الرئيسية » مقالات » طالبان في غزستان!

طالبان في غزستان!

هل شاهدتم على شاشات التليفزيون ما حصل في غزة؟
لقد تحررت غزة للمرة الثانية!
بل أن تحريرها اليوم من السلطة الفلسطينية أعز وأغلى من تحريرها من الاحتلال الإسرائيلي، كما قال سامي أبو زهري، الناطق باسم ““حماس”” أو “دولة طالبان” الفلسطينية الجديدة في غزة.
فما قامت به “حماس” تجاه السلطة الفلسطينية ومكاتبها على النحو الذي شاهدناه على شاشات التليفزيون، لم تقم به “حماس” تجاه إسرائيل عندما انسحبت منها عام 2005.
كذلك لم يجر سحل أي إسرائيلي كما فعلت غوغاء “حماس” بجثة سميح المدهون القيادي في كتائب الأقصى، وقد التقطت كاميرات التليفزيون صوراً وحشية بشعة لمناصري “حماس”، وهم يبصقون على الجثة المسحولة، كأي كلب أجرب.
كذلك وصلت الوحشية بمناصري “حماس” وعناصرها المسلحة حد اقتياد مسلحي “حماس” لأنصار “فتح” الذين أسرتهم، حيث كان بعضهم يبكي كالنساء والبعض الآخر خارت قواه، في حين ذهب البعض الآخر وسلم سلاحه الشخصي.
وبثـّت “فضائية الأقصى” التابعة ل”حماس” صوراً لعشرات جنود وضباط الأمن الوقائي، وهم من دون ملابس باستثناء الملابس الداخلية، وهم يرفعون أيديهم بينما عناصر “القسام”، يطلقون النار فوق رؤوسهم بشكل مذل ومهين. وفي خلفية الصور علا صوت القيادي في “حماس” سامي أبو زهري وهو يعلن النصر بعبارات ذات مغزى حيث قال :
“الله أكبر الله أكبر والحمد لله كثيرا ، إنها لحظة النصر، وأقول للأمة وللشعب إن هذا هو التحرير الثاني لغزة. فالتحرير الأول، كان من المستوطنين. والتحرير الثاني، كان من هؤلاء العملاء” .
-2-

بعض المعلقين السياسيين الحريصين على مصلحة الشعب الفلسطيني، كتب بالأمس يقول، بأن لا حل لعودة الهدوء إلى الأراضي الفلسطينية إلا بالعودة إلى تطبيق بنود “اتفاق مكة”، وهو ما يجب أن يؤكده اجتماع وزراء الخارجية العرب الذين لا يملكون غير التمنيات والتوصيات والاقتراحات التي تبقى حبراً على ورق، ما دامت سوريا مصرّة على حل قضية الجولان عبر “حماس”، وما دامت إيران مصرّة على التنكيل بأمريكا عبر “حماس” أيضاً بعد أن اشترتها في نهاية 2006 بثمن بخس، وهو ربع مليار على إثر زيارة إسماعيل هنية لها كما كتبنا في مقالنا (واشتروها بثمن بخس.. دراهم معدودة 22/12/2006).
والعودة إلى تطبيق بنود “اتفاقية مكة” هو الاقتراح السياسي العقلاني، ولكن لقوم يعقلون.
“حماس” لا تملك من أمرها شيئاً. “حماس” منظمة سياسية مسلحة مُسيّرة بيد سوريا وإيران وليست مُخيّرة، بعد أن تم شراؤها من النظام الإيراني.
سوريا تقدم لها الدعم السياسي واللوجستي واستضافة قياداتها في دمشق وبيروت. وإيران تقدم لها الدعم المادي.

-3-

صحيح أن لمنظمة “فتح” والسلطة الفلسطينية أخطاء جسيمة وقاتلة، وعلى رأسها هذا الفساد المالي والسياسي المستشري في صفوفها. ولكن تبقى “فتح” وتبقى منظمة التحرير الفلسطينية هي العقل الراشد في القضية الفلسطينية. وهي العقل الواقعي الذي يحسب حساباته السياسية جيداً انطلاقاً من مصلحة الشعب الفلسطيني، وليس انطلاقاً من مصالح دول حليفة كسوريا وإيران.
كما أن “فتح” تبقى الفصيل الفلسطيني السياسي الذي يسعى إلى حل القضية الفلسطينية وبناء الدولة الفلسطينية بالطرق السياسية الراشدة والواقعية. ومن هنا كانت مناصرة الدول الأوروبية وكذلك مناصرة معظم الدول العربية المعتدلة
ودعمها لهذا الفصيل الموصوف بالعمالة من قبل “حماس” ، كما قال سامي أبو زهري بالأمس.

-4-

ماذا بقي لـ ”حماس” من صدقية الآن، بعد كل هذه الفضائح والجرائم؟
أنا أحمد الله على أن “حماس” نجحت في الانتخابات التشريعية مطلع 2006 وحكمت في 2006، وفي 2007. لكي يرى الشارع العربي والرأي العام العربي بعينه ويلمس بيده، معنى أن يحكم الإسلام السياسي بلداً من البلدان العربية، ومعنى أن نرفع شعار “الإسلام هو الحل”.
لترينا “حماس” غداً كيف سيحل لها الإسلام هذه المعضلة، وهذا المطب الذي هي فيه الآن، بعد أن أغلقت كافة الأبواب العربية والأوروبية والغربية ولم يبق لها إلا بابان مخلوعان ومتهالكان: الباب السوري والباب الإيراني. ولم يبق لها إلا بعض المواسير التي تطلقها على القرى الإسرائيلية التي تضيء سماء غزة كالألعاب النارية على حد وصف محمود عباس لها، ومجموعة من الشباب القانط العاطل المحزم بالأحزمة الناسفة والموعود بالجنة والحور العين وسلال التين.

-5-

فهل يمكن لسوريا وإيران مع “حماس” أن يقيموا الدولة الفلسطينية الموعودة.
اعتقد جازماً بأن سوريا الدولة البلطجية العظمى في المنطقة، قد ربحت المعركة مع إيران. لقد انتصر حلف فلسان (فلسطين – سوريا- إيران ) كما أطلقنا عليه في 2006. كما انتصرت كل القوى في المنطقة التي تسعى لهزيمة “قوى الشر” في العالم المتمثلة بالاتحاد الأوروبي وأمريكا.
وإذا كانت هناك نتائج فعلية وأليمة لما تمّ في غزة، فهي أن الدولة الفلسطينية بعُدت عن التحقيق عشرات السنين إلى الوراء. ولم يعد للشعب الفلسطيني أمل قريب في دولة مستقرة. وهذا هو قرار الشعب الفلسطيني، وليس قرار أحد آخر. فهو الذي انتخب “حماس” بمعدته الخاوية، وقدميه الحافيتين، وعقله المختل، وحملها إلى كرسي الحكم. وعليه غداً أن يقلع شوكه بيده، بعد أن أصبح محكوماً الآن، من قبل “دولة طالبان الفلسطينية” بقيادة الملا خالد مشعل وإسماعيل هنية. وهو ما جعل القيادي في “حماس” نزار ريان يقول، بأنه سوف يصلي يوم الجمعة في مقر الرئيس الفلسطيني محمود عباس في غزة ويحوّله إلى مسجد. في حين يعتزم عدد من شيوخ “حماس” تحويل مركز الأمن الوقائي وغيره من المقار الأمنية التي استولى عليها مسلحو الحركة إلى مساجد.
-6-

هل أنا متشائم؟
بلى.
أنا متشائم من اليوم الأول لإعلان فوز حماس في الانتخابات التشريعية مطلع 2006 . وكنت متوقعاً ما حصل اليوم. ومن يقرأ مقالاتي التي كتبتها خلال 2006 عن الآثار المدمرة التي سيتركها نجاح “حماس” في الانتخابات التشريعية سوف يدرك بأن الشعب الفلسطيني هو من زرع الشوك في يديه، وعليه هو نفسه، ولا أحد سواه يقدر أن يقتلع هذا الشوك.
فلا الجامعة العربية، ولا اجتماع وزراء الخارجية العرب، ولا “اتفاق مكة” ولا ملايين العرب والعجم قادرة على تحرير الشعب الفلسطيني من أوهامه وخيالاته. الشعب الفلسطيني وحده هو القادر على ذلك.
كيف؟
بالعلمانية التوحيدية.
وبفصل الدين عن السياسة. وهو ما نحن أحوج إليه الآن، بعد أن أغرق رجال الدين وعلى رأسهم إسماعيل هنية فلسطين بهذه الدماء المفزعة.

-7-

أما الارتكان إلى نظرية المؤامرة الغربية على الشعب الفلسطيني وإبراز ذلك من خلال قنوات “حماس” الفضائية المختلفة وصحفها في لندن والقدس، وذلك على غرار ما قالته جريدة “يونغافيلت” الألمانية، من أن إدارة بوش قامت بالتخطيط منذ فترة طويلة لتفجير الأوضاع الداخلية الفلسطينية، وتحريض تيار موال لها داخل حركة “فتح” علي القيام بتصفيات جسدية لقادة الفصائل العسكرية لحركة “حماس”. وقول المعلق السياسي للصحيفة فولف راينهاردت، إن هذا الاتهام مبني على أقوال لا تحتمل اللبس أدلى بها مسؤول الاتصال العسكري الأميركي المقيم في إسرائيل الجنرال كيث دايتون أواخر مايو/أيار الماضي، أمام جلسة استماع في لجنة الشرق الأوسط بالكونغرس الأميركي. فهذه كلها من باب التحليلات السياسية والعسكرية التي يقوم بها مختصون في شؤون الشرق الأوسط، وتثبت صحتها في معظم الأحيان، لأنها تقوم على حسابات دقيقة، وعقول استنتاجية، وليست على العواطف وإثارة الغرائز. وهي الطريق التي أوصلت “حماس” إلى كرسي الحكم. وكانت هذه النتيجة التي نأكل حصرمها، و نشرب حنظلها الآن.
السلام عليكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *