الرئيسية » مقالات » في محراب الكلمة ..

في محراب الكلمة ..

يبدو أننا، نحن الذين نتواصل مع الذات والآخر عبر الكلمة، تعودنا إلى حد ما، على حالة الحيرة وفقدان التوازن، وكذلك الخلط في الأوراق، حين نحاول أن نجاري الحدث بما يتناسب والكلمات، أو حين نجتهد في التواصل مع الوقائع من خلال الإمساك بخيوط المستقبل، كوننا لا نملك إلا ما هو متاح لنا، أو ما هو مسموح لنا التلفظ به من قواميس المفردات، لأننا وببساطة، ملك القيود والممانعات، أو أسيري تراجيديا السياسة والثقافة، تلكم التي لا تمتلكان حتى اللحظة، مقوماتهما ومفاهيمهما، وبالتالي تجرنا، من حيث ندري أو لا ندري، إلى البعض من المتاهات، ونحن لم نزل نردد أنشودة المفاهيم أو سمفونية الرأي الحر، دون أن ندرك بأننا نخون الذاكرة حين نصطدم بالواقع أو الحقيقة، تلك التي تعيدنا إلى حيث ذواتنا وتربتنا، والمنطق الذي خرجنا من أحشائه، وإن كان هناك أيضاً، البعض من الممانعات الأخلاقية، والتي بدورها تشكل أسواراً إضافية في وجه ما نحاول الولوج إلى أعماقه، أو تحليله واستنباط العبرة منه، ومرد ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى ادعائنا باحترام مشاعر الآخر، والخشية عليها من التفرط والانفراط، وإلا لكان لنا الحق – وكل الحق – في أن نتساءل عن مصير الادعاءات التي تتم إطلاقها بين الفينة والأخرى، من جانب بعض ممتهني لعبة السياسة، وكذلك المشتغلين في الحقل الثقافي، من مفاهيم ومشاريع، ومن آليات وبرامج عمل ..!.
فكم مرةً كنا فيه أمام دعوات، تدعي أنها من الشارع أو من القاعدة، تولف الحقائق حسب مشيئة أجندات، أو لنقل حسب ما يخدم توازنات معينة، ثم نكون بعدها أمام أولئك المدعين وخناجرهم التي تجتث ما تدعيه.. وكم من مرة كنا فيه أمام رؤىً، أو ما كانت تحاول أن تعبر عن ذاتها بصيغة برامج ومشاريع، توحي لنا بأنها الكفيلة بإخراجنا من حالة السبات والسكون إلى حيث اليقظة والحركة، لكننا وبلمحة بصر، كنا وتلك الرؤى في مهب الريح من قبل دعاتها وأصحابها، مثل ذلك مثل الكثير من التحليلات والمقالات، من جانب الذين يدعون بوقوفهم إلى جانب الحق والحقيقة، وهي تصب كل ما هو معرقل في وجه تطور الآليات الحزبية والتنظيمية، من وحدات واتحادات، في سلة القيادات، وتحملها وزر كل ما تنتجها آلة العمل الحزبي والتنظيمي من موبقات، ولا ضير، بل هي الحقيقة في دوامة الترهل السياسي / التنظيمي الحزبي، ثم نراهم يحملون أدوات الفتك عبر ما يسمونه بالنقد، وكأن لا هم لا سوى الإجهاز على ما تبقى لنا من بصيص الأمل، وسط زحمة العتمة في واقعنا المزري والمأزوم..
قد نحتار وسط هذه الحالة المعاشة في توصيف الواقع، كوننا نحترم الآخر أولاً، ولا نريد أن ندخل معه في سجالات، قد تفضي إلى البعض من التشكيك في مصداقية الرسالة التي تدعيها، خاصةً أولئك الذين يتباكون على مصيرنا، ويتصارعون حول الحق وعلى الحقيقة، فمنهم من يدعي أنه يحمل رسالة المثقف، ثم نراه يحمل معول السياسي المتحزب المتخندق في وقوفه على الحدث أو الواقعة، من حيث التحليل والتركيب، ومنهم من يعمل خلف يافطات تثير المشاعر، لكنه لا يلبث أن يعبر عن وجهه الحقيقي بعد أن تنكشف لعبة الأقنعة وتوزيع الأدوار، ومنهم من خرج من تحت عباءات معينة، لا يكف عن طعن المخالف والتشكيك به، وكأنه خلق لأن يكون تابعاً، كونه يعيش أزمة الموقف وعقدة الدونية ..
نعم؛ تلك هي الحيرة بعينها حين يشكل الآخر جزءً من الذات، أو أننا في حالة تشارك، أو ما ندعيه من قواسم نضالية مشتركة، وبالتالي فإن كل ما نحاول الوقوف عنده وعليه، هو وقوف على الذات في البعض منها، ومن هنا كان علينا أن نعود إلى الذات بغية الوقوف عليه من حيث الأداء والتفاعل والتواصل، بل الوقوف على الذهنية التي تشكل بالنسبة لنا الآفة الحقيقية، وتنتجنا عبر صيرورتنا وصيرورتها بالشكل الذي ندعي خلافه ..
ففي تاريخنا المليء بالانكسارات، وخاصةً في الجانب السياسي منه، كنا وما زلنا نصارع البذرة التي تنتج حزمات من المفاهيم والآليات، تلك التي تقف على النقيض من استحقاقات المرحلة، وكذلك القضايا التي ندعي بأننا نناضل من أجلها وفي سبيلها، ووسيلتنا في ذلك هي الكلمة، تلك التي قد تشذ أحياناً عن مواقعها ورسالتها، إذا ما استخدمت من قبل الذين لا يمتلكون بنية معرفية وعمق فكري، حتى نكاد نقترب من مواقع الفناء حين نمارس ذواتنا، لا بل نحاول أن نهدم كل ما بنيناه من أجل الذات، حين يكون في موقع الحرج، أو في موقع المساس به، دون أن نعود إلى ما ندعيه ونطرحه ونبحث عن الحلول من أجله، بأننا ندفع ضريبة الذهنية، وأن الحل يكمن في الانتقال بهذه الذهنية إلى فضاءات، يمكن من خلالها التواصل مع الأخر عبر الاحترام المتبادل، وهذه تتطلب بالدرجة الأولى شخصية تمتلك مقومات الحوار وأدواته، أي تمتلك ثقافة التحاور والبعد المعرفي ..
لا شك أننا محكومون بمشاريع، أو هكذا تسمى، وهي مرسومة ومحددة الإحداثيات والسقف، بالمستوى الذي عليه أولي الأمر من مستوى سياسي ومعرفي، وأننا كذلك محكومون بواقع يكبله القوانين التي تحيل الإنسان بإرادته ومفاهيمه، إلى ما يشبه آلة لا أكثر، وذلك بفعل الاستبداد وسياسات القمع وما على شاكلتها، ولكن وبالمقابل، فإن الأمل الذي نستمد منه الاستمرارية، هو أن نفعل إرادة الجيل النشئ، هذا الجيل الذي لا مصلحة له في مجمل التوازنات سوى الدفع بعجلة القضايا نحو التعبير عن ذاتها، أو هكذا يبدو لنا، ونبني عليها الآمال والأحلام، ولكن وإذا ما أطلقنا العنان للكلمة بعيداً عن سلطات التشكيك والتخوين، وكذلك بعيداً عن المواقف التي تحاول الدخول إلى الآخر عبر طعنه ووصمه بنعوت من أجل أن يستمر هو على حساب تقزيم الآخرين، لكان لنا القول؛ بأننا أمام عمليات استنساخ يلتحق عبرها من نراهن عليهم في عملية التغيير بمن سبقهم من فطاحل التوازنات وتلك الذهنية التي تأبى إلا أن تكون القابضة على كل شيء، وإذا كان لنا أن نبحث عن الدلائل، فما علينا سوى أن ننبش في أحشاء الحركة الحزبية الكردية، ونشاهد حالة أولئك الذين يهدمون من أجل الغير وفي سبيل الغير، ولا نبالغ إن قلنا جاعلين من أنفسهم الحمالة التي تعلق عليها مجمل ما تفرزها ممارسات الفطاحل من آفات وموبقات، مرددين مع كل ذلك أسطوانة التغيير عبر صراع الأجيال والانفتاح على العصر بثقافة العصر ..
فذهنية الانتقام، المستمدة من الثقافة المجتمعية، مازالت تفعل فعلها وسط حالة من التلون في الأداء والتنقل في الأدوار، حتى أن الكثيرين من الذين يدعون بقدسية القضايا، ويحاولون الدفع إلينا بأنهم الحريصون على بعض النماذج والتجارب، التي هي من صنع التراكم النضالي، لا يدخرون جهداً كي يجدوا السبيل للارتقاء على سلالم الذين من قبلهم، في طعن كل تجربة إذا ما جاوزته أو تجاوزت حدود آفاقه، التي تكونت ضمن حلقات الاصطفاف وعقلية المؤامرة، وبالتالي فإنهم يمتلكون كل القدرة في نسف كل ما هو جميل بغية الحفاظ على الذات، حتى وإن كان مشوهاً، ودون أدنى درجات الاحترام لمشاعر الآخرين، الذين يعقدون الآمال على مستقبل الفعل النضالي ..
فيبدو أن هذا هو قدرنا، نحن الذين ندعي تربعنا على عرش الكلمة، أن ننخر في الكلمة ذاتها، حين تشكل عملية البوح بحقيقة الأشياء وأحقيتها، حكماً له ثمنه الذي لا يمكن لنا تحمل نتائجه ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *