعتاد لها من إيران أو من خلال أجهزة الدولة الرسمية وخاصة وزارتي الدفاع الداخلية أو حتى من خلال أجهزة الأمن الرسمية. وكان النشطاء في هذا المجال هم التيار الصدري والمجلس الأعلى وهيئة علماء المسلمين. إلا أن بعض العاملين في هذه التيارات كانت له صلة بالطرف الإيراني وبعضها الآخر بالطرف الأمريكي. وتؤكد الأيام لنا جميعاً عن وجود مثل هذا التسرب في أجهزة الدولة العسكرية.
4. أما الطرف الرابع فهو سوريا ومنظمة حماس الفلسطينية, وبالتعاون الوثيق مع إيران, اللتان احتضنتا البعثيين من أتباع صدام حسين وبعض القوى الإسلامية السياسية المتطرفة التي شكلت جماعاتها المسلحة والتي تداخلت في عملها مع قوى الإسلام السياسي المتطرفة, وخاصة جماعة القاعدة وهيئة علماء المسلمين السنة . ولم يكن صعباً إيصال السلاح والأموال والمقاتلين من سوريا وعبر نهر دجلة إلى تلك القوى الإرهابية. وكانت الكثير من الجماعات الإرهابية لا تمارس نشاطها في لواء الأنبار, وخاصة تكريت, بل تنفذ عملياتها في محافظة ديالى لكي لا تدمر مدينة تكريت أو تؤذي أتباعها هناك.
وعلينا أن نشير إلى بروز مصاعب جدية أمام القوى الديمقراطية والتقدمية للعمل في محافظة ديالى وفي ابرز مدنها بسبب عمليات الاغتيالات التي تعرض لها هؤلاء المناضلون, ومنهم مجموعة من الشيوعيين أو من الحزب الديمقراطي الكردستاني أو من الاتحاد الوطني الكردستاني أو من القائمة العراقية الوطنية.
توفر الكثير من مدن وأرياف محافظة ديالى, بطبيعة تضاريسها الجغرافية ومن حيث البساتين الكثيفة وجبال حمرين والمناطق الجبلية الأخرى, إضافة على العمق الإيراني المتوفر لها والقدرة على الانتقال من منطقة إلى أخرى, إمكانية التحرك والمناورة وممارسة عمليات الكر والفر. وتساعد الحماية المتوفرة لها من جانب قوى في إيران وسوريا غطاءً مهماً لعملياتها الإرهابية في العراق. ومحافظة ديالى قريبة جداً من بغداد وبالتالي الانتقال منها إلى بغداد غير معقد, ويمكن أن تشارك فيه العشائر العراقية الموالية لأي طرف من أطراف الصراع في العراق.
إن محافظة ديالى تعتبر اليوم أبرز معقل من معاقل الإرهابيين في العراق ومن مختلف الاتجاهات الإسلامية والبعثية المتطرفة أولاً, كما أن عملية تنسيق واسعة تدار اليوم بين القوى الإرهابية المرتبطة بالقاعدة من جهة وبالبعث من جهة أخرى, إذ يصعب على البعض تصور وصول مساعدات لهذه القوى من دول مجاورة يمكن أن تتحول في كل لحظة ضدها, وخاصة بالنسبة لإيران. إلا أن الواقع يؤكد وجود ذلك.
تقع على عاتق الحكومة العراقية مهمة ثقيلة في كيفية الفرز بين هذه القوى وسبل مواجهتها خاصة وأن القوات الأمريكية في العراق تمارس في هذه المحافظة سياسة سيئة لا تساعد على إنهاء العمليات العسكرية فيها, إذ أنها ترفض إنهاء وجود مجاهدي خلق في العراق وتسفيرهم إلى أي منطقة كانت من العالم, وأنها تقوم بتزويد جماعات معينة بالسلاح والعتاد, كما يمكن أن ترسل من خلالهم جماعات تجسس إلى إيران تثير مشكلات بوجه الحكومة الإيرانية التي تعتبر تدخلاً في الشئون الإيرانية. أما إيران فما برحت تؤكد عدم تدخلها في الشأن العرقي! والحقيقة هي: كلما ازداد تأكيد المسئولين في إيران على عدم التدخل في الشئون العراقية, كلما اشتد وتوسع وتعمق وتنوع ذلك التدخل, وكلما ازدادت العواقب الوخيمة الناشئة عنه على العراق والشعب العراقي. وكل من يصدق غير ذلك يؤكد كونه غير واعٍ لما يجري في العراق من صراع تدرك الحكومة بعض جوانبه ولذلك تصر على اللقاء الأمريكي-الإيراني الثاني لحل المشكلات بينهما وتخليص العراق من جزء منها, إذ أن التدخل الإيراني لا ينشأ من وجود قوات الولايات المتحدة في العراق حسب, بل ومن خشيتها من وجهة العراق الذي يتطلع إلى عراق ديمقراطي مدني مستقل, بغض النظر عن رغبات قوى الإسلام السياسي الحاكمة حالياً والتي تسودها الكثير من المشكلات وتواجه تفتتاً واضحاً في ائتلافها السياسي الداخلي. إذ أن رغبة إيران في أن يقوم نظام مماثل للنظام السياسي الإيراني في العراق.
أتمنى أن يحظى هذا الموضوع باهتمام السياسيين العراقيين واهتمام الكتاب العراقيين ويساهموا في توضيح الأوضاع في هذه المنطقة من العراق ومناطق أخرى ليتسنى للمجتمع مواجهة قوى الإرهاب المدمرة لحياة الناس ومعيشتهم وسبل تقدمهم.
حزيران/يونيو 2007 كاظم حبيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *