الرئيسية » مقالات » هل من حراك جديد في العملية السياسية العراقية؟

هل من حراك جديد في العملية السياسية العراقية؟

انتهى مؤتمر شرم الشيخ الذي تبنى العهد الدولي بملفاته السياسية والاقتصادية والأمنية التي تهدف إلى تقديم الدعم الضروري اللازم دولياً للحكومة العراقية في مقابل التزام الحكومة العراقية بتنفيذ مجموعة من الالتزامات إزاء العملية السياسية والوفاق الوطني والتخلي عن النهج الطائفي السياسي في الممارسة العملية ونزع سلاح المليشيات الطائفية المسلحة وتأمين المزيد من الخدمات الأساسية للسكان …الخ. كما انتهى في اليوم التالي له مؤتمر شرم الشيخ الخاص بدول الجوار العراقي لضمان دعم حكوماتها ودول المجتمع الدولي للسياسة الداخلية العراقية التي تريد التصدي لقوى الإرهاب الدموي المتفاقم والمؤجج إقليمياً ودولياً, وخاصة من جانب الأمم المتحدة.
وجاء هذا المؤتمر الذي استضافته مصر ولعب وزير خارجيتها دور المساعد, وبالتعاون مع الحكومة العراقية والأمم المتحدة, في جمع الشمل وتقريب وجهات النظر, إذ أن الكلمات التي تحدث بها في المؤتمرين لتنشيط الأطراف المتحاورة صوب الوصول إلى رؤية مشتركة حول ضرورة دعم الحكومة العراقية من خلال إيقاف التدخل في الشأن العراقي ومنع تسرب الإرهابيين من حدود الدول المجاورة الطويلة الممتدة بين العراق وبلدان الجوار, وكذلك منع وصول الأسلحة والعتاد والأموال إلى الإرهابيين التي توصلت إليها مؤتمرات دول الجوار السابقة والتي لم تنفذ رغم تأكيد تلك الدول على الالتزام بها.
لقد انتهى المؤتمران الدوليان المهمان وتوصلا إلى نتائج طيبة بما في ذلك تقديم الدعم المالي للعراق وإلغاء بعض ديونه واحتمال إلغاء التعويضات المفروضة عليه, وبشكل خاص تقديم المساعدة المباشرة لإيقاف الإرهاب في البلاد, ولكن ماذا بعد انتهاء هذين المؤتمرين؟
انقسم الرأي العام في العراق والعالم, وكذلك جمهرة الصحفيين والمعنيين بالشأن العراق قبل واثناء وبعد انتهاء المؤتمرين في شرم الشيخ حول مدى إمكانية الاستفادة الفعلية المباشرة من عقد هذا المؤتمر الجدبد والقرارات والتوصيات الصادرة عنه؟
لا يمكن لقرارات وتوصيات وأهداف هذا المؤتمر الدولي المهم أن تنفذ فعلياً وعلى أرض الواقع, مهما كانت تلك القرارات والتوصيات والأهداف جيدة, إيجابية, واقعية وعقلانية, ما لم ترتبط بعملية متابعة مستمرة ويومية لعملية التنفيذ الفعلي, ليس من جانب الطرف العراقي, صاحب القضية الأول, فحسب, بل ومن الأطراف الأساسية الأخرى التي تشارك في المؤتمر والتي يهمها تحقيق تلك المهمات, وبشكل خاص كل من إيران وسوريا ودول الخليج والولايات المتحدة وبريطانيا, وكذلك الأمم المتحدة الممثلة بشخص أمينها العام, الذي حرص في أن يساهم بشكل مباشر في دعم الحكومة العراقية لمواجهة وإفشال مخططات القوى الإسلامية السياسية, وشارك بفعالية في وضع مبادئ وأسس العهد الدولي وأهدافه. كما أـن تنفيذ كل ذلك يحتاج إلى بعض الوقت, رغم أن الكثير من تلك القرارات ليست جديدة, بل اتخذت في مؤتمرات سابقة. ولا بد من تأكيد حقيقة أن العملية السياسية لا يمكن أن تتحقق ما لم تكف بعض أطراف الحكومة العراقية عن لعب دور مزدوج, أي المشاركة في الحكم كجزء من العملية السياسية, ولكن التشويش على سياسة الحكومة في مجال تحقيق الوفاق الوطني وممارسة العنف ضد بعضها الآخر, كما يجري اليوم في كل من الديوانية والناصرية أو في بغداد ومناطق أخرى, بحيث تجبر القوات العراقية على مواجهة المليشيات الطائفية المسلحة, مما يفسح في المجال لقوى الإرهاب الأخرى الظلامية على تعزيز مواقعها واستخدام فعال لبنيتها التحتية وشن حملات إضافية ضد مواقع الحكومة العراقية وقتل المزيد من البشر, كما حصل في الموصل أخيراً حيث فجرت الكثير من السيارات المفخخة والهجمات العسكرية ضد معسكرات القوات الأمريكية ومواقع القوات العراقية أو وقوع حوادث مماثلة في مناطق أخرى من العراق.
يبدو للمتتبع, رغم قصر الفترة منذ انتهاء مؤتمر شرم الشيخ في مصر, بأن الأطراف المعنية بدعم جهود العراق في مكافحته لقوى الإرهاب لم تتخذ حتى الآن ما وعدت به من إجراءات من جهة, وأن تلك القوى الإرهابية قد أقامت في تلك البلدان بنيتها التحتية أيضاً التي تساعدها اليوم في تحقيق ما تريد ضد الوضع القائم في العراق وضد حكومتها وسياستها حتى دون مساعدة مباشرة من حكومات دول الجوار من جهة ثانية. من هنا يمكن القول بكل صدق إلى أن الساحة السياسية العراقية لم تعرف خلال الفترةى الأخيرة أي حراك سياسي عملي وفعلي جديد يمكن أن يؤشر, في ما عدا بيانات مؤتمر شرم الشيخ وقراراته وتوصياته التي لم توضع قيد التنفيذ حتى الآن, تبدلاً فعلياً في مواقف دول الجوار إزاء الحكومة العراقية. يكفي أن نتابع العمليات الانتحارية والسيارات المفخخة التي تحدث في مناطق مجاورة لدول الجوار وفي بغداد حيث يزداد عدد القتلى والجرحى والمعوقين من المواطنات والمواطنين الأبرياء, إضافة إلى المغدورين تعذيباً وقتلاً والمرميين على قارعة الطريق وفي مناطق مختلفة من الوسط والجنوب وبغداد, وأن ضربات الحكومة العراقية, رغم قوتها وسعتها, لم تؤد إلى استئصال جذور هذه القوى التخريبية المدمرة.
لقد مر عام على تشكيل حكومة السيد نوري كامل المالكي ممثلاً عن الائتلاف الشيعي وبمشاركة واسعة نشبياً, ولكنها لا تمثل الوحدة الوطنية العراقية المنشودة. وخلال هذا العام تحقق الكثير المهم, ولكن لم يتحقق الهدف المركزي من وجود هذه الحكومة حتى الآن, أي إعادة الأمن والاستقرار إلى ربوع البلاد ونزع فتيل الطائفية السياسية وتأمين الخدمات الأساسية, وخاصة الكهرباء والماء ..الخ إلى الفئات الاجتماعية المختلفة, وخاصة الأكثر فقراً وبؤساً وتهميشاً. وهذه الحقيقة تؤكد موضوعاً آخر يفترض أن تقر به الحكومة ليتسنى لها معالجته, وأعني بذلك ما يلي:
1. لم تستطع الحكومة العراقية حتى الآن كسب ثقة الغالبية العظمى من بنات وأبناء المجتمع العراقي, سواء, أكان ذلك بصدد سياساتها ومواقفها وإحراءاتها العملية بشأن العملية السياسية والوفاق الوطني, أم بصدد إجراءاتها الاقتصادية والبطالة الواسعة والأمنية وضد المليشيات المسلحة, حتى الآن.
2. وأن جمهرة واسعة من الناس في العراق ما زالت تقدم الدعم المتنوع لقوى الإرهاب وتمنجها الحماية والثقة بما يساعدها على الاستمرار بتنفيذ عملياتها العسكرية, وهي مرتبطة مباشرة بالذهنية الطائفية السياسية التي ما تزال تهيمن على بعض قوى الحكومة وقوى المعارضة في العراق.
إن تغييراً حقيقياً وواسعاً وجدياً يفترض أن تمارسه الحكومة العراقية والقوى المكونة لها, وخاصة قوى الإسلام السياسي التي ما تزال متخندقة وراء نهجها الطائفي السياسي, سواء أكانت شيعيةً أم سنيةً, التي ما تزال عاجزةً إو غير راغبة على استيعاب حقيقة أن هوية “المواطنة العراقية” هي الهوية الأولى والأكثر أهمية في العراق في المرحلة الراهنة وليست الهوية الطائفية المهلكة والقاتلة والمفتتة لوحدة النسيج الوطني والمعرقلة لأي اتفاق سياسي قادر على تجاوز المحنة الراهنة.
إن استمرار النهج الطائفي الذي تمارسه بعض المكونات المشاركة في الحكومة سوف يقود لا محالة إلى عجز الحكومة عن تحقيق المهمات التي جاءت من أجلها وبالتالي ينتفي وجودها, ما لم تبادر بسرعة وتصميم إلى اتخاذ الإجرءات الضرورية لتغيير واقع بنيتها المتناقضة الراهنة. وإذا تعذر تحقيق ذلك فأن المجتمع العراقي بكل مكوناته سيجد نفسه وجهاً لوجه أمام خوض النضال من أجل إقامة حكومة جديدة بمكونات جديدة في العراق واعية لمهمتها وبعيدة عن الؤ
رؤية الطائفية المقيتة بما يمكنها من تغيير النهج السياسي الراهن بالاتجاه المنشود الذي تستوجبه ضرورات سيادة الأمن والاستقرار والسلام الأهلي والتقدم وتأمين الخدمات في العراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *