الرئيسية » مقالات » ما الحكمة من المحكمة؟

ما الحكمة من المحكمة؟

-1-
لأول مرة في تاريخ العرب، تقرر الشرعية الدولية اقامة محكمة دولية لمحاكمة قتلة رئيس وزراء عربي، ومجموعة من الصحافيين والسياسيين، وقادة الرأي الذين ذهبوا ضحية الإرهاب في لبنان.
وهذه ليست أول مرة في حياة لبنان تُقتل فيها هذه المجموعة من أعلا م السياسة والصحافة في لبنان. بل إن لبنان منذ استقلاله 1943 ، يكاد يكون – بعد عراق صدام – أكثر بلد عربي تمّ فيه اغتيال السياسيين والصحافيين من أبنائه وكذلك من أبناء الدول العربية الأخرى المعارضين، الذين كانوا يلجأون إلى لبنان هرباً من ملاحقة أنظمتهم لهم .
فما هي الغاية من هذه المحكمة، ولماذا نشطت الشرعية الدولية في هذا الوقت بالذات، وتحمست لنصب ميزان العدالة الدولية لقتلة هؤلاء؟
هل الغاية فعلاً الانتصار للحق، وإيقاع العقاب في القتلة المجرمين؟
إذا كان الأمر كذلك، فمن الصعب أن يخلو نظام عربي من القتلة، سواء كانوا في سدة الحكم، أو في بساطير الحكم.
هل الغاية هي إقرار العدالة الدولية في العالم العربي، لأول مرة في تاريخ العرب والعجم، الذين سيكونون هم القضاة، وهم الادعاء، وهم القول الفصل في المجرمين الذين ارتكبوا هذه الجرائم؟

-2-
لنكن صرحين وواضحين وصادقين مع أنفسنا.
ولنعترف بالحقيقة.
الحقيقة تقول، أن لا دولة في العالم واعية وراشدة، كبُرت أو صغُرت، تخطو خطوة واحدة تجاه أية دولة أخرى أو أية مشكلة، أو أية قضية إلا وتهدف من ورائها تحقيق مأرب ما، ونتيجة ما، لصالحها، ولصالح سياستها.
فماذا تريد أمريكا – الرافعة الحقيقية والكبرى لهذه المحكمة – أن تحقق من وراء هذه المحكمة؟

-3-
من حظ سوريا العاثر، ومن سوء تقديرها السياسي، وضيق أفقها السياسي بعد رحيل معاوية العلوي (حافظ الأسد)، أنها اختارت اغتيال رفيق الحريري ومن تلاه، في توقيت سياسي سيء، بل هو في منتهى السوء. وهنا مربط الفرس. فقد تم اغتيال الحريري والقائمة التي تلته، في وقت كان الخلاف بين سوريا وبين أمريكا خاصة والغرب عامة على أشده، نتيجة للتدخل السوري الإرهابي في العراق، وتخريب بيت العراق وحرقه على الوجه الذي نراه اليوم، ونتيجة لاعتقال عدد كبير من المعارضين السياسيين السوريين دون محاكمة وبشكل تعسفي، ونتيجة لتحالفها مع إيران، وأخيراً نتيجة لدعمها اللوجستي والعسكري والسياسي لكل من حزب الله، وحماس، وربما “القاعدة” أيضاً عن طريق تسهيل مرور عناصرها عبر سوريا إلى العراق “أرض النزال والفصال، وتحقيق المنال”، كما تصفها العناصر الإرهابية الدينية المختلفة.
في هذا الظرف السياسي الدقيق، المليء بالكراهية والحقد والتربص بسوريا، اختارت سوريا أن تغتال الحريري، ومن بعده بعض الأعلام السياسيين والصحافيين. وكان ذلك القرار من أغبى وأخطر القرارات، التي ربما سوف تؤدي إلى نهاية حكم العائلة العلوية الحاكمة، وحزب البعث. وبذا يطوى التاريخ السياسي لهذا الحزب النازي من العالم العربي، بعد أن حكم العراق وسوريا بالحديد والنار، أكثر من أربعين عاماً.

-4-
نعم، مشروع اقامة المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الحريري ومَن بعده، مشروع أمريكي – فرنسي – أوروبي بامتياز لمعاقبة سوريا وفضح استخباراتها عالمياً، تمهيداً للإطاحة بالحكم. وتلك هي الفرصة الذهبية التي لا مثيل لها. فانقلابياً من المستحيل الإطاحة بالحكم. وشعبياً من سابع المستحيلات الإطاحة بالحكم. واعتماداً على المعارضة الخارجية، فالمعارضة السورية الخارجية هشّة وضعيفة. وغزو سوريا كما حصل في العراق من الصعب تكراره في المنطقة ثانيةً، نتيجة للمتغيرات السياسية التي حصلت على أرض الواقع العربي منذ عام 2003 إلى الآن.
إذن، لا فرصة ذهبية متاحة لإسقاط الحكم في سوريا غير طريق المحكمة الدولية التي تريد الدول المُتبنية لها- وعلى رأسها أمريكا – أن تكون ليست ثأراً لدم الحريري ومَن قُتل بعده فقط، ولكن تأديباً وعقاباً وتشهيراً بما يُطلق عليها “الدولة المارقة”.
ولذا، فنظام الحكم السوري معذور في كل ما يقوله ويطلقه على هذه المحكمة. وهو الذي لا ينام الليل من شدة وكثرة الكوابيس المرعبة التي تتلبسه، ويتصور في يوم قريب، أن رأسه سيكون تحت رحمة العدالة الدولية، بعد أن استعصى هذا الرأس على العدالة العربية المُفتقدة كما قلنا في مقالنا السابق (غابت العدالة العربية فحضرت الدولية).

-5-
لقد قُتل من قبل كمال جنبلاط للسبب نفسه الذي قُتل من أجله الحريري، وقُتل مِن بعده مجموعة من الصحافيين ورجال الدين، وعلى رأسهم الشيخ حسن خالد مفتي لبنان، فلم تتقدم أمريكا وغيرها من الحلفاء، لإقامة محكمة دولية حين كان النظام السوري وأمريكا سمناً على عسل. ذلك أن معاوية العلوي (حافظ الأسد)، كان قد أحسن ضبط التوقيت السياسي لهذه الاغتيالات. وكان أثناءها وبعدها الحليف غير المباشر لأمريكا والغرب، اللذين أغمضا أعينهما عن نهب معاوية العلوي للبنان، وتحويل لبنان إلى مزرعة علوية، وإقليم سوري بامتياز، دون حسيب أو رقيب.
في فن السياسة، وخاصة السياسة العربية، تستطيع أن تكون القاتل والضحية في الجريمة ذاتها. والمجرم والبريء في الحادثة نفسها. واللص والحارس في الليلة ذاتها. والقاضي والمتهم في المحكمة نفسها. المهم أن تختار التوقيت السياسي المناسب بدقة متناهية.

-6-
ما فعله يزيد العلوي (بشار الأسد) عكس ما فعله أبوه (معاوية العلوي). ففعل يزيد العلوي في لبنان، ما فعله يزيد الأموي في المدينة المنورة. فيزيد الأموي دخل المدينة المنورة بعسكره، واجتاحها لمدة ثلاثة أيام، كما لم يجتح المغول أو البرابرة أية مدينة أخرى في العالم، لكي يقتص من الذين أحجموا عن مبايعته. فأرسل إليهم جيشاً كبيراً بقيادة مسلم بن عقبة اجتاح به المدينة، وأباحها لجنوده ثلاثة أيام. قاموا خلالها بارتكاب أفظع الجرائم ، فقتلوا ما يزيد عن خمسة آلاف من الناس، ونهبوا الأموال، وأحرقوا البيوت، واعتدوا على الأعراض، حتى قيل إنهم فتكوا بحرمة أكثر من ألف عذراء. وفي رواية لابن كثير، أن ألف امرأة من أهل المدينة ولدت بعد هذه الجرائم، من غير زوج .
بالأمس واليوم، اجتاح يزيد العلوي لبنان نهباً، وفرضاً لـ (الخوّات)، وسرقةً للبنوك (بنك المدينة)، وسطواً على وارادت المطار والميناء والكازينو، واعتقالاً للمعارضين، وقتلاً للسياسيين والإعلاميين بجيشه واستخباراته وأعوانه في لبنان، ولكن بمنطق القرن الحادي والعشرين، وبأسلوب التقيّة خشية من البوليس الدولي المتربص به. ولولا هذا البوليس الدولي (مجلس الأمن) لفعل يزيد العلوي بلبنان أكثر مما فعله يزيد الأموي في المدينة المنورة.

-7-
نعم، أمريكا على وجه الخصوص، كانت تفتش منذ سنوات خمس، ومنذ فجر التاسع من نيسان 2003 عن سبب، أو عذر، أو حجة، تدق فيها مسماراً غليظاً في رأس النظام السوري. فلم تجد مسماراً يُشفي الغليل و (يفش القلب) غير مقتل الحريري. فوقع يزيد العلوي في الفخ، بكل غباء وبلاهة. وظنّ أن لا عقاب ولا حساب لما ارتكبه من جرائم، ما دام نظام عبد الناصر في الشام (عبد الحميد السراج) قد اغتال نسيب المتني نقيب المحررين اللبنانيين، واغتال كامل مروة مؤسس ورئيس تحرير جريدة “الحياة”، واغتال فرج الله الحلو أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني. وما دام أبوه (معاوية العلوي) اغتال كمال جنبلاط، وحسن خالد، وسليم اللوزي، ورياض طه نقيب الصحافة اللبنانية، وسهيل الطويلة أحد مفكري الحزب الشيوعي اللبناني، والمفكرين: حسين مروة، ومهدي عامل وغيرهم.

-8-
لم يضع يزيد العلوي في حساباته السياسية، أن العين الأمريكية والأوروبية يقظة حمراء عليه، بعد زوال حكم الطاغية صدام حسين، وأنه المرشح الثاني للسقوط بعد صدام. وأنه أصبح شوكة عالقة في حلق السلام في منطقة الشرق الأوسط. وأن القاصي والداني في الغرب يعلم، بأن لولا الحكم السوري لما كان هناك إرهاب في العراق، ولما كانت هناك فوضى في لبنان، ولما تجرأ نبيه بري على وضع مفتاح البرلمان اللبناني في جيبه، وكأنه دكان ورثها عن أبيه، يفتحها متى شاء، ويغلقها متى شاء، حسب الرغبة السورية، ولما تعاظمت قوة وصلافة حزب الله على هذا النحو، وأدت إلى تدمير لبنان على هذا النحو وخسارته مليارات الدولارات وآلاف الضحايا والبيوت المهدمة والبنية التحتية المنسوفة، ولما تقلبت حماس ذات اليمين وذات الشمال، وكانت كل يوم هي في شأن مختلف، حسب إشارات الريموت كنترول السوري، ولما تعنتت إيران في الملف النووي هذا التعنت، ولما استطاعت عناصر القاعدة الوصول إلى العراق، ولما، ولما، ولما.
فإذا كان آل الحريري سيسعدون غداً بالثأر لضحيتهم، وإذا كان اللبنانيون سيسعدون للثأر لضحاياهم، فنحن كمثقفين ليبراليين، سنُسعد كذلك بالثأر للشعب السوري بأجمعه، وللمعارضة السورية على وجه الخصوص القابعة في غياهب السجون العلوية.
فهذه المحكمة هي محكمة الثأر من الجزار، ومحكمة التحرر من الخوف والإرهاب والحكم الديكتاتوري الطاغي. إنها محكمة لردع قتلة السياسيين والإعلاميين والمثقفين والمفكرين والاقتصاص منهم.
السلام عليكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *