الرئيسية » مقالات » هل سيغلب ” طبع ” النظام التركي منطق ” التطبع ” ؟

هل سيغلب ” طبع ” النظام التركي منطق ” التطبع ” ؟

أغلبية شعوب وقوميات الامبراطورية العثمانية السابقة المنهارة منذ بداية القرن التاسع عشر التي عمرت أربعة قرون بما فيها المجاورة لتركيا الراهنة تحمل في ذاكرتها الجمعية وحتى في تراثها الشعبي ألف سبب وسبب لتتخذ دوما جانب الحيطة والحذر من تجاوزات ومغامرات من بيدهم سلطة القرار منذ عهد السلاجقة والمماليك الأتراك مرورا بالسلطنة وانتهاء بجمهورية أتاتورك واذا كانت حقائق التاريخ السحيق والقريب والحالي تكتنز بأكوام الوثائق والشواهد حول معاناة شعوب كثيرة لأهوال – الغول التركي – الرسمي فلاشك أن قوميات معينة نالت نصيب الأسد من تلك المعاناة التي لم تخل من أعمال الابادة العنصرية والتطهير العرقي ومنها وبدرجات متفاوتة حالات شعوب البلقان التي حررت بلدانها من السيطرة العثمانية وأقامت دولها القومية المستقلة في نهاية المطاف والأرمن الذين مازالوا يحملون مطالبهم المحقة في العودة الى ديار الآباء والأجداد بعد أن هجر قسرا من تبقى منهم على قيد الحياة وهم الآن يحظون بدولتهم القومية المستقلة في أرمينيا , أما الكرد ان كانوا في وطنهم المجزأ أو في الشتات والذين مازالوا مستمرين في البحث عن ايجاد حل لقضيتهم القومية فمعاناتهم – التركية – مستمرة ومتواصلة على الأرجح مادامت العقلية الشوفينية وآيديولوجيا التفوق العنصري وجنون العظمة سائدة في الأوساط الأصولية الحاكمة في أنقرة بجناحيها العسكري والمدني .
اعتقدت الأوساط الطورانية الشوفينية فور سيطرتها على مقاليد الأمور بعد سقوط آخر السلاطين وبعد اجراءاتها القمعية وممارستها لسياسة الأرض المحروقة والتهجير في كردستان الشمالية بأنها حققت هدفها المرجو في القضاء على ارادة التحرر القومي لدى هذا الشعب الى الأبد وقد تجلى ذلك التخيل الواهم لدى اعادة صياغة تاريخ تركيا الحديثة من جانب – الجمعية التاريخية – التي أسسها وأشرف عليها مصطفى كمال أتاتورك بنفسه حيث انتفى وبقدرة قادر وجود القوميات غير التركية بما فيها ابناء القومية الكردية سكان المنطقة الأصليين مما خلق اشكالية معرفية وأخلاقية لدى الأجيال التركية الناشئة التي ذهبت ضحية التضليل ودفعت البعض نحو التشبث بالخطأ والبناء عليه كما أسست لنمو الآيديولوجيا الاستعلائية الشوفينية الطورانية وظهورها في برامج معظم الأحزاب السياسية وفي مسلكية وأجندة المؤسسة العسكرية التي تحولت الى مرتع خصب للعصبية القوموية المناهضة للآخر القومي والكردي على وجه الخصوص والتي فرضت لنفسها امتيازات هائلة توشك أن تكون الكيان الأقوى داخل الدولة كما وجدت لها حاضنة دستورية – قانونية واقبالا واسعا تحت عناوين مصالح الأمن القومي التركي العليا ! التي لايعلو عليها شيء .
منذ حوالي العقدين وفي السياق التاريخي لاعادة تعريف الهوية التركية وأمام محاولات التصدي لتحديات تبدل الظروف الدولية خاصة بعد توقف الحرب الباردة وانتقاص الأهمية الاستراتيجية للدور التركي في الجناح الشرقي – للناتو – ومتطلبات وشروط داخلية لتحقيق تقدم في مجالات حل القضية الكردية وتحسين أحوال حقوق الانسان وتوفير آليات الاصلاح الاقتصادي اضافة الى تطبيق شروط ومعايير – كوبنهاغن – المتعددة الجوانب للحصول على بطاقة العبور نحو أوروبا نقول منذ ذلك الحين يكاد الصراع السياسي على السلطة ينحصر بين المؤسسة العسكرية الحاكمة الفعلية من خلف الأبواب من جهة وبين تيارات ومجموعات الاسلام السياسي من الجهة الأخرى والذي يظهر أحيانا في وسائل الاعلام خطأ أو صوابا كمواجهة بين العلمانية والدين أو العسكر والمدنيين أو الاستبداد والديموقراطية وبمعزل عن الشعارات والأقوال والسجالات الاعلامية بين الطرفين لابد من الاعتراف بتوفر مسائل خلافية وتباينات حول الدستور والقوانين والادارة وفي التفاصيل ولكنها بمجملها تدور حول اجتهادات كل جانب ومفهومه لكيفية انقاذ الدولة التركية وتذليل العقبات من أمامها وارساء نظامها المستقر وتعزيز مكانتها الدولية وعلى سبيل المثال نجد كلا من المؤسسة العسكرية والحزب السياسي الاسلامي الحاكم يتوافقان مبدئيا على التنكر لوجود شعب كردي في كردستان تركيا يناهز العشرين مليونا يحق له التمتع بحقه في تقرير المصيرحسب كل الأعراف والمواثيق وكذلك الحال في الموقف من كرد العر اق واعتبارهم رسميا من جانب الجهتين – قبائل – وعدم الاعتراف بالاسم الدستوري والحقيقي لمنطقتهم وهو كردستان ناهيك عن الرفض المطلق للفدرالية والبرلمان المنتخب والحكومة ورئاسة الاقليم التي جاءت نتيجة اقرار الشعب العراقي بالطريقة الديموقراطية بكل مكوناته وقد يختلفان على طرق وتكتيكات معالجة المسألة الكردية في الداخل والموقف منها خارج تركيا وخاصة في العراق فالمؤسسة العسكرية ومنذ انبثاق جمهورية أتاتورك تتعامل مع الكرد بالحديد والنار وترجح الحل العسكري القمعي في حين تصدر أصوات من بعض أجنحة الحكومة الاسلامية تطالب بمواجهة سياسية وقانونية وتتعهد أمام الجمهور التركي بأن انتصار الدعوة الاسلامية على الطريقة التركية كفيل بردع الحركة القومية الكردية وتجفيف ينابيع الدعوات الاستقلالية الكردية .
ان الحالة الاسلامية التركية هذه ورغم تشخيصها بالاعتدال حتى من جانب بعض الأوساط الغربية الا أنها يجب أن ينظر اليها من زاوية الحالة الاسلامية العامة في المنطقة وبالأحرى في المجرى العام لظهور وتمدد مجموعات الاسلام السياسي بأسماء ومسميات متنوعة وهي متفرعة بالأساس من الحركة الاسلامية السياسية الأم جماعات الاخوان المسلمين المنتشرة في معظم البلدان الاسلامية والملتفة حول مركز واحد بالتعاون والتنسيق قد يكون ذلك المركز في مصر أو في تركيا أو أي مكان آخر وتحالفاتها في أكثر من بلد مع التيارات القومية العنصرية وبينها قوى استبدادية حاكمة تحت حجج وذرائع واهية فهل يمكن مثلا عدم ربط مشاركة قيادة – الاتحاد الاسلامي الكردستاني – ( وهو بمثابة حركة الاخوان المسلمين ) في مؤتمر شرم الشيخ قي نهاية ابريل المنصرم الذي جمع تيارات عنصرية وأفراد خانوا القضية الكردية وتعاونوا مع النظام المقبور بالتحركات والتهديدات التركية لزعزعة استقرار الاقليم ؟ وهل يمكن النظر بعين الارتياح الى صلات هذا الفصيل الاسلامي السياسي الكردي السرية والعلنية مع أوساط الحكومة التركية والذي يتمثل في الوقت ذاته في الحكومة الكردية والبرلمان ؟ في كل الأحوال فقد قال شعب كردستان كلمته بهذا الخصوص وأدان ازدواجية هذه الحركة في سلوكها السياسي بعد نشر المحضر السري للمؤتمر وتواقيع المشاركين في وسائل الاعلام وفضح علاقاتها التركية , وفي الموضوع ذاته من اللافت قيام قناة – الجزيرة – القطرية التي لجماعات الاسلام السياسي نفوذ فيها وفي استعراض – استنفاري – من أبرز عامليها وفي هذه الأيام بالذات ببث برنامج ترويجي لصالح النظام التركي باسم – عين على تركيا – فهل ذلك بمثابة تغطية وتمهيد للعدوان التركي المرتقب ؟ أما تكتيكات تلك المجموعات الجديدة حيال القضايا الساخنة ومسائل التغيير الديموقراطي والقضية القومية وقضايا حقوق الانسان فماهي الا وسائل عابرة لتحقيق الهدف الرئيسي وهو الوصول الى السلطة بأي ثمن أولا ومن ثم تطبيق أجندتها التي تتلخص في العبارة الثابتة غير القابلة للتحول : الاسلام هوالحل شرائع وممارسات لايجهل مضامينها وتبعاتها الكارثية الطالبانية – البن لادنية أحد .
في المشهد التركي الحالي فان توافق الاصوليتين العسكرية – الشوفينية ( العلمانية ) والاسلامية – السياسية الشوفينية ( الدينية ) الشريكتين في السلطة وبالرغم من خطة توزيع الأدوار وتبادلها الشبيهة بلعبة القط والفأر يبلغ ذروته تجاه معاداة الكرد وجودا وحقوقا في كردستان العراق لوأد الحل الفدرالي الناجح للقضية الكردية هناك أولا والمس بتجربة الاقليم الكردستاني في الديموقراطية وتآخي القوميات من كرد وكلدان وتركمان وعرب وأرمن والتسامح والعيش المشترك كتجسيد ومثال نموذجي في التغيير الديموقراطي الناجز في المنطقة والتي تصبو اليه شعوب الشرق الأوسط وحركاتها الديموقراطية برمتها وتتعارض موضوعيا واستراتيجيا مع رؤى القوى الأصولية بجناحيها .
السؤال هو : هل سيقدم النظام التركي على تنفيذ تهديداته باجتياح العراق من كردستان ؟ وفي حال حصوله هل سيبقى شعب العراق وبينهم الكرد متفرجا على مغامرة هذا الجارالمعروف بعدم احترام قواعد الجيرة للتحول الى محتل عارعن أي غطاء دولي ؟ وماذا عن ردود فعل القوات المتعددة الجنسيات وأوروبا ولأمم المتحدة والرأي العام ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *