الرئيسية » مقالات » محمد شكري.. الروائي المغربي الذي كره أباه وأحب العراق…

محمد شكري.. الروائي المغربي الذي كره أباه وأحب العراق…

الحديث عن الأبوة حديث متشابك فهو من ناحية يدلنا بشكل غريزي إلى ما يشير إلى المحبة والألفة والذوبان والتداخل بين الأب والأبن إلى درجة تلاشي الحدود التي تؤطر كل ذات على حدة وهذا ما يحدث في الظروف الطبيعية التي يعيشها الإنسان أما حين تتحكم في حياة الناس قوانين الفقر القاسية التي تحط دائما من قدر الإنسان وتقربه في معيشته قريبا من سلوك الحيوان وتلغي أفضل ما اكتسبه من عادات ومفاهيم الذوق السليم والتحضر التي أكتسبها خلال ملايين السنوات منذ حياة الكهوف الأولى وحتى يومنا الحاضر ، وخير ما أشر ذلك النزوع الشاذ في صفات الأبوة ما تركه لنا المبدع المغربي محمد شكري في يومياته التي يتحدث فيها عن طفولته البائسة ، المعدمة ، القريبة جدا في بدائيتها من عالم أطفال الشوارع في دول العالم الثالث ، أو حيوانات الشوارع كما يسميهم البعض تشبيها بحيوانات الغابة ، وكما جاءت في الخبز الحافي والجزء الثاني من مذكرات محمد شكري وجوه:الإحساس بالفجيعة والفقد نشعرهما دائما في أدب محمد شكري ، واما الاحساس بالظلم فهو شعور عام تجده في معظم إبداعه ، ونجد أيضا في أدبه يأسا حقيقيا من الوضع البشري ، كما في قصصه في مجموعة مجنون الورد ، والخيمة ، والمذكرات التي كتبها عن زيارة جان جينيه إلى طنجة ومذكرات عن زيارة تينسي وليامز ، وحتى في الجزء الثاني من سيرته الذاتية : “زمن الأخطاء” والأخير منها “وجوه”.يتحدث الروائي محمد شكري عن أبيه في الخبز الحافي عند خروج الأخير من السجن : ذات صباح فاجانا في السوق الكبير مصحوبا بجارة لتدله عن مكان امي .انتحبت امي في السوق والدار .لماذا تنتحب من اجله ؟ أنه قاس وشرير. ص27 ويتحدث شكري الروائي عن قبر أخيه في الخبز الحافي- فيقول : رأيت هناك قبورا كثيرة بلا ريحان ، بلا بلاطات قبل قبر أخي : ربوة من التراب وحجران (مختلفان في الشكل) يشير واحد منهما إلى الرأس والآخر إلى القدمين. تألمت للقبور المنسية : تكسوها نباتات وحشية ، بعضها منهار ، حتى هنا ، في المقابر ، عندهم الأغنياء والفقراء..
قبل أقل من أربع سنوات بقليل توفي المبدع محمد شكري في 15 آب 2003 بعد معانة طويلة مع مرض السرطان الذي فتك به بالرغم من العناية المركزة التي تلقاها المبدع بأوامر من الملك المغربي محمد السادس و حكومة بلاده واصدقائه ومحبيه ..ولم التق بالكاتب محمد شكري غير مرتين ، مرة في طنجة عند تكريم الشاعرة العراقية نازك الملائكة بوضع اسمها على جائزة الشعر وإعلان مسابقة شعر سنوية سميت باسم مبدعتنا الكبيرة شفاها الله من مرضها ، وكان ذلك في عام 2001 وكنت قبلها أرسلت له روايتـي في عام 1999 – عراقيون أجناب – عقب صدورها بالبريد وأرسل لي رسالة يشكرني فيها ، واتصلت به بعد ذلك هاتفيا أكثر من مرة ليشارك في استفتاءات ثقافية أنجزتها لجريدة الزمان التي كنت أنشر فيها مقالاتي ، والمرة الثانية التقيته في معرض الدار البيضاء في سنة 2002 وكان شاحبا وقد تمكن منه المرض ، فلم أره بالحيوية التي وجدته فيها عند أول لقاء ، وفي اللقاءين كان المبدع محمد شكري كريما مضيافا ، ودودا لا تمنعه شهرته من اصطحاب ضيوفه إلى مطعم قريب أو حانة أو إلى شقته إذا زاره الضيوف في مدينة طنجة وروى لي الكثيرون من العراقيين الذين زاروا طنجة وألتقوا به أنه كان محبا للعراقيين صديقا و مضيفا وحانيا عليهم ، وكان دائم السؤال عن العراق وأحواله والغريب أنه بقدر ما كره أباه أحب العراق وأهله وهذا ما لا ننساه له ابدا اعني محبته للعراق وللعراقيين… فهو يصحبهم في جولات في مدينته التي يقول عنها إنه مواطنها الأبدي ، ليشاطره ضيوفه طعامه ، ويقدمهم بشكل بروتوكولي ساخر لا يجيده غير الممثل انتوني كوين حين يقدم عجائزه المتصابيات إلى أصدقائه حين يقدم الضيوف إلى خادمته العجوز أمينة التي تقوم بتنظيف شقته وإعداد الطعام له ، فهو بقي أعزب حتى مماته ، والإشاعات التي دارت على ألسنة البعض حول زواجه بالطبيبة الشابة التي كانت ترعاه في شهور مرضه الأخيرة ، فقد كانت مجرد إشاعات وقد بنت عليها الصحف التي لا تتوخى الموضوعيةوالدقة ، لقد كان محمد شكري من محبي حياة العزوبية ، وهذا جزء مهم في شخصيته ، ولفهم أصل الحكاية – عزوفه عن الزواج- الرجوع إلى مذكراته في الجزء الأول والثاني والثالث ، لنقرأ عن العلاقة التي كانت بينه وبين أبيه ، وقد أخبرني في طنجة في تلك الزيارة اليتيمة لشقته وهو يشتم أحد الآباء من الجيران كان يعاقب ابنه بالضرب وصوت الصغير يعلو بالصراخ ، إن هذا الصبي محظوظ ، وأباه يصفعه فقط ثم رأيت وجه محمد شكري ينقبض ويتحول إلى لون الليمونة وقال : أتذكر أن أبي حين كنت بعمر هذا الصبي باعني إلى صاحب مقهى بعشرين بسيطة… ورأيته يمضي بالعشرين بسيطة فرحا ولم تفد صرخاتي وتوسلاتي به أن يعود… لكنه لم يعد ، وكان صاحب المقهى مسرورا بالحصول على خادم لمقهاه يعمل ليلا ونهارا بهذا الثمن البخس : عشرون بسيطة فقط… وتذكرت وقتها ما كتبه محمد شكري عن أبيه ، وكيف قتل أخاه الذي يصغره بسنتين. يقول محمد شكري في سيرته الذاتية -الخبز الحافي- “تذكرت كيف لوى عنق أخي ، كدت اصرخ : أبي لم يكن يحبه ، هو الذي قتله. رأيته يقتله هو هو قتله. رايته يقتله. لوى عنقه. تدفق الدم من فمه ، رأيته رأيته يقتله قاتله الله.. لقد تحكمت في ذهن المبدع محمد شكري صورة الأب القاسي والزوج اللامسؤول والقاتل الذي لا يتورع عن إزهاق روح من جاء من صلبه.. لقد كان الماضي القاسي جلاد شكري ومعلمه الذي يرشده إلى ما يجب أن يفعله وما لا يفعله…
كان فضولي لمعرفة الوجه الآخر لمحمد شكري يحثني على السؤال عن أحواله وكيف يتعامل مع الفقراء أولئك الذين تمتلئ كتبه بالحديث عنهم ، وما إن جاءت الفرصة لأتحدث مع خادمته أمينة من دون رقيب واسألها لماذا لا يبدو الغنى على سيدها وقد ترجمت سيرته الذاتية – الخبز الحافي – إلى أكثر من عشر لغات وبيعت عشرات الآلاف من النسخ منها ، وباع حقوق تحويلها إلى فيلم سينمائي لأحد المخرجين الفرنسيين ، من الذين يهتمون بإنتاج أفلام عن المجتمعات الإفريقية.. وخصوصا عن الريف المغربي وسنوات الاستعمار لمناطق شمال افريقيا.أجابتني الحاجة أمينة : إنه يوزع أمواله على الفقراء ، قلت لها وكيف يتمكن من تحديد الفقراء الذين يحتاجون مساعدته وفي طنجة إعداد وفيرة من المتسولين ، ابتسمت الحاجة أمينة ، وقالت : لشكري جواسيسه..لقد كان يستخدم -العيون- أو بلغة أمينة الجواسيس لمعرفة من الفقراء حقا ، ومن الذي يحتاج حقا إلى مساعدته.. يقول عن حياة التشرد التي عاشها ص125 من خبزه الحافي : استيقظت مبكرا .غلام جديد ينام في مكان ذلك الغلام الذي أنقذني من حملة المتشردين .تحسست ما تبقى معي من الخمسين بسيطة في جيبي .ما زالت بقية البسيطات في مكانها .كان على حق ذلك الغلام : ليس هناك مكان اكثر امانا من المقبرة .اعتقد أن الناس يحترمون أنفسهم أمواتا أكثر مما يحترمون أنفسهم أحياء.ورحم الله محمد شكري الذي كتب كثيرا عن الفقر والموت و الأبوة المهيضة وعن أيتام الشوارع وعن حاجة الناس للحب والامان وجعل معاناتهم واضحة المعالم لكل من قرأ أدبـه ، لقد كان صديق الفقراء والمنبوذين بحق…
*كاتب وصحافي عراقي يقيم بالمغرب.

التآخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *