الرئيسية » مقالات » هل حقاً “الإسلام هو الحل”؟

هل حقاً “الإسلام هو الحل”؟

ما انفك الإسلاميون يرددون على أسماعنا بلا توقف شعارهم (الإسلام هو الحل) منذ عقود من السنين حتى صار نشيد إنشادهم في كل مكان، يرفعونه بمناسبة ودونها في مظاهراتهم، ويذكرونه في مقالاتهم ومجادلاتهم مع من يختلف معهم، مستغلين بساطة الناس ومشاعرهم الدينية لتضليلهم وغسل أدمغة الشباب ودفعهم إلى الإرهاب، وقيادتهم نحو الهاوية وإلى الدمار الشامل كما هو جار الآن في معظم البلدان العربية والإسلامية.

قبل أيام استلمت عن طريق بريدي إلكتروني مقالاً بعنوان: (ماذا نعني بشعار – الإسلام هو الحل؟) للسيد محمود غزلان، عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين. وبعد يوم من استلامي له وجدته منشوراً على موقع (الحوار المتمدن)، فاستغربت من نشر هكذا مقال يروِّج لحزب الأخوان المسلمين في صحيفة ماركسية يسارية علمانية على النقيض تماماً من فكر الإسلامويين، فتساءلت مع نفسي: هل يا ترى تنشر الصحافة الإسلامية كتاباتنا نحن العلمانيين؟ طبعاً أشك في ذلك.

اتبع الكاتب المثل المصري القائل: “ضربني وبكى، سبقني واشتكى” فتظاهر بأن الإسلامويين هم المظلومون والمضطهدون، وليس ضحايا الإرهاب الإسلامي الذي هو النتاج المباشر لشعارهم الخادع وتعاليمهم المضللة. ولكن الكاتب في نفس الوقت لم يستطع التخلص من العادة المزمنة التي لازمت كتاب الإسلام السياسي، وهي الإدعاء بالأعلمية واحتكار الحقيقة وإلغاء الآخر واتهام من يختلف عنهم بالجهل والإسفاف والافتراء، والتعامل مع الآخر المختلف باستعلاء كوصفه بمدعي الثقافة…

يتشكى صاحبنا فيقول: “تعرضنا في الفترة الأخيرة لحملةٍ شعواء وهجومٍ ظالمٍ من كثيرٍ من حَمَلةِ الأقلام، ومُدَّعي الثقافة، تعرَّضنا لهذه الحملة أشخاصًا وجماعةً ودعوةً ومبادئَ وحركة، وقد بلغت حد الإسفافِ والافتراء، وكان نصيب شعارنا الذي رفعناه لدعايتنا الانتخابية “الإسلام هو الحل” كان نصيبه من هذا الهجومِ وافرًا وانهالت عليه السهام من كل مكان ومن كل لون.” وراح يذكر لنا فضاءات الحرية الواسعة التي منحها الإسلام للإنسان في مختلف مجالات الحياة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، يذكر لنا عن (حرية العقيدة والعبادة، وحرية الرأي والتعبير، ومبدأ الشورى أو الديمقراطية الإسلامية، والمساواة الإنسانية العامة، والمساواة أمام القانون وأمام القضاء، وحقوق الإنسان في أكملِ صورها، وفي العزة والكرامة الإنسانية، وتحريم الظلم، وحق الفرد على الدولة، وتحريم استغلال النفوذ والتربح، ووجوب محاربة الفقر، ومحاربة الظلم والفساد، وحقوق المرأة… إلى آخره..). وفي جميع هذه المجالات يستشهد الكاتب بما تيسر له من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ليدعم صحة أقواله… إلى حد أن يجعل القارئ الذي لا يعرف حقيقة الإسلام السياسي يعتقد أنه يتحدث عن جمهوريات المدن الفاضلة التي بشر بها بعض الفلاسفة مثل افلاطون والفارابي وتوماس مور، أو أنه يتحدث عن أنظمة الحكم المطبقة في الدول الاسكندنافية وليس عن تجارب عرفها الإسلام السياسي منذ فجر الإسلام وإلى دولة طالبان في أفغانستان السنية وإيران الشيعية والسعودية الوهابية.

والجدير بالذكر أن حزب (الأخوان المسلمون) الذي يروج له الكاتب ويبشرنا بنعيمه، هو الوليد الشرعي من رحم الوهابية. كما ونسي صاحبنا أو بالأحرى تناسى أن مقابل كل آية قرآنية تدعو إلى التسامح واحترام الحقوق هناك آية أخرى على الضد منها. فالآية (لا إكراه في الدين) تقابلها (الدين عند الله الإسلام ولن يقبل منه غير الإسلام ديناً). وفي حرية الإنسان لاختيار دينه أو تغييره، هناك الحديث (من بدل دينه فاقتلوه)، ومقابل حقوق المرأة التي يدّعون أن الإسلام قد كرمها، هناك (الرجال قوامون على النساء، وللذكر مثل حظ الأنثيين) وشهادتها تعادل نصف شهادة الرجل في المحاكم، ومن حق الزوج ضرب الزوجة، والنساء ناقصات عقل ودين، وإذا مرت أمام المصلي تكون مثل الكلب والخنزير تبطل الصلاة!!… إلى آخره.

والملاحظ أيضاً، أن الإسلامويين يلعبون على عدة حبال ويتكلمون بعدة لغات في آن واحد وحسب اختلاف المواقف وما يخدم مصالحهم. ففي جعبتهم كم هائل من النصوص الدينية، القرآن والسنة التي حفظوها عن ظهر القلب، يستخدمونها كما يشاؤون ولخدمة أغراضهم وحسب ما يناسبهم. فكانت الديمقراطية في السابق كفر وإلحاد في نظرهم لأنها فكر مستورد من بلاد الكفر!! ولكن عندما عرف الإسلاميون أنه من الممكن استلام السلطة عن طريق صناديق الاقتراع بسبب فشل الحكومات العربية المستبدة في حل مشاكل شعوبها، أعلنوا تأييدهم للديمقراطية وادعوا أن الإسلام مع الديمقراطية وكالعادة في مثل هذه الحالات، استشهدوا بالنصوص التي تدعم ادعاءاتهم مثل (وأمرهم شورى بينهم) وجعلوا من كلمة شورى مرادفة للديمقراطية، بينما الحقائق التاريخية تؤكد العكس، وقصة اختيار عثمان بن عفان خليفة من قبل هيئة مؤلفة من ستة أشخاص اختارهم عمر بن الخطاب قبل وفاته باتت معروفة للجميع.

فمعظم الأحاديث النبوية مشكوك بصحتها لأنها تعرضت للتزييف والكذب بسبب النقل شفاهاً عبر أكثر من ثمانية أجيال، ولم يتم تدوينها إلا بعد أكثر من مائتي سنة على وفاة الرسول، وقد أشرنا إلى هذا الموضوع في مقال سابق. أما القرآن، فكما وصفه الإمام علي أنه (حمال أوجه) أي فيه نصوص ضد ومع أي شيء. لذلك فعندما نواجه الإسلامويين بأنهم ضد الديمقراطية وحقوق الإنسان والمرأة وضد حرية التعبير وغير المسلمين، يخرجون علينا بآيات بينات تؤيد ادعاءاتهم بأن الإسلام مع هذه الحقوق. وهذا ما استشهد به عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين في مقاله المذكور، إذ ذكر لنا أكثر من عشر آيات وبعض الأحاديث ليثبت وجهة نظره. ولكن هذه الآيات والأحاديث يرددونها في مجال الدعاية والإعلام وعندما يكونوا خارج السلطة ويروا بصيصاً من الأمل في فوزهم بالسلطة عن طريق الديمقراطية. أما في الواقع، فنراهم على الضد تماماً من هذه الحقوق، خاصة عندما يتمتعون بشيء من النفوذ في الشارع العربي، أو يكونوا في السلطة، كما الحال في إيران والسعودية والسودان. وفي هذه الحالة يخرجون علينا بكم هائل من النصوص (من القرآن والسنة) التي تؤيد مواقفهم المضادة أيضاً لقيم الحرية والديمقراطية.

لا شك إن أخطر ما يهدد الإسلام كدين في عصرنا الراهن هو الإرهاب الإسلامي الذي هو وليد الإسلام السياسي وشعاراته الخادعة. فالإسلامويون اتخذوا من الإسلام مطية لهم للصعود إلى السلطة السياسية والتسلط على مقدرات البلاد ورقاب العباد. إن شعار (الإسلام هو الحل) شعار مضلل لا يختلف عن الشعار (لا حكم إلا للقرآن) الذي رفعه معاوية بن أبي سفيان قبل أكثر من 1400 سنة وباقتراح من عمرو بن العاص في حرب صفين ضد الإمام علي، والذي وصفه الإمام بحق بالخدعة و(إنه قول حق يراد به باطل) وحذر أنصاره منه. ولكن مع الأسف الشديد، نجحت الخدعة في شق صفوف جيش الإمام وكان ما كان من كوارث يدفع ثمنها المسلمون إلى الآن وإلى مستقبل غير منظور.

وما أشبه اليوم بالبارحة، فأصحاب شعار (الإسلام هو الحل) الذي يرفعه الأخوان المسلمون ومنظمة القاعدة الإرهابية، خوارج العصر، ومن لف لفهم من الإسلام السياسي اليوم، لا يختلف عن شعار (لا حكم إلا للقرآن) الذي رفعه أنصار معاوية قبل 14 قرناً. وعليه فمن واجبنا ككتاب أحرار حريصين على الإسلام والحضارة البشرية، وسلامة المسلمين وكل البشرية، أن نحذر الشعوب الإسلامية من مخاطر هذا الشعار المضلل قبل فوات الأوان.

ففي الدعاية والترويج شيء والواقع شيء آخر. إذ كما ذكرنا آنفاً، ففي مجال حرية الإنسان في اختيار دينه يستشهدون بقوله تعالى (لا إكراه في الدين..) ولكن في التطبيق ينفذون قوله: (الدين عند الله الإسلام ومن جاء بغير الإسلام ديناً لن يقبل منه)، ولا يتمتع المسلم بحق تغيير دينه، لا في الماضي ولا في الحاضر، وإلا لماذا وقعت حروب الردة في عهد الخليفة أبي بكر، التي راح ضحيتها عشرات الألوف من الأبرياء؟ وهل بإمكان أي مسلم اليوم الإعلان بتغيير دينه صراحة؟ فالقتل ينتظره، إذ يعتمد هؤلاء على قول يسندونه للنبي (من بدل دينه فاقتلوه). فأين الحرية وحقوق الإنسان في هذه الحالة والتي يدعيها كتاب الإسلام السياسي ؟
كذلك في مجال احترام الإسلام السياسي للمسيحيين واليهود والصابئة وغيرهم من غير المسلمين، الواقع المشهود في مصر والعراق وباكستان عكس ما يدعيه هؤلاء الكاتب، فما يعاني منه أصحاب الديانات من غير المسلمين من قتل وحرق الكنائس ودور العبادة وفرض الجزية وغيرها في هذه البلدان من مظالم يندى لها الجبين. ومعاملتهم لغير المسلمين مذلة ومسندة بالنصوص الدينية مثل (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون بدين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) التوبة:28.

ومحنة الأقباط في مصر باتت معروفة، وهي مأساة حقيقية وصفحة سوداء في تاريخ هذا البلد. إذ كيف يفسر كاتب المقال تصريحات مرشد الأخوان المسلمين مهدي عاكف عندما قال (أنه يفضل مسلم ماليزي على المصري القبطي أن يكون رئيساً لمصر؟) وماذا عن الداعية الإسلامي محمد عمارة الذي نشر كتاباً ، يكفر فيه المواطنين في مصر من أتباع الديانات غير الإسلام ويبيح إستحلال أملاكهم وهدر دمائهم؟

كذلك عانى المثقفون في مصر من إرهاب المتطرفين وبتحريض من الأخوان المسلمين وأنصارهم، فقد اغتالوا عدداً من الكتاب الليبراليين مثل الشهيد فرج فودة، وحاولوا اغتيال الروائي الكبير الراحل نجيب محفوظ، وطاردوا حتى مشايخ الأزهر الشريف المصلحين المتنورين وهددوهم بالقتل من أمثال، حامد نصر أو زيد واحمد صبحي منصور وسيد القمني وغيرهم، مما اضطر هؤلاء إلى الفرار لينجوا بأرواحهم ويواصلوا رسالتهم الإصلاحية في بلدان “الكفار”.

وماذا عن المجازر التي ارتكبت ومازالت في الجزائر والعراق ومصر والسودان والصومال وباكستان على أيدي الإسلاميين باسم الله والإسلام؟ كل هؤلاء القتلة كانوا مسلحين بالنصوص الدينية التي تبرر لهم همجيتهم وذبحهم للأبرياء. ولم نسمع يوماً أن أصدر حزب الأخوان المسلمين أو أي تنظيم إسلامي سياسي قراراً بإدانة هذه الأعمال الهمجية ضد الإنسانية، كما ولم يدينوا تنظيم القاعدة الإرهابية لحد الآن. ولا ننسى دور فقيه الإرهاب الشيخ يوسف القرضاوي في دعم الإرهاب بالفتاوى وهو المقرب من حزب الأخوان المسلمين.

أي إسلام تريدون؟
تقولون (الإسلام هو الحل)، ولكن أي إسلام؟ إذ هناك عدة مذاهب إسلامية وبعضها متعادية مع البعض إلى حد تكفير الآخر والدعوة إلى إبادته، بل هذه الإبادة جارية الآن كما في الحالة العراقية، حيث القتل على الهوية الطائفية، وهذا أول الغيث. هل الحل في الإسلام السني أم الإسلام الشيعي؟ وإذا كنتم تريدون الإسلام السني، أي سني؟ الشافعي، الحنفي، المالكي، أم الحنبلي- الوهابي- القاعدي الذي يكفر كل ما عداه؟
وفي حالة الإسلام الشيعي، أي شيعي؟ الزيدي، الإثني عشري (والذي ينقسم بدوره إلى الأصولي والأخباري)، أو الإسماعيلي، العلوي، البكتاشي… الخ؟
أيها السادة لقد وضعتم الإسلام والمسلمين في حالة مواجهة دموية مع العالم المتحضر، فقسمتم العالم إلى دار الإسلام ودار الحرب “الكفر”. وهذا التقسيم هو انتحاري وعدمي (نهلستي) يكشف عن مدى جهلكم وفراغكم الفكري وغسل عقولكم باللامعقول، إذ أعطيتم إجازة أبدية لعقولكم.
كل الشعوب لها ماض وتاريخ وتعتز بماضيها وتاريخها، ولكنهم يدرسون التاريخ لاستخلاص الدروس والعبر وليتعلموا منه وليعيشوا للحاضر ويخططوا للمستقبل. فكما قال توني بلير: «إنني فخور بماضي بلادي، ولكنني لا أريد العيش فيه». أما أنتم أيها العرب والمسلمون فلستم فقط فخورون بماضيكم السحيق، بل وتعيشون فيه ومن أجله، ولا تعيشون للحاضر ولا تخططون للمستقبل، ولذلك أنتم في تراجع من سيئ إلى أسوأ.
لقد جاء الإسلام قبل 14 قرناً ووضع حلولاً تناسب تلك المرحلة. واليوم تعقدت الحياة، وظهرت مشاكل حياتية جديدة لا يمكن حلها بقوانين العصور الغابرة. إذ كما يقول عالم الاجتماع العراقي الراحل علي الوردي: “الأفكار كالأسلحة تتبدل بتبدل الأيام. والذي يريد أن يبقى على آرائه العتيقة هو كمن يريد أن يحارب الرشاش بسلاح عنترة بن شداد”. فأي عاقل يقبل بطب مضى عليه 1400 سنة لعلاج أمراض اليوم؟ فهل نترك الطب الحديث وما توصل إليه العلم والتكنولوجيا من تقدم ونلجأ إلى طب الأزمان الغابرة؟ أفيدونا يرحمكم الله؟
في الحقيقة ليس لدى الإسلام السياسي أي حل لمشاكل العصر سوى استخدام العنف وإخضاع المجتمع بالقهر والإستبداد ومحاربة العلم ونشر الجهل وسحق المرأة ومعاداة العالم، كما حصل في أفغانستان في عهد حكم الطالبان سيئ الصيت، وكما هو يجري الآن في السعودية وإيران والسودان. وفي أحسن الأحوال يلجأ الإسلاميون لحل المشاكل بالأدعية. ولحسن حظ البشرية أن الله لم يستجب لأدعية المسلمين وإلا لأهلك البشرية جمعاء بمن فيهم المسلمين أنفسهم، لأن أكثر دعاء يتكرر ملايين المرات يومياً في مساجد المسلمين هو (اللهم أهلك عدونا!) والعدو هنا ليس غير المسلمين “الكفار” فحسب، بل ويشمل حتى أبناء الطوائف الإسلامية الأخرى. فالشيعة أعداء مشركون في نظر الوهابيين وهكذا..!!

خلاصة القول: إن (شعار الإسلام هو الحل)، هو شعار كاذب وزائف ومضلل ومدمر، يراد به تضليل الجماهير الغارقة بالجهل والأمية، وهو نتاج خبث قادة الإسلام السياسي لتصعد على أكتاف هذه الجماهير إلى السلطة. وهؤلاء يشكلون أكبر خطر على الإسلام كدين وعلى شعوبهم والبشرية جمعاء. والحل الوحيد الذي يمكن إنقاذ الموقف وحماية الإسلام والعالم من شرور التطرف الإسلامي هو تبني شعار (العلمانية الديمقراطية اللبرالية هي الحل)، لأن هناك تجارب تاريخية منذ مئات السنين في العالم المتحضر تؤكد لنا صحة هذا الشعار ونجاعته، كما نعيشها في الدول الغربية الديمقراطية. وفي ظل هذا الشعار يتمتع الناس من مختلف الأديان والأعراق بحرية تامة في ممارسة طقوسهم الدينية، وهم أحرار حقاً وفعلاً لا ادعاءً فقط.
12/6/2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *