الرئيسية » مقالات » مرايا الســـــــــــــجن (2)

مرايا الســـــــــــــجن (2)

” الأمثولة ”

لا أخفيكم يا أصدقائي بأني وفي منفاي البعيد .. المنفى الذي أرغمت عليه لا أزال ومنذ تسعة عشر عاما ً أحلم أحلاما ً مفزعة ، وتنتابني في الليل كوابيس مخيفة .مرّة أرى في المنام ( لا أراكم الله هما ً ولا غما ً ولا اعتقال) المحقق الذي كان يحقق معي ، يلاحقني ومعه مجموعة كبيرة من المسلحين ، ومرة سيارة اسعاف فيها ممرضون يمتشقون أســلحة خفيفة ، يطلقون النار بين ساحات المدينة وهي تطاردني ..
ومرة جرذ رمادي يقضم أصابع رجلي واحدة تلو الأخرى ..
سأقص عليكم شيئا ً عن أيام الاعتقال الرهيبة التي عشتها في أحد أقبية الاعتقالات وخفت من نشرها طيلة تلك المدة لأنه وللأسف لاتزال أجهزة القمع تتحكم بقيادة البلاد..

ربحان رمضان *


” الصبر طيب ”

منذ اليوم الأول لاعتقالي بدأت أحاول أن أتكيف مع واقعي الجديد ، كيف لا وقد وجدت الكثيرين ممن دخل هذه الزنزانة قبلي قد أصبحوا عاديين في حياتهم ، وكأنهم ولدوا وتربوا باشراف السجانين أنفسهم فيها .
كما أن عقدة الخوف قد زالت لأن الاعتقال بحد ذاته كان مبهما ً لدي ، كنت أخاف أن يحدث معي ماحدث للشهيد سليمان الحلبي (1) أول ” مخوزق” من أجل التآخي الكردي – العربي لأني كنت متأكد من أن أساليب أبو حمزة السفاح – عم الحجاج لا تزال سارية في سجون الأنظمة العربية حتى الآن .
مع التعذيب كانوا يغروني ويراودوني على شرفي الحزبي .. يريدون أن أتعاون معهم لنصنع حزبا ً كرديا ً وعلى رأيهم من طراز جديد .
– : ” لا مانع من النضال في كردستان ، ونحن لن نعطي الجنسية السورية للأكراد (2) نريدهم أن يذهبوا ويقاتلوا في كردستان .. لن نعطي الجنسية السورية للأكراد كي لا يستقروا في هذه البلد ” هكذا قال لي العميد ” .
* لكنهم يطالبوا بحقوقهم ضمن الوطن السوري وليس في تركيا ولا ايران ، وهذا مطلب مروع ياسيادة العميد ..!! قلت أنا ذلك .
– نؤيدكم ، ونساعدكم على أن تطردوا صلاح بدر الدين من الحزب لأنه عدوكم وعدونا ، ومرتبط بجهات معادية .
* من ؟ !!
لن أوافق ، فهو أمين عام حزبنا وسكرتير لجنت المركزية وأنا متأكد من نزاهته ، وإلا هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ، ثم منذ متى عدونا وعدوكم واحد، سوى اسرائيل ومن وراء اسرائيل ؟!!
فكوا لي قيدي وناقشوني ، ارفعوا عن عيني الطماشة (3) كي أراكم .. إنهما لا يريان إلا كلمتين محفورتين في القلب ، ومنذ زمن طويل .. ” الشعب ” و” الحزب ” .
– لا .. لا ، نحن نريدك أن توافق أولا ً ، و ” قسما ً ” سنعينك رئيسا ً للحزب ، وعضوا ً في مجلس العب .
* قلت في نفسي : ” طز ” ..
وأردف قائلا ً : نحن نريد منك أن تبني حزبا ً جديدا ً مستقلا ً عن حزبك ، وستنجح في عضوية أول انتخابات تجري لمجلس العب ، سنضع اسمك في قائمة الجبهة الوطنية التقدمية في سوريا زز تخرج من هنا سالما ً ُمسلما ً ، بل أكثر وزنا ً .. لدى الآخرين .
لكني كنت أعرف أن وزني لم يزد طوال حياتي عن الخمسة والخمسين كيلو غراما ً ، ولن يزيد ، ومن سيصبح عضوا ً في مجلس الشعب يجب ان لا ينقص وزنه عن الثمانين كيلو غرام ، بل يجب أن يكون له ” كرش ” بارز إلى الأمام كما هو كائن لدى البعض في ” خلفيتهم ” البارزة إلى الوراء .
كنت أرفض فـُألام من قبل بعض زملائي في الزنزانة .. أجلس فأقص عليهم قصة الكاتب التشيكي ” دوبتشيك ” المناضل في الحزب الشيوعي التشيكو- سلوفاكي الذي أعتقل لدى أجهزة ” الجستابو ” الهتلرية ، كان يرفض أن يذعن لإغراءات سجانيه ، وبقي صامدا ً حتى تحررت المانيا منهم .
يقول الكاتب في روايته : أنه كان بين أربعة جدران في زنزانة صغيرة لا يدخلها الضوء .
فيها حفرة صغيرة للتبول ، وفي الباب نافذة ( أعتقد أنها أكبر من نوافذ زنازيننا حيث تسمح للصحن أن يدخل من خلالها .
أما نوافذ بوابات زنازيننا فإنها تتسع لقبضة السجـّان فقط .
كان الراوي لا يسمع سوى صوت أقدام السجان يمشي يمشي عندما يأتيه بالطعام .. كان ينتظره بلهفة كي يسمع ذلك الصوت .
وعلى مر ّ الأيام بدأت عوارض الملل تدب في نفسه .. لم يعد يفكر إلا بالحياة في النور بين الناس من جديد .
يجتر ذكريات الماضي الجميلة ، ويحلم بالمستقبل السعيد .. ويحسبها :
” إذا طرقت الباب ودعيت السجان سيكون الضابط بانتظاري في مكتبه ، أصرح له (كما يريد) لأخرج .. سيطلق سراحي ويخرجوني بعد توقيع صك الخيانة ..
أصيح ؟ أم أطرق الباب ..؟؟
هذه الحالة كانت تنتابه مرة في الشهر .. مرة واحدة فقط ، ثم تتلاشى .. إلى الشهر الذي يليه ، وهكذا ..
ومع مر الأيام بدأت تنقص فترة تلاشي الفكرة فأصبحت ترتاد ذاكرته في كل أسبوعين مرة ، ينتابه خلالها شئ من انفصام الشخصية وصراع الذات .
هل أطرق ؟
هل أصيح ؟
وأيضا ً ومع مرور الأيام نقصت فترة التلاشي وأصبحت كل أسبوع ترتاد ذاكرته مرة .. ثم يومين بيوم .. ثم يوميا ً ..
سمع صوت النعال يقترب .. اقترب من الباب ، كاد أن يلفظها ، إلا أن السجان ناوله منورا ً بدل الطعام معلن فيه أن برلين قد تحررت من الزية .
هذه القصة لم تعطيني الأمل وحدي فحسب ، وإنما كانت مثالا ً رائعا ً للآخرين ..
مثلكم أيها المنفيون والمشردون ، والقابعون في السجون والمعتقلات تركت أمـي الطاعنة في السن ، المريضة دون أن أودعها أو أن ألقي عليها السلام .. ، وعرفت من أحد المعتقلين الجدد بأنهم اعتقلوا أخي الأكبر مني أيضا ً بسبب لأنه و (فقط) حاول رمي كتب تباع عادة في الأسواق كانت مركونة في مكتبتبتي قبيل الاعتقال ..
وأحلم كما تحلمون بعيون حبيباتكن .. وابتسامتهن ..
غير أن تقديسي لحزبي هو دليل حبي لأمـي ولأخي .. وكل الشعب ..
كنت أوصي كل من كان يطلق سراحه بإبلاغ رفاقي قول الشاعر أن :


قل لرفاقنا .. ماركعنا .. مالوينا أن قــــهـــــقــــــه الديجــــــــور
ماانثنينا ، ومزق الشــوك عينينا وفــي الريح حلـــمنا مـــــذرور
دنــــس خمرنا البغاث ، فموتــي عطشــــا ً لن تلوثي يانســـــــور


===========
(1) سـليمان الحلبي ، كردي من قرية كوركان في جبل الأكراد = شمال سوريا واسمه الحقيقي سليمان محمد أمين .
(2) الأكراد المجردين من الجنسية حسب قانون الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 .
(3) الطماة هي العصابة التي توضع على عيون المعتقل أثناء التحقيق معه .

تعليق واحد

  1. الف تحية لكم واحيكم على هذه المواضيع الجميلة والاهتمام بكل ما يخص الاكراد بصورة عامة والفيلية بصورة خاصة وهذا يكون كتاب جيد وقيم ومفيد لنتعرف على كورديتنا في كل مكان اتمنى لكم التوفيق والمزيد
    اختكم الكوردية شمس كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *