الرئيسية » مقالات » الاصول السياسية للنظريات الاسلامية

الاصول السياسية للنظريات الاسلامية

من خلال تحليل الاصول السياسية للفكر الاسلامي يمكن تبويبها من خلال تقديرها بثلاث نظريات.
اولا- النظرية العقدية ويصفها فيلسوف الاسلام ابو نصر محمد الفارابي.
ثانيا- نظرية التطور القبلي وهي ما قدم لها شرحا مفصلا وتحليلا كاملا الامام الغزالي.
ثالثا- نظرية العصبية التي قدمها ابن خلدون. كما ان هناك بعض الجزئيات في المصادر الاخرى كنظرية التطور العضوي لظاهرة السلطة او نظرية القوة كاساس للالتزام السياسي. ولا يقل هذا التعدد والتنوع عنه عندما ننتقل الى وظيفة الدولة بمعنى الاهداف التي يجب ان تسعى لتحقيقها من خلال اجهزتها النظامية. فالفارابي يدافع عن نظرية العدالة اما الماوردي فيجعل مبدأ الدفاع عن القصيدة محور الحركة السياسية للدولة المبرر لوجودها للسيطرة على اهدافها ويأتي ابن ابي الربيع فيضيف مبدأ آخر هو تحقيق السلام والطمأنينة. واذا انتقلنا الى انواع الحكومات لوجدناها تمتاز بالفقر وعدم الاهتمام للرعية ورغم ذلك فان ابن خلدون ولاها عناية مهمة فهو يدرس المناخ السياسي ويعالج العلاقة بين الاقليم الجغرافي وصورة النظم السياسية حيث يربط تبعا لذلك بين البداوة والحرية والزراعة والنظم الاقطاعية الاستبدادية ثم ينطلق في تحديد العلاقة بين خصائص المناخ والطابع القومي كونه أحد متغيرات السلوك السياسي وهكذا يعرف المصري بأنه حزين متشائم والسوداني سعيد فرح بنفسه والجزائري شجاع مغامر. كما يضيف ملاحظة اخيرة تدور حول فكرة الولاء كأحد المتميزات الواضحة للحضارة الاسلامية كمفهوم سياسي علما بأن فكرة الولاء لو تعرفها الحضارات الكبرى القديمة فهي علاقة شخصية تدور حول التبعية والخضوع ولا ترتبط بالمفاهيم السياسية او بالقيم العقيدية. وقد فسر مفهوم الولاء وحدد اطاره العام وكما يأتي:
-1الولاء للأمة وليس للنظام .
2-الولاء علاقة تربط المواطن بالأمة فهي تربط المسلم وغير المسلم داخل الامة.
3-الولاء غير المقيد وهو يختلف عن الطاعة التي تصير شخصيته مقيدة .
4-الولاء لا يتعارض مع الثورة او مقاومة الطغيان بل الاستجابة الى الثورة ورفض الطغيان هو التأكيد لعلاقة الولاء.
5-الولاء لا يعني الاكراه ولا يقبله كما بينته الاية الكريمة (لا اكراه في الدين).
ان تحليل ودراسة هذه الابعاد المختلفة تفترض اعادة نشر تلك المخططات العديدة المنتشرة في المكتبات المتخصصة إلا ان السلبية المسيطرة على اجهزة البحث المسؤولة لدينا وعلى التقاليد الجامعية بصفة خاصة في كليات العلوم الانسانية فكلية الاقتصاد وغيرها لم تخصص في نطاق دراستها السياسية والاقتصادية اي موضوع للفكر السياسي والتراث الاسلامي – فالدراسة الاكاديمية في العالم الاسلامي لا تهتم بمثل هذه الدراسات حتى على مستوى مراكز البحوث الاسلامية. كما أن غالبية علماء المسلمين الاجلاء لا يخوضون في مواضيع الثقافة السياسية الاسلامية مخافة تعرضهم للسلطة السياسية بل تقتصر ادوارهم بالوعظ والفقه والافتاء والارشاد بعيدا عن المواضيع السياسية الا ما ندر منهم ولعلنا ندين بهذا الموضوع الى العالم الجليل شهاب الدين احمد بن الربيع في مخطوطه الموسوم (سلوك الملك وتحرير الممالك) فهو يعبر عن قوة فكره السياسي الاسلامي في عصره وهو من العلماء القليلين الذين تعرضوا لظاهرة السلطة ويعد مخطوطه من اندر المخطوطات في هذا المجال يستند على الدراسة السياسية والتحليل والمناقشة الفكرية فلو تتبعنا التراث العالمي لما وجدنا مفكرا جعل من التحليل السياسي مهنة له قبل (نيغولا ميكافيلي) وميكافيلي في هذا الخصوص كان منطقيا مع نفسه جعل نقطة البداية في تحليله هي فكرة الفصل بين القيم السياسية والقيم غير السياسية. ولكن الحضارة الاسلامية رغم انها رفضت هذا المفهوم وجعلت القيم السياسية امتدادا للقيم الدينية وتطبيقا لها. فالتراث الاسلامي عامر بالمؤلفات الصادرة من علماء تخصصوا في الثقافة السياسية والبعض منهم تخصص في تحليل السياسة القومية وآخرون تخصصوا بالسياسة الخارجية. كما جاء في كتاب (رسل الملوك ومن يصلح للسفارة) لمؤلفه الحسين بن محمد المعروف بالغراء والمخطوط المنسوب الى ابراهيم بن ابي زيد الهندي بعنوان (رشاد الملوك في سداد السلوك) ولو أمعنا النظر في هذه المؤلفات لاستنتجنا انها متأثرة كثيرا بأساطين الفلسفة اليونانية وخصوصا لفلسفة افلاطون وارسطو التي ترجمت اعماله الى اللغة العربية في بيت الحكمة في خلافة المأمون العباسي لذلك نرى انه قمنا بتحليل مؤلف ابن ابي الربيع لوجدناه بعيداً عن اذهان المؤلف ميكافيلي في كتابه (الامير) رغم انه يختلف عنه اختلافا كليا من حيث المقومات والاصول وهو في حاجة الى دراسة مقارنة مع مقدمة ابن خلدون وكتابات الفارابي الأمر الذي قد يسمح باستخلاص حقيقة العلاقات الارتباطية للتطور التاريخي للمفاهيم السياسية في التقاليد الاسلامية ويمكن استخلاص المفاهيم الاساسية من كتب ابن ابي الربيع حول مبادئ اربعة -اولا- تحديدوضع الانسان من بين المخلوقات الاخرى اذ يقول ان كل ما خلقه الله من حقائق حية لابد ان تقع في واحدة من مجموعتين: العليا والسفلى والوحيد الذي وهبه الله القدرة على التمييز هو الانسان- فهو من بين سائر الحيوانات ذو فكر وتميز فهو يختار من الامور افضلها ومن المراتب اشرفها ومن المقتنيات انفسها لانه يمتلك صفات القدرة على التمييز والاختيار ثم الغرائز وما في حكمها وهذا يذكرنا بأرسطو الذي يعرف الانسان بانه حيوان سياسي ولكن ابن ابي الربيع عرفه بانه حيوان مفكر. والمبدأ الثاني في كتاب ابن ابي الربيع يرتبط بانواع المعرفة.. وهنا تظهر بشكل واضح مدى قوة التجريد والاحاطة التي وصل اليها ابن ابي الربيع لو قورن بالفكر اليوناني فهو يقسم المعرفة الى نوعين احداهما ذو طبيعة نظرية والاخر ذو طبيعة عملية كما يقسم الاول الى ثلاثة تطبيقات: العلم الاعلى وهو علم الألهيات فينظر اليه ذو عقليا والعلم الاوسط وهو علم الرياضيات حيث يتركز فيه التحليل حول المنطق والذاكرة اما الاسفل فهو علم الطبيعيات ويدور حول النظرة الى الأمور التي تعتمد على الحس. وأن تميزه في المعرفة العلمية يدور حول اسلوب الوصول الى الحقيقة والتي منشأها تعاليم منزلة تختلط فيها العقيدة بالتأويل فيصير علم الألهيات؟ اما اذا كان مرده المطلق التجريد الفكري فيصير علم الرياضيات. واذا كان مرده تدور حول النظر الى طبائع الموجودات اي الاتصال المباشر بالظاهرة عن طريق الحس فيصير في نطاق علم الطبيعيات. ويقول ابن ابي الربيع ان المعرفة العملية لتحديد قواعد ضبط المواطن لسلوكه وهو يربط بين العلم والعمل وهذا هو الجديد والاصيل في فكر ابن ابي الربيع حيث يقول (لا علم لمن لا عقل له ولا عمل لمن لا علم له ولا ثواب لمن لا عمل له) فهو يقسم مواجهة الاحداث السياسية الى ثلاثة اقسام اولا – سياسة الانسان نحو نفسه وبدنه وهي سيرته في نفسه بالاعمال الصالحة والافعال الحسنة ثم سياسته نحو منزله اي سيرته مع اسرته: ما له وزوجته وولده وعبده ثم سياسته مع قومه وبني وطنه وهذا ما نسميه بعلم السياسة أما الثاني فهو الذي يعرف بعلم الاقتصاد وهكذا استطاع ان يعطي للثقافة تلك الصيغة العملية والواقعية والامر الثالث الذي يتناوله ابن ابي الربيع هو التعريف بظاهرة القيادة من حيث مقوماتها او استخدامها فهو يدرج في موضوع العدالة الظاهرة السياسية ويعرض لها من جانبين هي شروط الصلاحية وقيود المزاولة فيجب على من يريد أن يتولى القيادة أن يتوفر لديه ثلاثة عشر شرطا واما تنظيم عملية المزاولة لاعمال السلطة فيتعين على الحاكم ان يخضع وان يحترم ما تفرضه مفاهيم ثلاثة هي العدالة، احترام القانون، مبدأ التسامح. والنقطة الرابعة والاخيرة التي يبينها ابن ابي الربيع هي ظاهرة الثورة او الخروج عن طاعة الحاكم لذلك يرى الكثير من المهتمين بمخطوط ابن ابي الربيع بأهمية بالغة لان محور التفكير فيه يعتمد دائماً على الحقيقة السلوكية والنظرة الى الظاهرة السياسية من جانب الحاكم او المحكوم. وأن اي حديث عن الجمهورية لا موضوع له فهو يختلف كليا عن فلاسفة اليونان في آرائهم السياسية ولو أنه من متابعة المخطوط يتضح جليا أنه قرأ لارسطو واطلع عليه.
كما انه يعلن بصراحة عن ايمانه بالقيم الاخلاقية ويجعل منه الاساس الاول في تقييم الحاكم ووزاراته وقضائه. ويضيف احد المهتمين بالفكر الاسلامي وهو العلامة الباكستاني (شيرواني) أن ابن ابي الربيع يقف موقفا وسطا بين التقاليد اليونانية بألقائها للفرد في الدولة وتقاليد المذهب الفردي حيث الدولة تصير تعبيرا عن الارادات الفردية. فالحاكم هو القائد لكنه مقيد بقيدين هما نظام القانون يعلو وجوده ومثالية عملية تسيطر على حركته. وخلاصة القول اننا لو تتبعنا الاصول الاسلامية لاستطعنا أن نجد مصادر فكرية متكاملة لاكثر من نظرية واحدة تغمر الفقه السياسي المعاصر وان نظرية المناخ السياسي التي قدمها (مونتسيكو) نجد لها تأصلا واضحا لدى ابن خلدون. ونظرية الطابع القومي وجعلها خلقية فكرية لتحليل ظاهرة السلوك السياسي نجدها واضحة لدى اكثر من مؤلف فضلا عما ذكرناه لابن ابي الربيع كالقلقشندي والفارابي وابن رشد.
التآخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *