الرئيسية » مقالات » مغامرة تركيا في جنوب كردستان والنتائج المتوقعة

مغامرة تركيا في جنوب كردستان والنتائج المتوقعة

صرح اكثر من مصدر عراقي ، كردستاني ، دولي ،( امريكي – اوربي ) ، حول امكانية تعرض كردستان الجنوبية الى هجمات جوية عسكرية وتوغل يقوم به الجيش التركي لداخل حدود الاقليم. وابدت هذه المصادر قلقها من هذا التصعيد الغير العادي وترافق ذلك مع اعلان الجيش مناطق شرناخ وهكاري وسيرت مناطقاً أمنية، ويرافق هذا التصعيد تصعيد للعمليات العسكرية لمقاتلي قوات الدفاع الشعبي الكردستاني في عمق كردستان في منطقة بينغول وديرسم وشرناخ وسيرت. حيث تم تسديد ضربات قوية بالجيش التركي نتيجة تطبيقها لتكتيكات عسكرية بارعة لم تتمكن الدولة التركية من اتخاذ التدابير في مواجهتها.

فاذا أمعنا النظر في تدخلات الجيش التركي في منطقة كردستان الجنوبية فنقول انها ليست بجديدة، بل تعود الى اكثر من ربع قرن منذ عام 1983. وقامت قوات الجيش حتى الان بالعشرات من التمشيطات العسكرية الكبيرة والتي سميت بالكثير من الاسماء مثل تمشيطات( الفولاذية ، صاندويش ” ظناً منهم انهم سياكلون الكريلا مثل الصانداويش بسهولة ” ، اجدر ، مراد ، وغيرها الكثير من الاسماء ).

وكلفت المؤسسة العسكرية اكثر جنرالاتها مهارة وتاهيلا في الفن العسكري بقيادة تلك الحملات ، وهيأت الحكومة الارضية الديبلوماسية والراي العام العالمي والتركي لها ، ولكن ماذا كانت النتيجة بعد كل هذه التمشيطات التي كانت تتجاوز القوات المشاركة فيها مئات الالاف اضافة الى عناصر حماة القرى،مع وجود تنسيق مع القوات الجنوبية التابعة لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني في الكثير من المرات؟. وقد صرح الكثير من ضباط القوات المشاركة في هذه التمشيطات في السابق بمن فيهم الجنرالات الترك من امثال كنعان ايفرين ومحمد اغار ومستشار الاستخبارات والكثير من الكتاب والمثقفين الاتراك بان النتيجة كانت المزيد من تراكم الديون والتي تجاوزت مئات المليارات من الدولارات، ووضع تركية وجها لوجه امام ازمة حادة لا تستطيع الخروج منها بسهولة. اما بصدد قوات الكريلا المتمركزة في المنطقة الحدودية فقد اختارت الانسحاب المؤقت ( الذي جاء من خاصية الحركة والتراجع ومن ثم الالتفاف حول العدو والحاق ضربات مؤثرة به في طريق انسحابه جنوده ) من بعض المناطق والعودة اليها بعد انسحاب الجيش التركي. وهكذا لم يتحقق اهداف الجيش التركي في تصفية المقاتلين الكريلا في مواقعهم المحصنة في الجنوب كما يدعوها. ولكن في هذه المرة الوضع مختلف تماما سواء على صعيد كردستان حيث صدر الكثير من التصريحات العالمية والكردستانية بعدم القبول بمثل هذه التدخلات بل ووصلت الردود الى درجة التنديد بالتدخل والرد على العدوان . اذا لنقارن الظروف الماضية حينما كانت الدولة التركية تقوم بالتمشيطات والظروف الراهنة، لنصل الى الرؤية الصحيحة في نتائج هذه الهجمة.

الظروف التي احاطت بالتمشيطات السابقة :

1- حصول الدولة التركية على التاييد العالمي عند القيام بالتمشيط في المناطق الحدودية وعلى امتداد عرض عشرين كلم .
2- غياب امريكا عن المنطقة. وموازين القوى كانت لصالح تركيا. وهي كانت تحتفظ بكامل مكانتها و مصداقيتها، وكانت تعتبر آنذاك من الحلفاء الاستراتيجيين للدول العظمى، والتي رأت بانه لابديل عن دور تركيا في المنطقة.
3- كسب التاييد العالمي اثناء هجماتها السابقة على جنوب كردستان وخاصة مواقع حزب العمال الكردستاني. سواء كان التاييد على مستوى المنطقة او في اوروبا او في امريكا .
4- القوات الكردية كانت في الماضي تساعد قوات الجيش التركي في الكثير من التمشيطات .
5- انشغال القوى الدولية بامورها وخاصة روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بسبب المشاكل التي ظهرت مع عملية الانهيار والتغييرات التي افرزتها .
6- الاجواء الداخلية في تركيا كانت مساعدة في السابق على التدخل العسكري ، على الاقل لم تكن هناك معارصة وكانت تركيا بيمينيها ويساريها ، ووسطها وعلمانييها ومتدينيها ومثقفيها متفقة في هذا الصدد على الحملات التمشيطية .
7- قوات الدفاع الشعب الكردستاني التي كانت في السابق جيش التحرير الشعبي الكردستاني، كانت تطبق في تكتيكات الحرب الانصارية الكثير من الخطط العسكرية التي اتخذت تركيا الكثير من التدابير الدفاعية تجاهها.
8- عدم وجود معارضة قوية منظمة في تركيا من قبل الاكراد وكذلك ضعف تطور مستوى المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية .

رغم هذه الظروف والعوامل المساعدة للتمشيطات التركية لم تحقق النجاح في هذه التمشيطات فكل ما كان يحدث اثناء البدأ في عملية التمشيط كان مقاتلو حيش التحرير الشعبي الكردستاني يقومون بتغيير مواقعهم بشكل مؤقت ، ويتم القصف الجوي الى جانب الهجوم البري ولكن عدم تحمل القوات التركية البقاء في تلك المنطقة الجبلية الواقعة تحت سيطرة جش التحرير الشعبي الكردستاني لفترة اكثر من شهر او نصف شهر كان يعرضها لضربات المقاتلين والوقوع في كمائنهم.

وهذه التمشيطات كانت تكلف تركيا الكثير من الخسائر المادية و المعنوية ، حيث كانت تكلفها الملايين من الدولارات. هذه التمشيطات كانت تفتح الباب امام ازمة اقتصادية وتذمر شعبي كبيرين نتيجة وضع كل طاقات وامكانات الدولة التركية من الموارد الاقتصادية والبشرية والمؤسساتية في خدمة الحرب . كما كان يزج في كل مرة بمئات الالاف من الجنود في الحرب والذين كانوا يخرجون محبطين نتيجة فشلهم وظهور كذب الدعاية التركية التي كانت تقول دائما ان الجنود سيقضون على المقاتلين الكرد في ضربة سريعة ، وان القوات المعادية لا معنويات لديها للقتال وهم ينتظرون مثل هذا الهجوم لتسليم انفسهم. لكن عكس ذلك كان يقع دائماً.


الظروف الراهنة :

1- تغير الوضع الدولي في المنطقة خاصة بعد التدخل الامريكي في العراق وظهور موازين قوى جديدة.
2- تشكيل حكومة اقليم كردستان ضمن العراق الفدرالي ، ومساندة امريكا لها والعمل على تطوير نظامها الدفاعي وغيرها من الامور .
3- حدوث تغيير في موقف القوى الجنوبية وخاصة تجاه هجمات وتمشيطات الحيش التركي وبدات هذه القوى تتجه الى ان تركيا تتذرع في الهجوم على جنوب كردستان وان مسالة قوات الدفاع الشعبي الكردستاني هي حجة ولتركيا اطماع اخرى في كردستان الجنوبية وخاصة في كركوك ، وتركيا غير مرتاحة من تحقيق المكاسب الكردية اي ان تركيا تعادي قضية تحقيق اي حقوق للاكراد . رغم انها كانت في القديم تدعي بان حزب العمال الكردستاني هو سبب الهجوم والتمشيطات .
4- تغيير القناعة بان الحرب الكردية – الكردية قد انتهت ولا عودة لها ولا مكسب للكرد فيها ، وان مثل هذه الحرب غير مقبولة في الوسط الكردي .
5- وجود امريكا في العراق وهي لا تقبل مثل هذه الهجمات لانها تصرح علناً بانها لا تريد توسيع رقعة الحرب من العراق الى كردستان، ولا تريد فتح جبهة اخرى وهي تلاقي صعوبات كثيرة في العراق حتى ان الراي الامريكي بدات تظهر في وجه مثل هذا الاحتلال .
6- معارضة الدول الاوربية لمثل هذه التمشيطات والمداخلات وهذا ما ظهرت علانية من قبل مؤسسات اوروبا الرسمية .
7- تصريح حكومة اقليم كردستان على لسان جهاتها الرسمية ورئيس حكومة الاقليم وممثلي الحكومة العراقية على معارضتهم لمثل هذه التمشيطات وانهم سيردون عليهم بقوة ولا يقبلون مثل هذه التدخل .
8- وجود معارضة في تركيا لهذا التدخل وظهور دعاوي السلام وحل القضية الكردية ضمن المقاييس المعاصرة .
9- تغيير حزب العمال الكردستاني لاستراتيجيته الدفاعية وتطويره لأساليب الحرب الجديدة بتأطير قوات خاصة – فدائية ، واستخدام التقنية واجهزة التحكم عن بعد في التفجيرات والمرور بتجربة كبيرة في اساليب النضال والتمرس على الاساليب الحديثة ، وهذا يظهر في العمليات الاخيرة من قبيل اسقاط طائرة في منطقة هكاري والهجوم على ثكنة عسكرية في منطقة ديرسم قضاء بلومر وتفجير سيارة عسكرية في منطقة شرناخ باساليب جديدة اوقعت الكثير من الاصابات والقتلى في صفوف الجنود الاتراك بما فيهم الضباط الذين اعترفوا بذلك وهذا ما يحصل في العمق التركي.
10- دول المنطقة مشغولة بقضاياها نتيجة الضغوطات الدولية عليهم وخاصة سورية المشغولة والمنهمكة بما سيتمخض عن عمل المحكمة الدولية التي قررت وفق المادة 1757 والتي ستكون لها نتائج لها صلة بالمسؤلين السوريين بما فيهم بشار الاسد ، وكذلك ايران المنهمكة بمسالة الضغوطات الدولية نتيجة تخصيبها لليورانيوم . كل هذه الاوضاع تجعل من دول المنطقة لا تسطيع التضامن مع تركيا.
11- تركيا التي لم تفتح قاعدة انجرلك امام القوات الامريكية اثناء تدخلها في العراق وهذا ما اثر على ضعف مصداقيتها لدى الولايات المتحدة واثر في علاقاتها معها .
12- الصراع الموجود في تركيا بين العلمانيين والرجعيين. وهذا ما يضعف موقف الدولة في التحرك، حيث تظهر الكثير من الفروقات والمسافات بين مواقف الحكومة والجيش، وحتى انه ولاول مرة في تركيا يصطدم الجيش مع المدنيين ويصر المدنيون على اسلوبهم رغما عن الجيش. حيث تضاءلت امكانية التدخل العسكري في السلطة مثل ما كان في الانقلابات السابقة نتيجة الظروف الدولية التي لا تسمح بذلك الآن .
13- ظهور اصوات في الكثير من الأوساط التركية مثل الجيش ( كنعان ايفيرن ، والكثير من الجنرالات المتقاعدين ) والاستخبارات مثل مستشار الاستخبارات السابق وتنبيه الدولة بان الاصرار على التعنت القومي وسيكون له نتائج سلبية وضرورة اتخاذ التدابير وفق الظروف الجديدة ، وكذلك محمد اغار الذي يقول بدلا من التجول بالسلاح في الجبال يجب ضمان عودة المقاتلين وممارستهم للسياسة في السهول. وغير ذلك الكثير من المثقفين والكتاب الاترك المشهورين. وحتى امهات الجنود القتلى باتوا يريدون حل القضية باسلوب الحوار والسلام ووقف التمشيطات .
14- تغيير الظروف الدولية ومجيء ساركوزي على سد الحكم في فرنسا ومعارضته لانضمام تركيا الى الاتحاد الاوربي.

كل هذه الظروف والعوامل التي تغيرت من عوامل مساعدة لتركيا الى عوامل سلبية عائقة لتدخلها سيكون لها تاثير سلبي. ولذلك فان تركيا امام امتحان كبير وستاخذ جميع هذه الظروف بعين الاعتبار ووفقها ستتخذ القرار لان الهزيمة في هذه المرة ستكون استراتيجية وربما تنعكس على الداخل التركي. وستفقد تركيا الدور الذي كان ينتظر لها ان تقوم به خلال العقود المنصرمة بالتحول الى دولة قوية معاصرة في الشرق الاوسط بموازاة الدول العظمى في العالم . لذلك فالحل المنطقي والموضوعي ليس بالهجوم على كردستان الجنوبية ومعاقل حزب العمال الكردستاني بل احداث التغيير في سياساتها واستراتيجيتها القديمة والتي تجرها الى الهاوية واجراء التحول الديمقراطي بحل قضاياها الاساسية والتي تشكل القضية الكردية مركزها. وكذلك التفاوض مع حزب العمال الكردستاني الذي يشكل مركز ثقل في البلاد . والبدء في حل كل الأزمات العالقة والأعتراف بالكرد وكل الشعوب الأخرى في البلاد. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *