الرئيسية » مقالات » التاريخ يتكلم 88 – توجهت الى الجزائر ايلول 1989

التاريخ يتكلم 88 – توجهت الى الجزائر ايلول 1989

توجهت جوا من سوريا الى الجزائر، اثناء المغادرة تعرضت الى التحقيق من قبل السلطات السورية بسبب الجواز الذي احمله لكنني تجاوزته بسرعة. كنت في غاية الفرح والانشراح لانني وجدت عملا وساعتمد على مردوداتي الذاتية، وسأبدأ نمطا آخرمن الحياة الطبيعية التي كنت احلم بها، اضافة الى ذلك فانا احترم التعليم وهاأنذا سأمارسه.
وصلت الجزائر العاصمة بعد تأخير ست ساعات عن موعد الوصول، ويعتبر ذلك من الامور الطبيعية لدى الخطوط الجوية الجزائرية. من المطار اتصلت بابنة خالتي د.كفاح وزوجها د.متي، فحضروا على الفور، وانطلقنا، جميعا، الى مسكن د. شابا وهو استاذ جامعي يسكن وحده في البيت لان زوجته واطفاله في موسكو. نزلنا ضيوفا عنده وبعد ان استقر بي المقام هناك بدأت اراجع الوزارة (وزارة التعليم العالي) وكان يرافقني بسيارته في تلك المهمة الرفيق د. ابو ذكرى. كان يجب تنسيبي الى المدينة المقرر ان ادرّس فيها من قبل الوزارة. بعد اربعة ايام اخبرتني كفاح،، بانهم سيغادرون الى وهران، غرب الجزائر، حيث يعمل زوجها وهو د. فيزياء، استاذ جامعة، وهي د. في الصيدلة. قبل سفرهم اخبروني اين يجب ان ابقى ؟ لايجوزان ابقى عند الصديق د. شابا ايوب ان بقائي معه في نفس البيت سيخلق له مشكلة حقيقية، فالساكنون في العمارة سيتساءلون عن هذه المرأة التي تعيش معه، خاصة ان زوجته روسية، اذن المرأة الثانية التي تعيش مع الرجل هي، بلا ريب عشيقته! وبذلك يحل قتله او ضربه او طرده حسب المفهوم الاسلاموي ! وسيقيم هؤلاء القيامة! فكرنا ان نطلب من بيت ابو ذكرى ان اعيش معهم حتى استلامي جواب الوزارة.
اخذ شابا يزورني في البيت الذي اقيم فيه مع بيت ابو ذكرى، واحيانا، يأخذني لاتفرج على الجزائر، المدينة الجميلة، وهي ذات طبيعة خلابة ساحرة، لكن التجوال فيها خطر وصعب بسبب نشاط الاسلاميين المتطرفين جماعة عباس مدني، فاقتصرت جولاتنا، فقط، على المناطق السياحية والمتطورة التي يقل فيها تواجد الاسلاميين ، وغالبا ما يكون ذلك وسط العاصمة والمناطق التي يتواجد فيها الاجانب واهمها نصب رياض الفتح الذي يتمثل بمدينة عصرية مطلة على البحر ذو التصميم الاوروبي الجميل. بعد يومين ذهبت مع ابو ذكرى الى الوزارة وجدت امر تنسيبي الى” جامعة ام البواقي”، وهي مدينة صغيرة شرق الجزائر. سافرت اليها مطلع اليوم التالي بسيارة د.عراقي لااتذكر اسمه وهي تبعد مسافة 7 ساعات بالسيارة في طريق يتعرج بين وديان تظللها الاشجار الشامخة المختلفة، تكاد تكون المنطقة كلها سجادة خضراء. رائحة زكية تنبعث من الازهار والنباتات المنتشرة على طرفي الطريق عبر ذلك الهواء النقي العليل الذي يجدد الحياة وينعشها. كنت انظر ذات اليمين وذات الشمال لا ارغب ان يفوتني منظر جميل وسط ذلك الوادي الساحر.
وصلت المدينة وانا في قمة الانتشاء والفرح اقول في سري هكذا تكون الطبيعة في الافلام السينمائية! كم هو جميل ان يدون المرء انطباعاته في اجواء تلك الطبيعة الشاعرية الفائقة الجمال.
توجهت الى الحي الجامعي الذي يقطنه الاساتذة الاجانب، بضمنهم العراقيون، وهو يتمتع بحماية السلطة، ولا يتواجد فيه الاخوان المسلمون، مما سهل لي ان اسكن عند صديق لي منذ ايام الدراسة في موسكو وهو د. شوكت من البصرة.
في اليوم التالي ذهبت معه الى ادارة قسم الجيولوجيا. تناول المسؤول الكتاب وحينما وقع نظره على اسمي بادرني بنظرات كلها حقد وكراهية، ولكنني تجاهلتها كما نصحني الدكتور شوكت وقال تجاهلي هذه الامور، ستلاقين بعض الاشكالات بسبب اسمك الذي يفضح انتماءك الديني المسيحي . بعد يومين استلمت بيت في نفس الحي الجامعي، كنت مطمئنة رغم انني سأعيش وحدي لان المنطقة تحت الحراسة ومعظم ساكنيها من الاجانب، ولا مجال للاحتكاك بالاخوان المسلمين.
كنت انتظر المباشرة بالوظيفة، عندما علمت بانني ساعيش مع امرأة جزائرية وهي استاذة جامعية ايضا تحمل ماجستير بايولوجي على ما اظن . لابأس في ذلك وسيكون مبعث طمأنينة وامان لي. جاءتني فعلا الى البيت وكان اول سؤال وجهته لي هو ما اسمك؟ انتفضت حينما اخبرتها باسمي وقالت لي: هل انت رومية؟” (أي مسيحية) قلت على الفور: نعم!” ردت قائلة: كيف اعيش مع فتاة رومية وانا اصلي واصوم؟” لم اعلق على تجريحها.
ذهبت لاباشر وظيفتي في اليوم التالي ليفاجئني رئيس القسم بانهم ليسوا بحاجة الى خدماتي! ” ارجعي الى الجزائر العاصمة!”، رئيس القسم من الاخوان المسلمين. اتصلت فورا بابي ذكرى فاشار علي بان اعود الى الجزائر، كنت اتوقع ذلك لان المدينة متخلفة جدا والاخوان المسلمون ينشطون في مثل تلك البيئة، بعد يوم اخذنا الصديق الدكتور شوكت الى مدينة قسطنطينية لاغادرها بالطائرة الى العاصمة الجزائر.
استقبلني د. شابا ليأخذني الى بيت ابو ذكرى ثانية. كان الجميع في غاية التأثر ويعربون عن اسفهم لذلك التخلف. كنا، كل يومين، نذهب انا وابو ذكرى الى الوزارة لاستلام تنسيبي مرة ثانية. لكن في الجزائرتتحكم في الجهاز الاداري بيروقراطية بغيضة تحاول عرقلة اية بادرة للتقدم والتطور. لا يوجد شيء اسمه نظام او دقة، في وزارة التعليم العالي التي من المفروض ان تكون قدوة في قيادة تغيير المجتمع ودفعه الى الامام.فهي تعمها, وتعميها, الفوضى والارتجال في كل مفاصلها.
بعد عشرين يوما استلمت الامر بالتعيين في مدينة شلف غرب الجزائر اذ ان القسم الغربي اكثر تطورا من الشرق، وهي منطقة معروفة، ايضا، بكثرة الزلازل، في نفس اليوم استلمت سكني في الطابق الاول بجوار مواطنين جزائريين. فانشغلت ثلاثة ايام بتنظيف البيت الذي يبعد عن الجامعة مسافة عشرين دقيقة بالسيارة.
في البداية كنت استعمل سيارة اجرة في الذهاب والاياب. تعرفت على استاذين عراقيين يسكنا مقابل العمارة التي نزلت فيها، اتضح فيما بعد، ان احدهم، وهو الدكتور شيرزاد القاضي، صديق حميم لاخي المرحوم باسل، والآخر وهو د. حسام جبر وعائلته معه. فرحت لهذه الصدفة الجميلة. في اليوم الثالث من وصولي وانا مرهقة ومستسلمة لنوم عميق حوالي منتصف الليل، بدأ طرق قوي وحشي بالارجل وبالايدي على الباب. انتفضت والرعب يسيطر على كل جوارحي لكني تسمرت في الفراش اترقب ما يحصل. كنت قد اعتدت ان اترك الضوء في الممر خارج السكن مفتوحا في الليل، لكني لاحظت انه اطفئ فلوحة مفاتيح الكهرباء خارج الشقة. بدأت اتخبط في الظلام لا اقوى على القيام باية حركة. كنت الاحظ ان المعتدي يحاول، باصرار، كسر الباب بقدميه واسمع صوت حجارة ترمى بقوة على الباب. لا بد انه من الاسلاميين المتطرفين يقصد ارتكاب جريمة. كيف اتصرف؟ وماذا اعمل وانا لا اعرف احدا في تلك المدينة، التي لم يمض على وجودي فيها الا ثلاثة ايام فقط؟ حتى الجامعة لا تكاد تعرفني. والشيء الذي شخصوه فقط، هو انني رومية! (مسيحية). فكرت في الهروب من النافذة، تسللت من الفراش بهدوء، بقيت استرق السمع قرب الشباك خوفا من وجود شخص آخر هناك، وبسرعة فائقة فتحت الشباك والحاجز المحيط به وقفزت منه، من ارتفاع مترين تقريبا، على الارض، ونهضت بسرعة وانا حافية القدمين وبملابس النوم وهرعت الى منزل د. حسام اصرخ:” افتحوا الباب فورا” باعلى صوتي. خرج الدكتور مذهولا فاخبرته بالقصة وتبعته زوجته تستعلم، هدءا من روعي واعطتني الزوجة كأس ماء وطلبت ان اشربها ثم سألوني ان انام في منزلهم. بعد برهة ذهب د. حسام لالقاء نظرة على شقتي فلاحظ علامات الاعتداء على الباب ومحاولة كسره. كان المعتدي قد وضع قنينة كحول امام الباب ليثير حفيظة اولئك المتخلفين ضدي، حيث ان المسكرات محرمة عند المسلمين،والحقيقة انا لا اشرب ولا يوجد في الجزائر كحول يباع . يريد ان يقول ان هذه المسيحية تتعاطى الكحول وفي هذه الحالة يحللون قتلي! وما اسهله عندهم، حلال عند الاسلاميين المتطرفين قتل أي انسان يتعاطى الكحول.
في اليوم التالي ذهبت عند جيراني الجزائريين اسألهم عما حصل ليلة امس وهم ساكنون بنفس العمارة، فكان جوابهم انهم لم يسمعوا شيئا لانهم كانوا نائمين. يا من نوم اهل الكهف! لقد اهتزت العمارة بتلك العاصفة المدوية من الضرب على الباب ومحاولة كسره. لكنهم عرفوا انني مسيحية لذلك لم احظ بعطفهم او شفقتهم. كانت الزوجة متعاطفة معي ,عكس زوجها الذي كان هو الآخر من الاسلاميين، بينما الزوجة لا تتعاطف معهم. قالت لي: لا تنامي في البيت وحدك لانك ستكونين مستهدفة من قبل الاخوان المسلمين. حياتك في خطر! سأساعدك قدر المستطاع واخشى ان يعلم بذلك زوجي لانه لا يسمح لي بالاختلاط بفتاة مسيحية”. ثم اردفت ” انني لا اطيق اولئك المتزمتين، يريدون اعادة عملية التاريخ الى الوراء، الى التخلف وزمن العبودية. اما زوجي فيحاول ان يقيد حياتي. انا طوال النهار في المنزل لا يسمح لي بالخروج. انها حياة تعيسة”، كان هذا الحديث يدور بيننا عندما نكون لوحدنا .
ذهبت الى الشرطة في نفس اليوم للابلاغ عن الحادث فاتصلوا بدورهم بالجامعة واشاروا بضرورة توفير شقة ليست ارضية للاستاذة العراقية! اعربوا عن استيائهم وتذمرهم من ذلك الوضع الذي لم يعد باستطاعتهم السيطرة عليه، فالامور تسير الى تدهور مستمر طالما هناك من يحاول تخريب البلاد امثال (عباس مدني)* انه لا يوافق ان تعمل المرأة خارج البيت، وواجبها لا يتعدى انجاب الاطفال! والاهتمام بتلبية رغبات الزوج! ولا يسمح لها ان تنافس الرجل في العمل، لان ذلك سيخلق البطالة ويؤدي ايضا الى تحديد النسل المحرم اسلاميا، كما يحرمها الاختلاط مع نساء من غير دينها لانها تتأثر بافكارهن وتصاب بعدوى العادات والتقاليد الاوربية! فعقب احد الشرطيين معلقا (ما عليش) عباس مدني زوجته انكليزية وبناته يدرسن في لندن! دار هذا الحوار في شقتي، يبدو انهم اناس مغلوب على امرهم حيث افلت زمام الامن وانعدمت الطمأنينة في معظم انحاء البلد.
حزيران 2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *