الرئيسية » مقالات » هذا الدستور يقبرونه حياً… تجاهل الدستور غير مقبول

هذا الدستور يقبرونه حياً… تجاهل الدستور غير مقبول

ان تعبر عن آرائك بالطريقة التي تختار، أمر مقبول، وحق لك. ان تقيم علاقات تحالفية سياسية مع أي طرف سياسي عراقي، فهذا ايضاً امر مقبول. فالتحالفات والتكتلات والمحاور السياسية جزء من العملية السياسية المستمرة في ظل الديمقراطية.
أما ان تشترك في جبهة سياسية على اساس تجاهل الدستور العراقي ومواده وروحه، فهو أمر غير مقبول، وغير مفهوم ايضاً.
ان الجبهة السياسية المعلنة في القاهرة في 30 نيسان الماضي، جبهة ترفض ضمنياً الدستور العراقي ونتائج الانتخابات الحرة التي اشتركت فيها اطراف تلك الجبهة ايضاً، والسؤال الذي نطرحه على د.علاوي وآخرين ممن وقعوا على بيان الجبهة، هو:
– في اي بلد في العالم يوجد نظام فدرالي كهذا، يوافق الناس على الدستور اليوم، ويرفضونه غداً.
ثم… أليس من مبادئ اللعبة الديمقراطية ان تحترم ارادة الاغلبية حتى لو كانت 51% من الاصوات؟
فالخطر الكامن في مضمون بيان الجبهة الاخيرة هو انه ينسف اساس الدستور الدائم. ويدعو تقريباً الى الغائه، ويحرض على تجاوزه عملياً، أي: قبره حياً!
للتحالفات السياسية حدود تتوقف عند حرمة الدستور واحترامه. أما أن يجتمع اناس يريدون مسبقاً قبر الدستور حياً، فهو موضوع خطير، يجب ان نتوقف عنده مرات ومرات.
فالعديد من اطراف اتفاق القاهرة، اعربوا منذ سن الدستور الدائم عن دعوتهم لاجهاضه وتجاهله، او تغييره على هواهم.
ولا ادري كيف ان شخصية مثل د.علاوي، كانت في المعارضة لما قبل سقوط صدام حسين، تشترك في لعبة سياسية كهذه، ستدفع بصاحبها الى منزلق الحرب الاهلية.
ان الاكثرية البرلمانية قادرة على تجاوز الازمة فيما لو التزمت الاطراف الاخرى بالدستور… فالمعارضة مقبولة، لكن في اطار الدستور. وإلا استحال اصدار دستور آخر كل يوم وآخر، او كلما تطلب الامر.
ان هذه الطريقة في اجهاض الدستور، وبالتالي العملية السياسية المؤمل تطورها في مستقبل قريب، طريقة تنم عن الاسفاف والاخلال بالمبادئ الوطنية وشريعة الاتفاق الوطني على النظام الفدرالي الديمقراطي.
وواضح ان بعض اطراف اتفاق القاهرة تتحفظ فقط على النقطة (10) الخاصة بالاعتراف بخصوصية المسألة الكوردية في الفدرالية. إلا ان الكورد يعرفون انه حتى لو قبلت تلك الاطراف بالواقع الراهن لاقليم كوردستان، كما هو، فان كل شيء في الاقليم مهدد بالزوال والانتهاك طالما ان تلك الاطراف تسعى الى نسف واجهاض الدستور العراقي كله، لان المكتسبات الكوردستانية تتكامل، حين يلتزم العراقيون بجميع مواد الدستور وروحه.
وتتشكل في الرأي العام الكوردستاني، قناعة متزايدة بأن الاهداف الاساسية لاتفاق القاهرة هي نسف واجهاض الحقوق الكوردستانية الدستورية وعرقلة حل مشكلة كركوك، والعودة الى الوراء بالمكاسب الاخرى.
والآن يفترض ان يكون مفهوم قولنا في مقال سابق قد اتضح حين كتبنا عن ان “الكورد يائسون من النظام الديمقراطي الليبرالي ايضاً”.
اذ لا نعني بذلك القول ان النظام الفدرالي الديمقراطي غير نافع او مضر وما الى ذلك، بل نعني اننا يائسون من ترسيخ نظام ديمقراطي فدرالي في العراق، ذلك لان اوساطاً عراقية معينة تعادي ذلك ولو بقوة السلاح والعنف والاضطرابات.
ولقد بين بيان القاهرة، باسرع ما كنت اتوقع، كيف ان قسماً من العراقيين يرفضون اساساً هذا الدستور الذي صوت له ما يزيد عن 80% من سكان العراق. وثمة فرق كبير بين من يعارض سياسة معينة ومنْ يرفض اساس النظام، بل ويستعد لمحاربته بمزيد من العنف.
فمن المتوقع، على ضوء ذلك، ان تتصاعد شراسة الاضطرابات الداخلية، وبالتالي فان رفض الدستور الدائم والحالة السياسية التي نجمت عنه، سيقود البلاد الى كارثة افدح.
واذا كانت اطراف اتفاق القاهرة حريصة فعلاً على ما تسميه (وتكرره) بوحدة العراق ارضاً وشعباً… وما الى ذلك، فلتعلم ان هذه الوحدة العراقية باتت مهددة اصلاً بسبب تجاهل الدستور ورفضه.
ان روح هذا الدستور هي المعبر الفصيح عن وحدة العراق، وبدون ذلك سيتمزق العراق فعلاً. فالدكتور علاوي وزملاؤه في اتفاق القاهرة يحفرون عميقاً في اساسيات الوحدة العراقية، مما يؤدي الى تقسيم دولة العراق الى عدة دول. ان هذا التقسيم هو البديل المحتمل جداً لرفض الدستور الفدرالي الذي يوحد العراق حالياً.
ان احداً في العراق لن يرضخ لمشيئة فئة تريد عودة النظام المركزي المطلق الى العراق، وبالتالي ستمضي اقاليم العراق، المقسمة حالياً، الى المضي في طريق الاستقلالية النسبية، حتى تعود الى الاتحاد في صيغة كونفدرالية واسعة.
بعبارة اخرى ان لهجة اتفاق القاهرة لهجة استفزازية تصعيدية للتوتر الداخلي، الاجتماعي والسياسي، وستشدد المصادمات العنيفة وتنقلها الى مستويات جغرافية اخرى، والرد الممكن، المطروح منذ سقوط نظام صدام، هو تشكيل وظهور عدة اقاليم عراقية شبه مستقلة، اما اطراف اتفاق القاهرة، الزاعمة بالحرص على “وحدة البلاد والهوية القومية والاسلامية” فهي عاجزة عن فرض نظام مركزي واحد او سلطة شمولية على الآخرين.
اذْ من الواضح ان محتوى بيان جبهة القاهرة يتركز في خلاصة مفادها ان العراق الذي يريدونه هو العراق الذي “توحده ارادة واحدة” وهي ارادة فئة معلومة خسرت، وستخسر اكثر.
ان الفرصة الحقيقية امام مستقبل عراق موحد، فدرالياً ديمقراطياً، يكفلها فقط الدستور العراقي الحالي، ومدى الالتزام به نصاً وروحاً، واحترام نتائج الانتخابات الحرة لعام 2006.
فهي أشبه بمن يقطع غصن الشجرة، الذي يجلس عليه.

التآخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *