الرئيسية » مقالات » المجلس الاسلامي العراقي الاعلى – ربع قرن من التنسيق والتحالف (1-2)

المجلس الاسلامي العراقي الاعلى – ربع قرن من التنسيق والتحالف (1-2)

مقدمة:
قبل فترة قصيرة استقر رأي المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق على تثبيت اسمه، بعد الآن، بالمجلس الاسلامي العراقي الاعلى، وذلك بعد مرور ربع قرن على تأسيس هذا التنظيم الوطني العراقي الكبير.
بهذه المناسبة، قفزت الى ذهني فكرة كتابة هذا المقال القصير عن التنسيق والتحالف بين المجلس والحزب الديمقراطي الكوردستاني، منذ ولادة المجلس.
استهلالاً للحديث اشير، باختصار، الى نشوء علاقات التنسيق والتعاون بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاحزاب والاتجاهات والمنظمات الاسلامية العراقية (الشيعية).
فتوى السيد محسن الحكيم:
الايام الاولى لهذا التعاون تعود الى الستينيات من القرن العشرين، اذ كان آية الله العظمى السيد محسن الحكيم قد أفتى لصالح الشعب الكوردي ولصالح الاخاء العربي الكوردي وخاصة الشيعة والكورد، حين قال سماحته للجنود الشيعة وجميع المسلمين في الجيش العراقي، بعد اندلاع الثورة الكوردية في عام 1961، قال بان سفك دماء الكورد حرام، وانهم مسلمون، واشار ما معناه الى ان العسكريين العرب يجب ان يتضامنوا مع الكورد.
مثل هذه الفتوى المباركة في تلك الايام كانت حدثاً سياسياً ودينياً وفكرياً كبيراً للغاية، وصار العسكريون خاصة الشيعة يتجنبون، ما امكن، خوض القتال ضد قوات البيشمركه الكوردستانية، بل كانوا يتحينون اية فرصة للتملص من المعارك، بالرغم من ان الانظمة السابقة كانت تتعمد زجهم فيها.
انعكست فتوى السيد الحكيم انعكاساً ايجابياً واسعاً في اوساط المجتمع الكوردستاني، وبعث على الاطمئنان. وكان التأثير المباشر لذلك، في جبهات القتال، يتجلى في حالات عديدة، فإما كان العسكريون يهربون من جبهات القتال رغبة في عدم مقاتلة الكورد، واما كان بعضهم يتعمد الاستسلام والوقوع في اسر البيشمركة. وكانت القيادة الكوردية تقابل ذلك بالرفق بالأسرى العسكريين وحسن معاملتهم والاسراع في اطلاق سراحهم (على عكس ما كانت تفعل أزاء المرتزقة الكورد).
بذلك نشأت ثقة وجدانية متبادلة بدون اتفاق مكتوب او ميثاق معلن. وكانت التأثيرات الايجابية لفتوى السيد الحكيم تذهب الى ابعد من ذلك، حيث ان السكان الفقراء المحرومين من الشيعة بالبصرة والعمارة والناصرية وكربلاء وبقية المحافظات كانوا يعاملون بلطف وعناية اولئك المهجرين والمرحلين الفقراء الكورد من المحافظات والقرى الكوردستانية الى الجنوب والوسط.
نظام البعث حاول اثارة سكان الجنوب ضد الكورد المهجرين:
يذكر ان نظام البعث البائد تعمد، بعد نكسة ثورة ايلول خلال عام 1975 وعودة عشرات آلاف الكورد من ايران والمناطق الكوردية المنكوبة، تعمد بتهجير هؤلاء واسكانهم بين سكان الجنوب والوسط، للتحريض ضد الكورد بالزعم بان هؤلاء قتلوا ابناء العرب اثناء القتال عام 1974-1975.
إلا ان الموقف التضامني الرائع لسكان الجنوب والوسط، مع المهجرين الكورد، ومساعدتهم، بعكس ما كان النظام يتوقعه ويريده، قد افشل هدف النظام في اثارة نزعة الانتقام لدى العرب ضد الكورد، وبالعكس.
انعكس ذلك ايجابياً، بشكل آخر، حين اضطر عشرات آلاف العرب الى الالتجاء الى مدن السليمانية واربيل وغيرها اواخر عام 1990- اوائل عام 1991 حين ساءت الاحوال بعد غزو نظام البعث للكويت غدراً، حيث لاحت بوادر هجوم عسكري امريكي – دولي ضد نظام بغداد.
وهكذا تعددت الفصول وتناوبت في اطار عام لتحالف ضمني، شعبي تلقائي، صميمي من العمق، بين عامة الناس الشيعة والكورد عامة.
في بداية سبعينيات القرن الماضي 1970-1975 استمرت علاقات التعاون والتنسيق حين مدت القيادة الكوردية يد الدعم والعون الى العديد من الشخصيات والمثقفين الذين عارضوا نظام البعث منذ عام 1968، فسخرت الحركة الكوردية امكانياتها لتسهيل خلاص هؤلاء المطاردين والملاحقين من قبل النظام وتوفير سبل تحركهم فاستطاعوا النجاة بانفسهم من بغداد وكربلاء والنجف وغيرها ووفرت القيادة الكوردية سبل خلاصهم ليعيدوا تنظيم انفسهم في مقاومة جديدة ضد النظام.
بعد سقوط نظام الشاه الايراني- 1979:
اعقب سقوط نظام الشاه الايراني، الغادر بحق الكورد وشعوب المنطقة، الذي كان متفقاً مع نظام صدام بموجب اتفاقية الجزائر 1975 عسكرياً امنياً وسياسياً ضد كفاح الشعب الكوردي والشعب العراقي وخاصة الشيعة، اعقب ذلك ظهور مرحلة مختلفة تماماً. اذ في ظل الثورة الشعبية الاسلامية الايرانية عام 1979 بدأت مستويات عليا جديدة للعلاقات بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاطراف الاسلامية العراقية التي اعلنت عن وجودها وعملها في طهران آنذاك. وكان الديمقراطي الكوردستاني قد بدأ بانشاء علاقات تعاون وتفاهم مع الجمهورية الاسلامية وذلك من خلال صعوبات وعراقيل جمة كانت بقايا النظام الشاهنشاهي البائد وبعض دعاة اليسار الايراني والكوردي وشبكات المخابرات العراقية تضعها امام نشوء مثل تلك العلاقات.
في اواخر ربيع 1979 التقينا لاول مرة مع مجموعة من شباب منظمة العمل الاسلامي في العراق، ثم بكوادر من حزب الدعوة الاسلامية وشخصيات دينية عراقية.
كانت قيادة الديمقراطي الكوردستاني (كنت قد انتخبت لأكون عضواً فيها آنذاك) تولي اهمية كبيرة للقاء والتفاهم مع اطراف الحركة الاسلامية الشيعية العراقية، باعتبارها مرشحة لتمارس دوراً مهماً في حركة المعارضة العراقية ضد الدكتاتورية البعثية في العراق. (صحت توقعاتنا اخيراً). وكان المؤتمر التاسع للديمقراطي الكوردستاني في تشرين الاول- تشرين الثاني عام 1979 قد قرر انشاء وتعزيز علاقات الكفاح المشترك والتنسيق والتعاون الوطني مع جميع قوى واطراف المعارضة العراقية اليسارية والديمقراطية والكوردستانية والاسلامية الشيعية والسنية والقومية الديمقراطية العربية من بينها (آنذاك) التيار البعثي المنشق على قيادة عفلق-صدام، والذي كان يعرف (بقيادة قطر العراق)، كذلك ممثلي المسيحيين والتركمان وغيرهم.
وقد التزم الحزب بهذا البرنامج الوطني العراقي وفق منطلق فكري منفتح ديمقراطي مرن ومعتدل، مما اكسبه ثقة واحترام اغلبية قوى المعارضة. وكان اول حزب كوردستاني يضع نصب عينيه اقامة علاقات تعاون وكفاح مشترك مع الاطراف الاسلامية الشيعية، وذلك في زمن عصيب كانت فيه الخلافات الايديولوجية والفكرية والسياسية عميقة وشائكة، مما كان يصعب على اي طرف ان يجمع بين العلاقات مع كل هذه الاطراف، يساراً ويميناً في آن واحد. وقد عمل (الحزب الديمقراطي الكوردستاني) على ذلك.
كانت علاقاتنا قد تحسنت مع الحزب الشيوعي العراقي بعد خلافات طارئة عام 1972-1973، ولاول مرة توطدت علاقات كفاح مشترك مع الحزب الاشتراكي الكوردستاني-العراق والحزب الاشتراكي الكوردي (باسوك) منذ عام 1979-1980. وكانت علاقاتنا طبيعية، قبل ذلك الوقت، مع احزاب وتنظيمات ناصرية وقومية عربية (ابو عروبة وعبدالاله النصراوي وطالب شبيب وغيرهم)، وكذلك مع مجموعات وعناصر وشخصيات بارزة (الشهيد مهدي الحكيم وسعد صالح جبر وابو تميم وفاضل الانصاري والجلبي واللواء حسن النقيب (ابو فلاح) وآخرين.
كان الشهيد ادريس البارزاني، مسؤول العلاقات العامة للحزب بعد مؤتمر 1979، اكثرنا حماسة واهتماماً للعمل على صعيد تعزيز علاقاتنا مع كل تلك الاطراف.
وفي عام 1979، ايضاً، كنت بصحبة ادريس البارزاني لدى زيارة آية الله المدرسي، وآية الله العسكري وشخصيات اسلامية كبيرة، للبحث في شؤون العلاقات الثنائية.
كان المرحوم ادريس خبيراً في هذه العلاقات وعلى اطلاع واسع بدور واهمية هؤلاء السادة والتنظيمات الاسلامية. وقد رحب بنا حين ابلغناه في وقت مبكر باننا اجتمعنا مع بعض الشباب من انصارهم وشجع على ذلك. كان بعيد النظر وسريع الملاحظة، لا يتردد في اتخاذ اي قرار حالما يقتنع بصوابه. اتذكر تفاصيل تلك اللقاءات والخطوات والبيانات التي كنا نصدرها لأنني كنت عضواً في لجنة الصياغة في المؤتمر التاسع للحزب، وصغت تلك القرارات كما كنت مسؤولاً للاعلام المركزي آنذاك وعضواً في لجنة العلاقات العامة برئاسة ادريس البارزاني، ومازلت اتذكر محتويات الوثائق المفيدة التي وضعناها.
التآخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *