الرئيسية » مقالات » المادة 140 عقدة أم حل ؟

المادة 140 عقدة أم حل ؟

صرح فضيلة الدكتور همام حمودي رئيس لجنة تعديل الدستور الى فضائية الفرات يوم 3-6-2007 بان هناك تعقيدات كثيرة في تطبيق المادة 140 من الدستور وعلينا أن نبدأ من المربع الأول من مجلس الرئاسة والاتفاق على الحدود واذا لم يحصل اتفاق علينا الذهاب الى محكم محايد واذا لم يتم الاتفاق نذهب الى الأمم المتحدة ثم يجري موضوع التطبيع والاحصاء ثم الاستفتاء . في نفس الوقت كان سيادة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في كوردستان ويصرح بخلاف ذلك وبأن المادة 140 سوف يتم تطبيقها وفي موعدها المقرر حسب الدستور ! والدكتور همام حمودي شخصية متزنة وحكيمة وكان يتميز بمقدرة عالية على حل المشكلات التي اعترضت كتابة الدستور الحالي عندما ترأس لجنة كتابة الدستور عام 2005 كما سمعنا من بعض أعضاء اللجنة .

هذه التناقضات في التصريحات لكفيلة حقا بأن توقعنا في شك وحيرة من أمرنا , وتجعلنا نتساءل عن جدوى رسم المربعات واللجوء الى التحكيم الدولي والأمم المتحدة في حين إن خارطة الطريق لحل مشكلة كركوك وتطبيق المادة 140 واضحة وضوح شمس بغداد في نهارات صيفها المحرق , ومثبتة في الدستور الذي صوت عليه ملايين العراقيين ويتوجب على الجميع احترامه .

إن المادة 140 تتعلق بقضية معروفة تتلخص ببساطة بما يلي : إن النظام الدكتاتوري السابق ومنذ انقلابه الدموي الذي جلب للعراق الكوارث قام بسلسلة من الاجراءات غير الدستورية والباطلة حين فكك الحدود الادارية للمحافظات الكوردستانية وهي ( السليمانية وأربيل وكركوك ودهوك ) وألحق العديد من الأقضية والنواحي ذات الاغلبية الكوردية بمحافظات اخرى , وألحق اقضية ونواحي ذات أغلبية عربية بالمحافظات الكوردستانية مع اتخاذ سياسة عنصرية ضيقة من خلال تنفيذ استراتيجية الصهر القومي والتعريب والترحيل والاخفاء القسري للكورد وبعض التركمان في كركوك , وهذه أفعال غير مشروعة وتشكل جرائم خطيرة تستوجب المحاسبة القانونية .

لقد سقط النظام الدكتاتوري في 9 نيسان 2003 واستبشر العراقيون خيرا ومضت أربع سنوات و صار الحال من سيئ الى أسوأ , فهل يعقل أن تبقى آثار الجريمة على حالها دون علاج ؟ وهل يجوز أن يبقى الغاصب غاصبا لأرض ومال غيره ؟

الحقيقة التي لا يستطيع أحد انكارها بأن ما وقع في كركوك والمدن الكوردستانية الاخرى التي تعرضت الى التعريب يعتبر من أعمال الغصب شرعا وقانونا , فالغاصب غاصب , وهو لا يملك المغصوب مطلقا , ومن الناحية الشرعية من غصب مال غيره عليه أن يرده اليه بحاله التي كان عليها أو رد قيمته إذا هلك .

أما من الناحية القانونية فأن الغصب لا يكون سببا للتملك , لأن الأساس غير مشروع , وما يبنى على الباطل فهو باطل .

لهذا فان وجود الغاصبين لأملاك الكورد في كركوك مثلا من العرب الوافدين من الوسط والجنوب ومن الموصل وغيرها من المدن بفعل سياسة الترغيب والترهيب التي اتبعها النظام البعثي المقبور لايمكن القبول به ولأن القصد من هذا العمل كان تغيير هوية المدينة القومية وديموغرافيتها .


إن مبدأ حسن النية وقواعد الاخلاق والقانون توجب أيضا إعادة رسم خارطة الحدود الادارية للمحافظات العراقية بصورة عادلة , فقد تضررت المحافظات الكوردستانية من رسم الحدود التي جرت في عهد النظام الدكتاتوري السابق وهو أمر غير مقبول , وإن الخرائط الأصلية لهذه المحافظات متوفرة ويمكن الرجوع اليها , فما حصل مثلا في محافظة كركوك من فصل 4 أقضية عنها وهي ذات أغلبية كوردية والحاقها بتكريت وابقاء قضاء الحويجة ذات الأغلبية العربية فقط ضمن الحدود الادارية للمحافظة دليل واضح على نية النظام المقبور العدوانية ضد الكورد في تغيير هوية كركوك الكوردستانية .
وتجدر الاشارة الى أن التلاعب بالحدود طال مناطق أخرى من العراق , فمثلا تم اقتطاع مناطق واسعة من الحدود الادارية لكربلاء وضمها الى الانبار , ويجب أيضا اعادة رسم هذه الحدود وتصحيحها .

ومما يثير علامات الاستفهام والتعجب هو موقف بعض السياسيين العرب المشاركين في العملية السياسية ومن خارجها تجاه قضية كركوك والمادة 140 من الدستور , فهم يقرون بجرائم صدام ونظامه ولكن حين يتعلق الأمر بقضية كركوك يتغافلون عن هذه الجرائم , وإلا ما معنى هذا الاصرار على إبقاء الوضع في كركوك على ما هو عليه لحد الآن ؟

المعروف عن الشعوب والدول المتحضرة إنها تحترم دساتيرها ولا تكتب دساتيرها في الصباح وتتراجع عنها في المساء , فيجب أن يكون لنصوص الدستور جمود نسبي واحترام ومصداقية , بينما نسمع ونقرأ إن الدستور العراقي الذي صادق عليه العراقيون ونجح في الاستفتاء قد جرت تعديلات على أكثر من نصف مواده عدا الاضافات الجديدة والحذف والتغيير , ولم يمض عليه سوى أقل من عامين ! ومن المواد التي تجري محاولات مستميتة لتعديلها أو إلغائها هي المادة 140 .

الحقيقة إن المادة 140 من الدستور وتطبيقها ليست هي العقدة أو المشكلة كما يدعي البعض , ولا هي تجاوز على القانون أو مخالفة للدستور , وانما هي الحل الناجع لعقدة كركوك إذا توفرت النية الصادقة والشفافية بعيدا عن اسلوب المراوغات السياسية وافتعال الحجج والمبررات للتأجيل , بل إن عدم تطبيقها وفقا للدستور سوف يعقد المشكلة ويؤدي الى انعدام الثقة بالحكومة الفدرالية من جانب الكورد , خاصة وإن هناك خطوات قطعت باتجاه التنفيذ حين أصدرت لجنة تطبيق المادة 140 أربعة قرارات ايجابية ووافق عليها السيد رئيس الوزراء العراقي .

أما الدعوة الى اللجوء الى التحكيم والى إشراك أطراف اقليمية أو دولية أو جعل كركوك إقليما قائما بذاته وغيرها من الدعوات التي دأبت على ترديدها بعض الجهات وخاصة الجبهة التركمانية المعروفة للجميع بعمالتها لتركيا والتي لا هم َ لها سوى خلق الدسائس والمؤامرات الخبيثة ضد الكورد وتلفيق الأكاذيب هنا وهناك بدلا من أن تسخر جهودها للدفاع عن حقوق التركمان التي أهدرها نظام البعث المقبور وتعمل على عودة المرحلين منهم الى كركوك مع إخوتهم الكورد , فهي دعوات مرفوضة من الشعب الكوردي ومن غالبية العراقيين لأن قضية كركوك شأن عراقي لا يحق لغير العراقيين حل مشكلتها استنادا الى الدستور العراقي الذي أوجد الحل المناسب لها في المادة 140 منه , واذا كانت الجبهة التركمانية تدعي الوطنية وانها تعمل من أجل المحافظة على وحدة العراق فلم إذا ً إستقوائها بتركيا وارتمائها في أحضانها وهي تعلم علم اليقين مدى أطماع تركيا في العراق , وللتذكير فقط فأننا نشير الى تصريحات وزير دفاع تركيا عام 2002 صباح الدين جقماق أوغلو الذي ادعى علنا في شهر آب من ذلك العام بأن مدينتي كركوك والموصل هما تركيتان ولا يمكن لتركيا أن تتنازل عنهما ! إضافة الى تصريحات رئيس أركان تركيا السابق حسين أوغلو في نفس ذلك الوقت بأن تركيا ستجتاح ( شمال العراق ) بحجة حماية التركمان ! اضافة الى تهديدات العسكر الاتراك حاليا بنفس الاتجاه وتحشيداتهم العسكرية وقصف القرى الحدودية , أفلا تعتبر هذه التجاوزات انتهاكا لسيادة العراق التي تتباكى عليها الجبهة التركمانية ؟

وكأن كل هذه التأجيلات ومحاولات التنصل من تنفيذ هذه المادة الدستورية أي 140 ليست بكافية علينا حتى يظهر لنا تكتل سياسي جديد مدعوم من بعض الدول العربية وتركيا الطورانية ويضم أطرافا معروفة المواقف والنوايا , تهدف الى الالتفاف على العملية السياسية في العراق والى التراجع عن الدستور في كثير من المواد الواردة فيه وأهمها الفدرالية والمادة 140 وتوزيع الثروات النفطية واجتثاث البعث وهوية العراق وغيرها من المواد , ومن المشاركين في هذا التكتل حركة الوفاق الوطني برئاسة أياد علاوي والحزب الاسلامي العراقي وجبهة التوافق برئاسة عدنان الدليمي وحركة الحوار والمصالحة التي يرأسها صالح المطلك , وهناك أيضا الاتحاد الاسلامي الكوردستاني ( أعلن انسحابه من التكتل ) , وبمشاركة عدد من جحوش الكورد الذين كانوا عملاء لنظام صدام وشاركوأ في عمليات الانفال وقتل أبناء شعبهم الكوردي ويستحقون المحاسبة والقصاص , ونأمل أن نراهم قريبا أمام المحكمة الجنائية العراقية المختصة بملف الانفال لينالوا جزاءهم العادل عن جرائمهم .

المواطن الكوردي ينتظر تحقيق أشياء ملموسة على أرض الواقع وقد بدأ بالتململ وأوشك صبره على النفاذ ولن يتحمل المزيد من الوعود في إعادة حقوقه وبالتالي فهو يرفض هذه التأجيلات والمماطلات , ولأن ارجاع الحق في غير أوانه مخالف للعدالة , وإن تسوية حقوق المرحلين واعادة رسم الحدود الادارية وحل إشكاليات المناطق المتنازع عليها كفيلة باعادة الثقة المفقودة جراء سياسات الانظمة الحاكمة ضد الكورد , وليس من مصلحة الأخوة العرب اليوم وبخاصة الشيعة منهم الذين ذاقوا مرارة الظلم طويلا , وفي ظل الارهاب الذي يضرب كل مفاصل العراق طولا وعرضا , أن يخسروا شركائهم … إن كانوا يعتبرون الكورد شركاء حقيقيين لهم .

إن الذين يدعون كذبا ً الحرص على العراق ويتظاهرون بالتخوف على وحدته وخشيتهم من أن تطبيق المادة 140 سوف يؤدي الى تقسيم العراق من أمثال الدليمي والمطلك والنجيفي وعلاوي والفلوجي وأيتام أتاتورك وغيرهم عليهم أن يعلموا بأنهم هم ( الواهمون ) , وإن عدم تطبيق هذه المادة الدستورية هو الذي سيؤدي الى هذه النتيجة , وأن يأخذوا بالحسبان حقيقة هامة وهي أن الشعب الكوردي ليس من الشعوب التي تتنازل عن حقوقها وتضحيات قوافل شهدائها بسهولة , وليرجعوا الى التاريخ البعيد والقريب ليتأكدوا بأنفسهم من هذه الحقيقة .

ولعل من المفيد أن نذكر هنا بعبارة واضحة الدلالة والمعنى جاءت في نهاية ديباجة الدستور العراقي الحالي تقول :

(( إنّ الالتزام بهذا الدستور يحفظُ للعراق اتحاده الحر شعبا وأرضاً وسيادةً )) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *