القصة

مقالات لنفس الكاتب

 إلى/ أبناء وبنات شقيقاتي الذين ماتوا في حروب وكوارث الوطن، عادل ، محمد ، نورس، سهام . 

كالعادة ، كان الأمر بسيطا للغاية ولم يتطلب أدنى عناء ، أو حتى صيحة ألم ، كل شيء مر بطرفة جفن ، كنا أكثر من عشرين راكبا في الحافلة ، فجأة دوى انفجار هائل وتحولنا إلى هشيم وتراب ودخان وفتات لحم تناثر بإزاء المقاعد ، وسقف الحافلة وعلى الأرضية وفي الفضاء ، الذي غمرنا بشمس خجلى تنوء ، تبحث عن مستقر لشروقها الصباحي .
موتي كان جميلا ! بدون احتضار ، حيث إني لم استطع الإمساك بلحظتي الأخيرة ، لا آسف عليها!. بيد إني ـ والحق يقال ـ ما بين اليقظة والانطفاء عن الحياة ، ولوقت لا ادري إن طال أو قصر، رأيت مجمل حياتي مرت كشريط سينميّ . يا للذاكرة المعلقة ما بين عدمين لا ثالث لهما!.
تحديدا ، في اليوم الثاني ، الساعة ، آه نسيت أن الميت لا يعي زمانه ومكانه ، عثر أخي الأكبر على جثتي في دائرة الطب العدلي ، أزكته رائحة الموتى على الأرض وفي الثلاجات ، رأيته يتقافز من وحل الدم ، دم المسلخة البشرية ، شاهدت هناك وجوها تبحث عن أعزائهم ، أذكر إني صادفت أكثرهم في رحلة الحياة اللاهبة ، وجوه لا أعرفها ، لكنها تقترب من وجوه أقربائي وأصدقائي . ظل شقيقي يبحث طويلا ، لم يتعرف علي، انه معذور، كنت متفحما بالسواد ، من قمتي إلى الأسفل ، صرت بحجم الشاة (الهرفي)على السفود ! سارت بي السيارة ، أنا في بطن التابوت الأزلي ، منذ آدم وليس انتهاء بي ولاحقا بغيري ، خلفي وأمامي مواكب من التوابيت ، الناس يلوحون لنا ونحن لا نرد على تحياتهم. هل بوسع الجثث والتوابيت أن ترد على التحايا؟! لم تكن تؤلمني رجات الطريق، رحبت بالتابوت ، انه ملكنا المشاع بلا تمييز ، والضاغط على أجسادنا الجميلة ، لقد استوى جسدي مغلفا الحيز الخشبي المعتم ، وانا الذي لاتسع جسدي المدن والشوارع. لما وصلنا البيت لإلقاء النظرة الأخيرة علي ّ ، سمعت بكاء والدي بصمت ، أمي ناحت وشقت ثوبها نصفين ، أختي كذلك شقت ثوبها ، تهدل نهداها ، انتابني خجل الذكورة ، وتمنيت أن لا يأتي أصدقائي حتى لا يروا أختي على هذه الحال ، بعد وقت تركني الجميع ، حسنا فعلوا ، كنت بحاجة إلى الصمت ، في باحة بيتنا شجرة سدر عالية ذات يوم أراد شقيقي اقتلاعها ، لكن والدتي رفضت ، إيمانا منها ان في اقتلاعها موت أحدنا . طالما كسرت أغصانها بحثا عن أعشاش العصافير، ألقيت نظرة على واجهة بيتنا البيضاء ، إلى النوافذ والشرفة ، كان باب (الكليدور) مفتوحا ، أشم رائحة الداخل , رائحة الفتها وأدمنت شذاها الطيب. حط عصفور على التابوت ، سمعت نقرته على الجدار الصلد ، فتذكرت طفولتي المشاكسة يوم كنت أنقر الحيطان على قرينة الصبا ، يا لطفولتي وصباي المشاكس لدرجة أن يقف كل ناس الدربونة فوق إصبع من أصابعي . يا لتلك الايام ومزاجها الحار ، بعد لحظات وصلت جارتنا مع ابنها الصغير ، في البداية وددت لو تنحرف عن طريق التابوت ، وأن لا تلامس عباءتها حافة الخشب إلاّ أنها توقفت قبالتي وبكت بحرقة . من المحتمل إنها تذكرت شقيقها الذي قتل في الحرب العراقية الإيرانية ، كما تذكرت مداعباتي وقبلاتي لصغيرها ، قرأت الفاتحة وهي تمسح عينيها المخضلتين بالدموع ، أرنبة انفها محمرة بلون الطماطة ، ابتعد صغيرها عن مستوى ضغط كفها واتجه نحوي ، الله ما أجمل هذا الصغير!! هذه اللحظة والصغير يقترب مني ، تمنيت لو ابعث من جديد في رحم أمي الدافئ ، ثم أخرج نشوانا ، أنمو على صمغ الحليب وألتصق بهذا الكائن الصغير الذي امتطى تابوتي ، نلتصق أنا وهو إلى مدى العمر ، مثل قبضة ضياء ، كزهرتي نرجس ، كاحتفال جديد ، ان يتوقف العمر بنا عند هذه السن التي هي بلون الحلم ، ولا نشب عن الطوق أو نهرم أو نشيخ ونموت ميتة كما اتفق عليها الأوباش . ابتسمت للصغير بمودة خالصة ، ربما داعب خياله الطفلي تلة أو حصان أو دراجة ، لم اشعر بثقله ، كان خفيفا كالريشة ، هلاميا كالدخان ، كالدخان لا فرق ، قال لامه بمرح (هذا الصندوق لعبة جميلة!) جلوت صوتي وحشدته في حنجرتي ، امتدت كفي تحاول زحزحة غطاء التابوت ، انبعث صوتي هامسا ، لا يصل سمع الصغير ( ليس جميلا هذا التابوت ولا تجد له معنى أو حلا ، انه لعبة سمجة معقدة!) هبط الصغير إلى الأرض ومن جديد اعتلى التابوت . كنت أرى الشمس ترتسم على محياه الجميل (انظري أنا أطول واكبر منك !!). شيعته أمه بنظرة عتاب ، أخفت بسمتها الوضاءة داخل عباءتها فيما تلقفته بيدها وهي تدخل ، حيث يستمر هناك النواح والعويل ، سمعت من احدهم قرب تابوتي يواسي شقيقي ، محلفا إذا ما كان بحاجة إلى المال لإقامة السرادق على روحي ، اكتفى شقيقي بشكره طالبا أن يطوف بتابوتي على سيارته ، عبر شارع مدينتي ، بدوري شكرت شقيقي الطيب البار لوعدي ووصيتي! لولا ضيق المكان لرقصت فرحا لهذه الأمنية السعيدة ، حملوني ثم أرقدوني برفق على قمارة السيارة ، ارتج جسدي قليلا وعاود الارتكاز ، بدأت السيارة تقطع طريقا متعرجا بلا استواء ، الناس تتمتم كلمات غير مفهومة ـ كنت افهمها طبعا ـ يمسحون وجوههم بأكفهم ، آخرين صامتين بذهول ، ناديتهم مودعا أقول لهم (أنا ذاهب إلى حفرة سوداء ، سوف يتقاضى الأوباش أجرا مقبولا على قتلي !؟حفرة مظلمة لكنها أكثر كفاية وعدلا من لحاهم النتنة ، ليس جميلا أن نموت بل جميل أن نحيا ، حياتنا تشكل خطرا للأوباش) قلت لهم أيضا ( في وطني خراب وأكفان أخر لا حصر لها ، في وطني النائم كل شيء ملغوم ، مثقوب ، حتى الأولياء والأنبياء لا خلاص لهم لا عشق ، لاحب ، لا صداقة ، لا موعد ، لا قبلة ولا نبي يحملنا في طوفان جديد.) طاف موكبي في الشارع ، رأيت مدرستي الأولى ، بيوت الأصدقاء ، ملاعب صباي ، وإذا ما توقف قلبي حالا أمام بيت الحبيبة حط على قلبي رضا لشقيقي ، انه يعرف جيدا علاقتي مع ابنة البيت ، لم تخرج هي لملاقاتي موعدنا الأسبوع القادم ! خاطبت الباب الموصد (أنا ذاهب إلى رحم الأرض المفتوح ، سيكون لقاءنا في رمل التيه ! قريبا من خرابة البوم ، افهمي جيدا في الرمل الحارق وليس المتنزه الذي تعودنا عليه ، هناك في وادي السلام سأطوي كل خساراتي وجريان سنواتي ، قبري صغير بأقل كلفة ، أين وقع قبلاتنا الطفلية فوق شفاه من نحب ؟ ها نحن التقينا ، مرة ثانية محنطين ، لا نلتقي أبدا أتذكرين حبنا ؟ كالجنة اخترناه مابين الرصافة والكرخ ، فتحنا نهرا صافيا من ماء عذب ، بنينا كوخا بعشرة كوات ، عطرنا الجدران بالفل والياسمين ، أكرينا أرضا كانت جرداء لا تثمر ، جعلناها تثمر ، لازلت أذكر كلامك ( هل بوسعك أن تصف حبنا أيها الشاعر؟) هتفت أنط كالقرود (انه حب كالقير الحار!) مازلت أذكر ضحكتك ، كانفراط حبات القلادة ، أضفت أقاسمك الضحك (لنسور حبنا بالأسلاك.. ممنوع اجتياز هذا الخط!!) وداعا لك ، نحن لم نسور حبنا وجئتنا بالأسلاك ، كنت دائما وردة بيضاء على عروة سترتي وفي طيات جلدي ، ما أقسى الفراق ! إنا المحب المقهور بخمرتي وفق أستار فضيلة الأوباش الكاذبة ، الحب عند الأوباش محض قفر وسراب ، محض كفر وخداع .
وصل موكبي إلى البيت ، الجميع منهمكون في بناء السرادق ، إلا أنا الزائد عن إتيان حركة واحدة ، اقترح شيخ معمم ، بلحية بيضاء كالرز ، أن يسرعوا بدفن جثتي ، بكيت بحرقة مضنية بينما الشيخ يشحذ من شقيقي الصبر ( البقاء لله ، صبرا جميلا .. ما نحن إلا اكذوبة صنعتها النجاسة ، سارعوا بدفن موتاكم .. نجاسة ماضية لملاقاة حتفها وربها !!(
أنا ، أنا الذي أدمنت على العطر الفواح ، لا يسر بقائي أحد ، إلى أين ؟ إلى مكان لا أحبه ولا يحبني ، أحقا كنت اكذوبة وكتلة نجاسة وتأريخي كله غمزة احتيال ؟! تابوتي فوق الرمل ، ليس بعيدا عن القبر المهيأ لي ، الدفان مشغول ، يشيد حفرة تلم مقياس طولي وارتفاع جسدي . مرة قرأت شيئا من هذا القبيل ، ينطبق تماما على حالي ، في لحظة غياب تام يلفظنا الآباء في رحم الأمهات ، ينسى الأب أنه دون الخلقة الأولى ، في الشهر التاسع تدركنا الصيرورة كاملة ، نخرج من المنفى (الحميم ) إلى منفى أشد ظلاما . سمعت والدي يقول للدفان (نحن نروم شراء أمكنة مناسبة ، لقبور أخرى آتية بلا ريب) (هل هناك أرض رخيصة؟!) (نعم .. أرخص حتى من …) فات الدفان أن يكمل حتى من البشر. صرخ الدفان ) :قولوا معي .. الله أكبر…) فزعت ، طاش عقلي ، ركبني جنون في مساومة الفضاء الأعلى ، تلقفني الدفان ، غشاني ظلام مطبق ، ثمة كتلة تراب أعاقت مقدم رأسي ، أزيحت تماما برأسي ، انهال علي تراب فيما الصراخ اشتد من حولي ، ناديتهم عاليا : (أبي ، أبي ، أخي ، أختي ، مالذي يحدث لنا ؟لم نموت ونقصى عن الحياة ؟ لأي سبب؟ لأجل من ؟) لا جواب . حقا يؤلمني أني نسيت ، هذا اليوم ، أو أول أمس ، أو … أن أخبرهم بأني تركت أشياء تخصني في درج منضدة الزينة ، مشط ، منديل ، قلامة اظفر ، نظارة شمسية ، صورة محمولا على أكتاف والدي مغمورا بالدنانير، يخيل لي أنها أكثر ثباتا واستقرارا ، وبقاء مني ، في وطن أمسى بحاجة إلى وجودي.
كانت قطرات الماء التي سكبتها أمي فوق تراب القبر ، تنداح إلى فمي ، قطرة ، قطرة ، قطرة ، تبدد اشتعالا طويلا الأمد، وحده صمت المقابر شاهدا على ترنيمتي ، صمت لم يدم أكثر من المعتاد .
لقد عاد الدفان بجثة أخرى ، لها ترنيمة أخرى ، أود سماعها.

التآخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *