الرئيسية » مقالات » مناقشة لمسودة ورقة العمل المقدمة الى المؤتمر الوطني الثامن للحزب الشيوعي العراقي

مناقشة لمسودة ورقة العمل المقدمة الى المؤتمر الوطني الثامن للحزب الشيوعي العراقي

طرحت قيادة الحزب الشيوعي العراقي الى المؤتمر الثامن القادم للحزب الشيوعي العراقي مسودة ورقة عمل حول اسباب الاحداث العاصفة التي ادت الى انهيار الانظمة الحاكمة في الاتحاد السوفييتيي وغيرها من الانظمة في اوربا الشرقية. لقد بذل محرروا هذه الوثيقة جهداً كبيراً في السعي لوضع اليد على اسباب هذا الحدث الكبير وتداعياته ونتائجه سواء على النطاق الوطني اوالدولي، عبر تغطية تاريخية لتجربة الاتحاد السوفييتي وعدد من تجارب الدول الاخرى. وتجنبت المسودة الاشارة الى اسباب فشل ثورات رفعت راية الاشتراكية مثل كومونة باريس عام 1871، و اخرى عاصرت ثورة اكتوبر 1917 كالثورة الالمانية والمجرية والبلغارية. كما استهدفت الدراسة الاستفادة من هذه التجارب الفاشلة التي تناولتها في مسعى لتصحيح النظرة حول سبل بناء مجتمع اشتراكي خال من استغلال الانسان لاخيه الانسان.
وعلى الرغم من سعة هذه الدراسة وشمولها لعدد من المعطيات والدلائل، الا انها تحتاج الى قدر ادق في منهجية البحث والاستناد الى المحطات التاريخية الاساسية التي رافقت تطور الفكر الاشتراكي او تطبيقاته في القرنين التاسع عشر والعشرين. كما يحتاج هذا البحث الى تدقيق في المفاهيم والاحداث التاريخية واعتماد النظرة المتعددة الجوانب دون النظر بعين واحدة الى تلك الاحداث. و اعتقد انه من الضروري ان تنسجم هذه الوثيقة مع الوثائق الاخرى المقدمة الى المؤتمر الثامن القادم للحزب في تحليلاتها واستنتاجاتها، لا ان تتعارض احياناً مع وثيقتي مشروعي النظام الداخلي والبرنامج.
وسنسعى هنا الى الاشارة الى عدد من الملاحظات تبعاً لما تسلسل في الوثيقة المشار اليها من معطيات واستدلالات.
ان غالبية من تصدر الحركات التي دعت الى ارساء قيم العدالة او الاشتراكية في المجتمعات الانسانية قديمها وحديثها، ركزوا بالاساس على نقد الانظمة الاستغلالية القائمة وتحليلها بهذا القدر او ذاك، وطبقوا مشاريع لم يحالفها الحظ في النجاح لعدم واقعيتها ونضوج عوامل نجاحها. ولا مجال للاشارة هنا بالتفصيل الى المفكرين الذين حملوا هذا اللواء في العصور الخوالي او اولئك الذين رفعوا لواء الاشتراكية قبل الماركسية والتي تطرق اليها البيان الشيوعي كالاشتراكية الرجعية او الاقطاعية او اشتراكية البرجوازية الصغيرة اوالمحافظة او البرجوازية اوالطوباوية، او الاشتراكية الالمانية و”الصحيحة” في القرنين التاسع عشر والعشرين. الا ان غالبية هؤلاء، ان لم يكن جميعهم، لم يطرحوا مشاريع ومخططات لهذا المجتمع الجديد عند نقدهم للانظمة الاستغلالية؛ أي البدائل الملموسة، حيث لم تخرج طروحاتهم عن اطار الدعوات الاخلاقية والانسانية او في اقصى الحالات الاشارة الى ملامح واتجاهات لبناء هذا المجتمع الجديد. اننا لو تصفحنا ما انتجته قريحة كارل ماركس على سبيل المثال، لوجدنا انه قد قدم في كتابه الشهير “رأس المال” خير تشريح لجوهر الاستغلال الرأسمالي وخصائص الرأسمالية خاصة في القرن التاسع عشر. الا ان ما كتبه كارل ماركس حول التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الجديدة اللاحقة؛ اي الاشتراكية، لم تتعد صفحات محددة، ولم تتناول مخططاً متكاملاً ولا مشروعاً لبناء المجتمع الجديد البالغ التعقيد، بل ملامح فحسب. ان كل ما كتبه كارل ماركس وفردريك انجلز لم يتعد الاشارات العامة حول سمات المجتمع والدولة الجديدة، مستفيداً من فشل تجربة كومونة باريس. وقد اشار كل من ماركس وانجلز بحق الى:” ان هذه المهمة تقع على عاتق الاجيال التي ستعيش ذلك النظام وستكون اذكى منا”.
كما لم يكن لدى البلاشفة في روسيا أيضاً ذلك التصور حول بناء المجتمع الجديد حتى بعيد استلام البلاشفة للسلطة في روسيا. لقد كان برنامج البلاشفة حتى المؤتمر الذي انعقد بعد نجاح الثورة هو برنامج ثورة ديمقراطية وليس برنامج اشتراكي، وهو عين البرنامج الذي اقر بعيد فشل ثورة 1905 الديمقراطية. كما ان الحزب البلشفي لم يكن قد صادق على شعار ف. لينين “تحيا الثورة الاشتراكية”، هذا الشعارالذي رفعه بعد عودته من المنفى في نيسان عام 1917 في محطة قطار فنلندا في بتروغراد، ثم شرحه بالتفصيل في كراسه الشهير “موضوعات نيسان”، هذه الموضوعات التي اعتبرها جيورجي بليخانوف “ضرباً من الهذيان، وان شروط الثورة الاشتراكية غير متوفرة في روسيا بعد”. ان موضوعات نيسان قد استندت الى استنتاجات لينين الواردة في كتابه “الامبريالية اعلى مراحل الرأسمالية”، التي انطوت على اول بيان صريح عن حرق المراحل، حيث اعتبر لينين ان “الامبريالية هي عشية الثورة الاشتراكية، وهي الرأسمالية المتعفنة، وان الاحتكار يؤدي الى زوال بواعث التقدم التكنولوجي بل واي تقدم؟؟”.
لقد اكد لينين في “موضوعات نيسان” على نضوج قيام الثورة الاشتراكية في روسيا وضرورة الشروع بها. ومن المعلوم ان هذا الشعار لم يدرس او يصوب في قيادة الحزب، ناهيك عن الجمهرة الحزبية، الا عشية تنفيذ الثورة، حيث لم تتم الموافقة على الشروع بالثورة من قبل غالبية اعضاء اللجنة المركزية ومن ضمنهم ستالين، وكامينييف وزينوفييف اللذين كتبا مقالات علنية صريحة حول خطأ الشروع بالثورة. الا ان ف. لينين هدد بالاستقالة من قيادة الحزب في حالة رفض قيادة الحزب لطروحاته وردد جملته الشهيرة “انه لمن المبكر الشروع بالامس، وسنتأخر اذا شرعنا بها غداً”، مما حدا بغالبية اعضاء اللجنة المركزية القبول بطروحات ف. لينين نظراً للمكانة الكاريزماتية التي كان يتمتع بها لينين داخل الحزب وحتى خارجه. ولكن لم يكن لدى الحزب في ذلك الوقت اي تصور او اي مخطط اومشروع لبناء الاشتراكية في روسيا المتخلفة سوى بضع مقالات كتبها لينين بعد انتصار الثورة. ان مقالات لينين حول هذا الامر الجدي لا تتعدى اصابع اليد، ومن يطلع عليها اليوم يرى انها لا تشكل الا بحثاً مبتسراً حول بناء هذا المجتمع البالغ التعقيد. ولقد جرى التراجع عن هذه المقالات والاجراءات لاحقاً وبعد شهور بسبب عدم استجابتها لحاجة تطور البلاد التي كانت تمر بأزمة عميقة. لقد حذر اشتراكيون بارزون روس من خطر اقدام البلاشفة على استلام السلطة ومنهم جيورجي بليخانوف الذي يعد “ابو الماركسية في روسيا”، فقد كتب مقالة في جريدة الوحدة في 28 اكتوبر عام 1917 ؛ اي بعد ايام من انتصار الثورة وبعنوان “رسالة مفتوحة الى عمال بتروغراد” جاء فيها:”انا اشعر بالخيبة لما وقع من احداث في الايام الاخيرة، لا لأنني لا ارغب في انتصار الطبقة العاملة في روسيا، فقد كنت ادعو لها بكل ما أختزن في اعماقي من قوة. لكن علينا ان نستذكر ملاحظة أنجلز التي يقول فيها:(انها لمأساة تأريخية للطبقة العاملة عندما تنتزع السلطة السياسية في وقت ليست مهيأة لها بعد). ان من شأن ذلك ان يلزمها بالتراجع الى الوراء عن المواقع التي احرزتها في شباط وآذار من السنة الحالية. هذا وكان انجلز قد تحدث عن المصير المأساوي لثورة غير ناضجة او قادرة على ضمان سيطرة الطبقة التي تمثلها….إذ يجد المرء نفسه في مأزق، لان ما يجب ان يفعله لا يمكن ان ينجح، وبالتالي فإن الحزب الذي يضع نفسه في موضع كهذا سائر حتماً الى الهلاك”.
تطرح الوثيقة مسألة هامة يتطلب التوقف عندها. فقد ورد في الوثيقة ما يلي:”شاءت الظروف التاريخية ان تقوم اول تجربة لبناء الاشتراكية في بلد نضجت فيه الشروط السياسية من دون ان يمتلك، بسبب من ضعف تطور الرأسمالية فيه، القاعدة المادية المتقدمة التي اعتبرها ماركس شرطاً لانتصار الاشتراكية في بلد من البلدان”. فاذا كان ماركس قد اعتبر ان القاعدة المادية المتقدمة هي الاساس في انتصار الاشتراكية، وهو ما استندت اليه الوثيقة وهو صحيح، فهو جواب كاف لتعليل اسباب الانهيارات. كما ان هذا المقتطف الذي اوردته من الوثيقة يطرح السؤال التالي: كيف يمكن الحديث عن نضج الشروط السياسية، اي البناء الفوقي، في حين تؤكد الوثيقة على ضعف القاعدة المادية؟؟. انها فكرة تتعارض مع ما تطرحه الفلسفة عن ان البناء الفوقي هو انعكاس للقاعدة والتي هي الاساس في تبلور البناء الفوقي. ان الوثيقة تقلب الامور رأساً على عقب، وتجعل من البناء الفوقي هو الاساس وتجعل القاعدة خاضعة للبناء الفوقي، وهو امر يتعارض مع النظرة الفلسفية. بالطبع لا يلغي ذلك التأثير المتبادل الذي يبديه البناء الفوقي على القاعدة في سيرورتها. اعتقد ان محرري الوثيقة ربما ارادوا، عند الاشارة الى نضوج الشروط السياسية، الحديث عن مكانة الحزب البلشفي ورصيده الشعبي الذي تمتع به بعد اعظم ثورة ديمقراطية في القرن العشرين، وهي ثورة الشعب الروسي في شباط عام 1917 والتي تم تجاهلها في الوثيقة. هذه المكانة التي إعتبرت ان العامل السياسي كان ناضجاً، وهي مسألة تحتاج الى توضيح. إن رصيد الحزب البلشفي في الجمعية التأسيسية المنتخبة كان محدوداً بسبب قلة عدد مندوبيه قياساً الى الاحزاب الاخرى ومن ضمنهم المناشفة. وبقيت هذه النسبة متواضعة حتى حل الجمعية التأسيسية بعد ثورة اكتوبر. كما ان عدد مقاعد الحزب في السوفيتات كان اقل بكثير من مقاعد المناشفة والاشتراكيين الثوريين والفوضويين حتى حزيران عام 1917. ولكن ما حصل هو ان غالبية الاحزاب الروسية سواء في الجمعية التأسيسية او في السوفيتات اضافة الى الحكومة المؤقتة الائتلافية رفضت شعار وقف الحرب الذي طرحه البلاشفة، مما ادى الى انتقال العديد من مندوبي السوفيتات لصالح البلاشفة وخاصة مندوبي سوفيتات الجيش والاسطول. كما ان تردد هاتين السلطتين التشريعيتين والحكومة المؤقتة في اعلان اصلاح زراعي يوزع الارض على “الموژيك”، قاد وسطاً من الفلاحين المعدمين نحو البلاشفة الذين غيروا برنامجهم الزراعي، واعلنوا تبنيهم لبرنامج الاشتراكيين الثوريين القاضي بتوزيع الارض على الفلاحين الفقراء وليس تأميم الارض، كما قاموا به بعد ثورة إكتوبر. اضف الى ذلك كان الحزب البلشفي في طليعة من طالب بحق تقرير المصير للقوميات المضطهدة غير الروسية، مما عزز الى حد ما من مكانة الحزب في المناطق القومية. ادى كل ذلك الى جذب اوساط اوسع نحو البلاشفة بسبب رفعه شعار “السلم والخبز” وليس شعار الثورة الاشتراكية، وهو ما أكدته الوثائق التاريخية السوفييتية نفسها. و لم يكن شعار الاشتراكية مطروحاً من قبل الحزب في الاساس، والذي ربما تعتقد الوثيقة انه العامل الذاتي السياسي الناضج. ان شعار السلم والخبز هو سر تعاظم نفوذ البلاشفة في صفوف الجيش والاسطول اضافة الى تعزز مكانته الطبيعية في المحتشدات العمالية او بين الفلاحين الفقراء. لقد شغل البلاشفة اقل من نصف مقاعد المندوبين في السوفيتات، دون ان تتغير مواقعهم المحدودة في الجمعية التأسيسية، ودون ان يحصل على الاغلبية في المؤسستين وحتى في الشارع. الا انه وبعد الثورة خسر حلفاءه الطبيعيين، ما عدا يسار الاشتراكيين الثوريين الذين ابتعدوا وخرجوا من الحكومة بعد فترة قصيرة بعيد الثورة. ويمكن تلمس النتائج السلبية لذلك في الحرب الاهلية التي اندلعت عقب انتصار الثورة.
لقد اصبح لدى الحزب قوة ضاربة في القوات المسلحة وخاصة في الاسطول، وكاد ان يكون هو الحزب المسلح الوحيد المنضبط في البلاد، بل وتحول الحزب من مؤسسة سياسية الى اشبه بفرقة عسكرية. وتمتع الحزب بدعم البروليتاريا في المدن الصناعية الرئيسية اي موسكو وبتروغراد وايفانوفو، هذه البروليتاريا المنظمة ولكنها المحدودة عددياً، والتي لم تشكل في كل روسيا الا بضع عشرات الالاف من العمال، مما مكن الحزب من احداث التغيير في العاصمة بتروغراد وموسكو ثم السيطرة على مناحي البلاد بعد حرب اهلية ضروس.
في المحور الاول تشير الوثيقة الى ما حققته ثورة اكتوبر من منجزات تركت آثارها محلياً وعالمياً. نعم قامت الثورة بتحويل الشعب الامي (95% من السكان اميين) الى شعب متعلم. ونسفت السلطة الجديدة كل اركان العلاقات الاجتماعية البالية من المشاعية الى العبودية والاقطاعية وحتى ما قبل الإقطاعية التي كانت سائدة في اكثرية بقاع روسيا الشاسعة، دون ارساء البديل الملائم. وقد حققت الثورة الكثير من الانجازات على صعيد التنمية الاقتصادية والعناية الصحية. كما ان ما طرحته الثورة من شعار حق تقرير المصير وتطبيقاته كان من العوامل التي أثرت على شعوب العالم المضطهدة وحفزها للمطالبة بتحررها. وكانت شعارات الثورة الداعية الى العدالة الاجتماعية عوناً للطبقة العاملة الاوربية وقوى الاشتراكية لتحقيق عناصر منها في بلدانها، وخاصة اثناء تسلم الاشتراكيين الديمقراطيين السلطة في بعض بلدان القارة الاوربية. ويعود السبب في ذلك الى وجود قاعدة مادية تؤمن تحقيق هذه العناصر. الا ان البلاشفة لم يستطيعوا تحقيق بناء البديل الاشتراكي المنشود في بلادهم. ويمكن القول ان ما تركته الثورة من تراث ايجابي على النطاق العالمي هو اكثر مما حققته من ايجابيات داخل الاتحاد السوفييتي.
وفي اطار هذا المحور تجري الوثيقة مقارنة غير سليمة بين الوضع في ظل الحكم السوفييتي وبين ما جرى من فوضى اجتماعية واقتصادية في السنوات الاولى التي تلت انهيار النظام السوفييتي. لنعترف بصراحة ان اي تحول عاصف في اي مجتمع يرافقه قدر متنوع من الفوضى والركود والنهب ولا حاجة لذكر الامثلة. ولكن اود الاشارة الى آخر مقابلة صحفية على شبكات التلفزة الروسية حيث اشار الرئيس الروسي بوتين فيها الى ان معدل النمو في الاقتصاد الروسي في السنوات الاخيرة قد تراوح بين 6% الى 7% سنوياً، وهو بذلك قد تجاوز معدل النمو في اوربا والولايات المتحدة الذي يتراوح بين 1% الى 3%. كما حصل تحسن ملحوظ في الدخل القومي، حيث أصبحت روسياً أحد الدول التريليونية في الناتج القومي الإجمالي، وتحسن في دخل الفرد الروسي وهو ما يعترف به الجميع، اضافة الى تعاظم سريع في التوظيفات المحلية والاجنبية. وخرجت روسيا من حالة الفوضى والركود والانزواء التي سادت في ايام الرئيس السابق يلتسين. وهو امر كان ينبغي ذكره في الوثيقة للامانة التاريخية. بالطبع لا يمكن اغفال الجوانب السلبية التي رافقت وترافق وستظل ترافق هذا المنهج الاقتصادي الرأسمالي الجاري في روسيا حالياً، وهو شر لا بد منه، وينبغي الكفاح لتشذيب وطأته. إلا أن هذا “الشر” قد فك قيود الرود الإقتصادي والإجتماعي التي كبلت المجتمع السوفييتي خاصة في عقوده الأخيرة وفتحت الريق لإطلاق قوى الأنتاج، ونرى بوادره الآن.
ثم تعرج الوثيقة على اسباب الانهيار، وتدخل في دروب تاريخية متناقضة تشوش القارئ وتجعله في حيرة من اسباب هذا الانهيار، في حين ان الوثيقة نفسها تشير بوضوح في مقدمتها الى ان الظروف الموضوعية كانت غير ناضجة لانتصار الاشتراكية في روسيا، وهذا يكفي لتعليل هذا الإنهيار. كما ان الوثيقة تعود هنا من جديد الى موضوعة “ديكتاتورية البروليتاريا بإعتبارها شكل من اشكال الديمقراطية، الديمقراطية المباشرة”؟؟، في حين ان الحزب الشيوعي العراقي قد تخلى عن هذه الموضوعة في مؤتمراته السابقة. إن هذه الموضوعة هي التي شكلت الاساس الفكري لتصفية مظاهر الديمقراطية في الاتحاد السوفييتي وكانت احد اسباب انهياره. ان النظام السوفييتي قد صفى جميع الاحزاب العمالية والكادحة بما فيها حزب المناشفة وحزب الفلاحين (الاشتراكيون الثوريون) وحزب الفوضويين وغيرها من الاحزاب القومية في الاقاليم وليس احزاب البرجوازية فقط كما اشير في الوثيقة. اعتقد انه قد آن الاوان كي نعيد النظر بخلفية مصطلح “ديكتاتورية البروليتاريا” بشكل صريح وعدم الاكتفاء بحذف هذا المفهوم من وثائق الحزب فقط، حيث ان الوثيقة ما زالت تحن الى هذه الموضوعة. ان جذر موضوعة ديكتاتورية البروليتاريا، التي استخدمت من قبل كارل ماركس بعد انهيار كومونة باريس، تكمن في تعريف ماركس للدولة، الذي اعتبر الدولة ماهي الا ديكتاتورية الطبقة المهيمنة في المجتمع. وتستند هذه الفكرة، ديكتورية البروليتاريا أو لتخفيفها بالديمقراطية التمثيلية، على مركزية الطبقة والموقع الهيمن للبروليتاريا مع التقليل من أشكال البنى الـأخرى. وينطوي هذا البناء السياسي على عدم وجود ترتيب مؤسساتي يلعب دور الوسيط والمحاور مع المجاميع والحركات المعارضة وانعدام نظام المنافسة الحزبية وعدم وجود هيكلية تسمح بتشكيل مجموعات الضغط والاحزاب السياسية المستقلةوبقاء المجتمع المدني مقيداً بهيمنة الحكومة كما حصل لاحقاً في التطبيق.
وكرر هذ التعريف مفكرون آخرون ومنهم ف. لينين في مؤلفه المعروف “الدولة والثورة” قبل ثورة اكتوبر. واذا كان هذا التعريف ينطبق على غالبية او كل الدول في العهود السابقة وبعضها الآن، نظراً للتطابق بين وظائف الدولة والسلطة، الا ان ذلك لا ينطبق على العديد من الدول التي سارت في المراحل اللاحقة بعيداً على طريق الديمقراطية وحقوق الانسان والتمايز بين وظيفة الدولة والسلطة، اضافة الى التجارب التي مرت بها. ان ممثلي الطبقة العاملة، اي الاشتراكيين الديمقراطيين وبدعم من الطبقة العاملة، في غالبية الدول الاوربية الغربية قد استلموا الحكم دون ان يحولوا الحكم دون ان يحولوا الدولة الى ديكتاتورية طبقية، في الوقت الذي انجزوا فيه اصلاحات اجتماعية عميقة لصالح العمال بالدرجة الرئيسية، هذه الاصلاحات التي عارضتها بشدة الاوساط والاحزاب المحافظة الممثلة للرأسمال الكبير. كما ولنا مثل واضح في ولاية كيرالا الهندية التي استلم فيها الشيوعيون الهنود السلطة فيها خلال عقود دون ان يفرضوا ديكتاتورية البروليتاريا؟، علماً ان نظام الولايات في الهند يسمح للولاية باصدار التشريعات الخاصة بها. لقد حول هذا المفهوم للدولة الاشتراكيين الديمقراطيين في الاممية الثالثة، الذين كانوا اول من رفع لواء الديمقراطية وحقوق الانسان وكانوا في طليعة من دافع عنها، الى حكام يقيدون الحريات ويصفًون مظاهر الديمقراطية، بل وارتكبت جرائم وتصفيات واسعة في عهد ستالين وفي الدول التي انهارت فيها الانظمة المشار اليها. و شكل هذا اكبر ضربة معنوية وسياسية للحركة الاشتراكية الديمقراطية ووريثتها الحركة الشيوعية واليسار. وهذا يعد الاخفاق السياسي الاهم للانظمة السياسية في الاتحاد السوفييتي ودول اوربا الشرقية. فقد فشلت في بناء النظام السياسي التقدمي اللائق بالانسان وحماية حقوقه. لقد تم توجيه النقد الى نمط البناء السوفييتي بشكل مبكر وحتى في فترة تصدر لينين لزمام الامور، حيث بادر العديد من الاشتراكيين الديقراطيين وشيوعيين لاحقوين من امثال كاوتسكي ومارتوف وبليخانوف وبوخارين واكسيلرود وروزا لوكسمبورغ وكارل ليبنيخت ثم غرامشي وروي وسلطانزاده الى خطورة هذا الخيار بإعتباره يؤسس لدولة ديكتاتورية، مما اثار ردود فعل شديدة ضدهم. وهناك من فقد من القادة الشيوعيين السوفييت والاجانب حياتهم في حملات التصفية بسبب من نقدهم للنظام السياسي السوفييتي الذي قيد الحريات واشاع نمط الزعامة الفردية وفتح الباب امام المحاكم المريعة ومعسكرات العمل والتصفيات الرهيبة. وتواصل هذا النقد حتى انهيار الدولة السوفييتية بدءاً بمدرسة فرانكفورت الماركسية في الثلاثينيات وانتهاءاً بالشيوعية الاوربية.
وعلى ذكر سياسة “النيب” في الوثيقة، والتي اقترحها ف. لينين بعد فشل “الشيوعية العسكرية”، فإنها تمثل عودة الحزب الى برنامج التحول الديمقراطي قبل ثورة اكتوبر، وهي عودة الى نهج التطور الرأسمالي الذي لم يشمل الفلاحين ولا التجار ولا المنتجين الصغار فحسب، كما جاء في الوثيقة، بل طال حتى السماح بعودة الاستثمارات الاجنبية التي كانت قائمة في العهد القيصري. لقد اعتبر لينين بحق “النيب” بانها فترة ستمتد طويلا ولمراحل لا يمكن تحديدها، وبذلك تراجع عن سياسة القفز على المراحل وحرقها، وتصدى للتيار المتطرف الذي تزعمه تروتسكي والساعي الى حرق المراحل وتجاهل العمليات الموضوعية. الا ان سياسة النيب تعثرت وانتهت بعد وفاة لينين. وكان من الممكن ان يستمر العمل بهذه السياسة عبر بناء الرأسمالية وتطويق سلبياتها الى الحد الممكن، ثم ارساء تدريجي لعناصر واركان الاشتراكية، تماماً كما يفعل الآن الحزب الشيوعي الصيني، وبدون ان ينتهي الحزب الشيوعي السوفييتي الى هذه النهاية المأساوية ودون ان تضيع سنوات من الفرص لبناء البلد. ولكن في جو التطرف الذي طغى على الحزب، أخذ ستالين كلياً بالتنظيرات المتطرفة لغريمه ليون تروتسكي، لتزرع في البلاد كل بذور انهيار النظام لاحقاً، والذي تنبأ به حتى تروتسكي قبل اغتياله في آخر مؤلف له وهو “الثورة المغدورة” في عام 1937. ان سياسة النيب ليست عبارة عن برنامج اقتصادي فحسب، بل هي خطوات سياسية ارادها لينين لتجنيب البلاد العنف والبيروقرطية وتطويقها والتي تصاعدت بشكل مريع، مما دفع لينين الى التعبير عن مخاوفه منها حيث قال:” ستتحول الدولة البروليتارية الى دولة مطليّة باللون الاحمر”.
وتتطرق الوثيقة لاحقاً الى محاولات الاصلاح التي جرت بعد وفاة جوزيف ستالين في بداية الخمسينيات. ولابد من الاشارة في هذا الصدد الى ان اسوأ ما اقامه ستالين في الاتحاد السوفييتي هو نقل السلطة الى يد اجهزة المخابرات والامن والجيش والاسطول والنخبة في الجهاز الحزبي “أپاراچيك”، ووقف هو فوق قمة هذا الهرم. وكانت هذه النخبة تتمتع بالامتيازات في المجتمع وتحصل على الناتج الاضافي فيه. وبدون موافقة هذه الاقطاب اصبح من الصعب اجراء اي اصلاح في النظام. لقد وقفت هذه الاقطاب ضد اي مسعى لاعادة النظر بالمسيرة كلياً. كما يعود ذلك الى ان كل قوى المجتمع المدني قد صفيت او شلت خلال عقود وخفت تأثيرها إذ تحولت النقابات والمنظمات المهنية الى تابع للنخبة الحزبية وفاقدة لاية استقلالية، كما جرى تصفية كل الحركات السياسية، وتم احتكار كل اجهزة الاعلام والمعلومات بيد هذه الفئة الحاكمة التي تتدخل في كل صغيرة وكبيرة وحتى في حياة البشر الشخصية ومعيشتهم.
ان جميع من تصدر عملية الاصلاح في الحزب والدولة لاحقاً هم انفسهم من المساهمين الفعالين في بناء هذا النمط من البناء السياسي غير القادر على اصلاح نفسه بسبب غياب اهم عناصر الديمقراطية الاقتصادية والسياسية في البلاد. كما ان من حاول اجراء بعض الترميمات مثل خروشوف تم الاطاحة به بعملية انقلابية من قبل الثلاثي المتنفذ في الدولة السوفييتية؛ اي القوات المسلحة والمخابرات والجهاز الاداري الحزبي، الذي كان يخشى من ان تؤثر هذه الاصلاحات المحدودة على مواقعه وامتيازاته. ولم تأت المساعي للاصلاح التي اقترحها يوري اندروبوف خارج اطار هذه المساعي “الترقيعية” التي لا تمس جوهر العلة في النظام السوفييتي. فهو حاول معالجة النتائج وليس العلة، فشن حملة ضد الفساد وأجرى تعديلات في الكادر دون ان يسعى الى تغيير هيكلية النظام التي تفتقر الى آلية ديناميكية. ان سد الطرق امام اية مساعي اصلاحية جذرية لا يؤدي الا الى الانهيار والانفجار، وهذا ما يحدث في كل مكان وزمان وهو ما حدث في الاتحاد السوفييتي ودول اوربا الشرقية. ولم يكن ذلك بفعل مبادرات غورباتشوف او ضغوط خارجية كما يحلو للبعض الاشارة اليها والتي تدحضها الوثيقة احياناً وبحق، بل بفعل تفسخ وفساد اركان الدولة بكل مفاصلها، من الحزب الى القوات المسلحة والمخابرات والاجهزة الامنية، وتصاعد حملة المطالبة بالاصلاح على النطاق الشعبي وتحولها الى فعل منظم كان يمكن ان يتلمسه كل من كان يزور الاتحاد السوفييتي ودول اوربا الشرقية في السنوات التي سبقت الانهيار. واقترن ذلك بأزمة اقتصادية وغذائية خانقة على وجه الخصوص، اضافة الى الركود الاقتصادي والخسارة في غالبية المؤسسات عدا صناعة الخمور، هذا الركود والخسائرالتي طالت كل المرافق الاقتصادية بما فيها صناعة الاسلحة التي كانت تجلب العملة الصعبة للبلاد وصناعة النفط التي تدهورت مردوداتها الاقتصادية بفعل تدني الاسعار العالمية، اضافة الى التدهور والتخلف في وسائل الانتاج والمعدات المنتجة للنفط والهدر والنهب والتخريب. وتعرض اهم مرفق لحماية النظام، اي القوات المسلحة، الى ضربة موجعة نتيجة للتدخل في افغانستان مما اضعف هيبة الجيش ومكانته في المجتمع وتأثيره على سير الاحداث واثار التفكك وهبوط المعنويات وعدم استعداد القوات المسلحة للدفاع عن النظام. وتمثل ذلك بشكل واضح في اثناء المحاولة الانقلابية التي قام بها بعض رموز النظام السوفييتي السابق عام 1991 والهادفة الى العودة الى الوراء ووقف السير نحو دمقرطة الحياة السياسية والقيام باصلاح كلي في هيكل النظام، حيث وقفت القوات المسلحة عملياً اما موقف المتفرج ولم تنحاز الى جانب الانقلابيين، او ضد الانقلابيين.
ولعل اكثر محاولات الاصلاح مثارة للنقاش هي المحاولات التي قامت بها قيادة غورباتشوف، والتي تتوقف الوثيقة عندها بإسهاب وبنغمة من الادانة غير المفهومة في دراسة تحليلية. وهنا لابد من مناقشة بعض ما ورد في الوثيقة من معطيات واستنتاجات. فليس من الصحيح القول ان “التفكير السياسي الجديد هو غلاف ايديولوجي قوامه التراجع على الصعيد الدولي”؟؟ كما ورد في الوثيقة. ان التراجع على الصعيد الدولي لم يكن يحتاج الى تفكير جديد ولا قديم. فهذا التراجع للإتحاد السوفييتي كان قائماً وشعر به الجميع قبل طرح موضوعة “التفكير السياسي الجديد”، ونبهت اليه احزاب شيوعية عديدة. ويعود السبب في التراجع بالاساس الى حجم الركود الاقتصادي الخطير في الاتحاد السوفياتي الذي بلغ حداً لا تستطيع فيه الدولة السوفييتية حتى تنفيذ التزاماتها الدولية، ناهيك عن تأمين “اللحوم” لمواطنيها والذي كان مفقوداً في الاسواق. كما تحولت روسيا المصدرة للقمح الى مستورد دائم له من الخارج. ان الاتحاد السوفييتي الذي يملك من الغابات ما يفوق مثيلها في العالم اجمع، الا انه مع ذلك، أخذ يستورد الورق من الخارج. نعم ان الحديث يدور عن بلد هو اغنى بلدان العالم بموارده الطبيعية وثرواته على الاطلاق، وليس عن بنغلاديش. لقد كان هناك الكثير من الصواريخ والقنابل الذرية في ترسانة الاتحاد السوفياتي، ولكن عالم اليوم لا يركن الى هذا العامل العسكري في تحديد مكانة هذه الدولة او تلك على الصعيد الدولي. ان اليابان والمانيا الاتحادية لا يتمتعان الا بإمكانيات عسكرية صغيرة حددتها اتفاقيات بوتسدام واتفاقية انهاء الحرب مع اليابان، الا ان هاتين الدولتين وبفعل تعاظم قدراتهما الاقتصادية تحولتا الى احد العمالقة الثمانية المتحكمة في الوضع السياسي والاقتصادي العالمي. كما ان هناك دول تعد من دول العالم الثالث التي كانت متخلفة، وهي النمور الاسيوية، قد تعاظم دورها السياسي بفعل التطور السريع في اقتصادها الوطني. اذن ان التفكير السياسي الجديد لم يكن السبب في التراجع على النطاق الدولي، ولا هو “العامل المباشر في انهيار النظام وتفكك الاتحاد السوفييتي” كما جاء في الوثيقة. والغريب في هذه الوثيقة وجود العبارة التالية:”ان التفكير السياسي الجديد هللت له القوى المسيطرة في الغرب”!! ثم ماذا؟؟ هل هي محاولة لتبشيع الفكرة اما ماذا؟؟ ان التفكير السياسي الجديد، اكان ايجابيا ام سلبيا من وجهة نظرنا، الا انه حصيلة مناقشات واسعة داخل الحزب السوفييتي، واصبح قراراً نافذا للحزب بعد ان تمت المصادقة عليه في مؤتمرات الحزب قبل ان يتم الترحيب والترويج له من قبل الاوساط النافذة في الغرب. وتستمر الوثيقة في التركيز على التجربة الغورباتشوفية لنقرأ العبارة التالية:”وأسفر ذلك التوجه القائم على تحريض المجتمع ضد الحزب واجهزة السلطة الى حالة من الفوضى….”. ان الفترة الاخيرة المشار اليها من عمر الدولة السوفياتية لم تكن تحتاج الى احد و توجهه كي يحرض المواطنين ضد الحزب واجهزة السلطة. فالركود والقصور والفساد كان كافياً لتحريض الحجر ضد المسؤولين عن الدولة والحزب. وكمثال بسيط على حجم الفساد نشير الى احصائية رسمية صدرت في اواخر عام 1989 تؤكد ان حجم الاموال المتداولة في السوق السوداء قد بلغ 340 مليار روبل، وهو ما يعادل 50% من حجم كل الكتلة النقدية المتداولة في الاتحاد السوفييتي آنذاك. ويشهد على ذلك التذمر في المجتمع الكم الهائل من النشرات السرية” سام إيزدات”؛ اي “النشر الذاتي”، التي كانت تنتشر في كل بقاع الاتحاد السوفييتي، اضافة الى النكات اللاذعة وهي كافية للتعبير عن موقف المواطن السوفييتي الحقيقي من الحكم والحزب نتيجة لقصورهما الجدي ولعزلتهما عن الشعب. وتناقص عدد اعضاء الحزب الشيوعي من 20 مليون الى بضعة مئات من الالاف بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ولم يعد للنقابات التي يقودها الحزب والتي يبلغ عدد اعضائها 37 مليون عضو اي تأثير ناهيك عن الشبيبة والنساء ولا نتحدث عن الطلائع. ان نظرة سريعة الى نتائج الانتخابات التي تجري في روسيا حالياً بين الحين والآخر، تكشف بوضوح عن مكانة الحزب في المجتمع السوفييتي وحجمه السياسي الحقيقي.
ولنعود في هذا الاطار الى ماجاء في مقدمة الوثيقة وهي ان سبب الانهيار موضوعي وليس بفعل “سوپرمان” كما أكدته الوثيقة، ولا بسبب مبادرات غورباتشوف ولا تفكيره الجديد ولا شفافيته. فمبادرات غورباتشوف لم تخرج عن اطار سابقيه مع قليل من الرتوش. ان الفرق يكمن في عمق الازمة العامة التي ورثها غورباتشوف، وخاصة نتائج التدخل العسكري في افغانستان وتبعاته المدمرة، والتي لم تشهد الدولة السوفييتية نظيرا لها منذ تأسيها، اضافة الى ان المواطن السوفييتي لم يعد ذلك المواطن “المدجن”، بل هو أكثر وعياً وثقافة واطلاعاً على ما يجري في عالمنا المعاصر، وأكثر ادراكاُ لمصالحه وكيفية خروج البلاد من ازمتها مقارنة بآبائه واجداده. ولم تخرج محاولات الاصلاح في بلدان اوربا الشرقية ايضاً عن هذا الاطار ولهذا كان نصيبها الفشل ثم انهيار الانظمة في تلك البلدان.
ولا بد لنا هنا من الاشارة الى عملية الاصلاح التي جرت وتجري لحد الآن في الصين، و تناولتها الوثيقة بالتحليل غير الكاف وغير الشامل. ان الاصلاح في الصين يختلف اختلافاً جذرياً عن كل مساعي الاصلاح في الاتحاد السوفييتي نتيجة لعوامل متعددة. فالاصلاح في الصين قد تم بدون فوضى بعد ان انتقلت الفوضى الى رحمة الله مع رحيل الزعيم الكارزمي ماو تسي تونغ الى دار الفناء. ويعود اهم اسباب ذلك الى ان تنظيرات ماو تسي تونغ في فترة الستينيات دفعت البلاد الى حافة المجاعة والكارثة الحقيقية، واصبح المواطن الصيني يتطلع الى من ينقذه من دوامة العبثية الماوية ويتشبث بالقشة ليحصل على قوته. اضف الى ذلك فإن ماو تسي تونغ قد دخل في خصام مع كل اركان الدولة الصينية بأستثناء مجاميع من الشباب المتحمس الذي ليس له اي عمل سوى رفع كتاب ماو الاحمر والتجول في الريف والمدن للاساءة الى كل من لا يهتف معهم لصالح الزعيم. وهكذا جرت معاقبة الآلاف من قادة الحزب الشيوعي الصيني وكوادره وقادة القوات المسلحة الى حد القتل والسجن ناهيك عن الاهانات. كما تم تدمير هيكل الجيش الشعبي الصيني والمؤسسات الامنية وهي العمود الفقري للنظام، وتم ملاحقة رجال العلم والثقافة والمؤسسات التعليمية والكوادر النقابية والمهنية بحجة تجاهلهم او مخالفتهم لتعاليم ماو او لميولهم البرجوازية!!. وهكذا انعزل التيار الماوي في المجتمع ولم يبق الا تراثه الكارزمي الذي تطاير مع وفاة ماو تسي تونغ. عندها تسنى للزعيم الجديد دينغ تسياو بينغ، الذي كان احد قادة الحزب ورئيس اللجنة العسكرية في الحزب قبل ابعاده، الى لمّ القوى العسكرية والحزبية بسهولة وشرع بأبعاد فلول ماو ومحاكمتهم، وبذلك استطاع اعادة الهدوء الى البلاد، ثم تمكنه من الشروع بإصلاحات تعد من معجزات التطور الاقتصادي والتنمية السريعة التي لم تشهدها اي من المجتمعات البشرية في مثل هذه الفترة القصيرة بدون اية مقاومة تذكر كالتي حدثت في الاتحاد السوفييتي.
وبغض النظر عن التسميات التي يبرع في اطلاقها الصينيون على هذه الاصلاحات، تارة “اشتراكية السوق” او”حياد التكنولوجيا” و”السوق والانفتاح” او “السوق الاشتراكي” او “شعب واحد بنظامين مختلفين”، وهي جميعها ليست باصطلاحات اقتصادية علمية، بل هدفها سياسي ربما للتستر على الجوهر الحقيقي للاصلاحات وتفادي قول الحقيقة، فإن عملية الاصلاح التي يقودها الحزب الشيوعي الصيني هي بناء الرأسمالية في الصين كحل وحيد للتنمية وتوفير الشروط المادية بعد ذلك لبناء مجتمع العدل والاشتراكية. ان حقيقة ما يجري الآن هو ان حزباً شيوعياً وهو الحزب الشيوعي الصيني يقود ولاول مرة في التاريخ عملية بناء الرأسمالية، هذه المرحلة التي لا يمكن تجاوزها، من اجل الوصول الى الاشتراكية. ومهما قيل عن “اشتراكية السوق” او “نظامين في دولة واحدة” وغيره، فما هي الا تلاعب لفظي وتمويه سياسي غير واقعي. ان الحزب الشيوعي نفسه بدأ يتغير بحيث يتسنى اليوم للرأسماليين ورجال الاعمال الانضمام الى الحزب، وهو ما سيترك آثاراً سياسياً على الحزب نفسه، حيث ان هؤلاء ليسوا بباعة مفرد او عطارين بل كبار الرأسماليين ورجال الاعمال. كما ان مئات المليارات التي وظفتها الشركات المتعددة الجنسيات في الصين اضافة الى المليارات من رساميل الصينيين من خارج الحدود والرساميل الخاصة الداخلية التي تنامت بشكل سريع لابد وانها تؤسس لنظام رأسمالي. هذا التوجه الذي يجري بسرعة مدهشة لا بد وان يفرز المزيد من القوى الجديدة التي تطالب باصلاح سياسي قائم على تعدد الاحزاب والليبرالية السياسية عاجلا ام آجلاً كنتيجة منطقية للاصلاح الرأسمالي الجاري في البلاد.
وما كان لهذا الاصلاح ان يتم الا نتيجة لظاهرة العولمة وبدعم وعون من الدول الرأسمالية الكبرى. فالصين في بداية عملية الاصلاح لم يتوفر لديها في خزينة الدولة اي “قرش” كي يوظف في عملية الاصلاح ودفع عجلة التنمية. وبفعل هذا الدعم حصلت الصين على اهم عاملين في تقدمها وهما: الرساميل الهائلة التي بلغت مئات المليارات من الدولارات التي وظفت في فروع حديثة جديدة في البلاد، واعلى اشكال التكنولوجيا وخاصة الالكترونية و تكنولوجيا منظومة المعلومات وصناعة المكائن والمعدات، وفتح اسواق هذه البلدان على مصراعيها لاستقبال الصناعات الصينية الرخيصة الثمن. وهذ هو سر ذلك النجاح الذي بلغته الصين الذي بدونه لم يكن بإمكان الصين ان تتبوأ المكان الثالث في العالم في حجم الناتج القومي الاجمالي ، والدولة الثانية في حجم انتاج السيارات هذا العام بعد ان تجاوزت اليابان في مجموع ما انتجته من السيارات عام 2006. ولا مجال للحديث في هذا المجال المحدود عن الفروع الصناعية الاخرى التي تغزو منتجاتها كل اسواق العالم، وما ادت هذه الطفرة من احداث تحولات اجتماعية عميقة في الصين.
لنأتي الى الاستنتاجات التي تطرحها الوثيقة. ان الاستنتاجات الواردة في الوثيقة هي حمالة اوجه يمكن ان تفسر بتفسيرات متناقضة. كان من الاجدر ان يتم تفادي التكرار والتبريرات في اسباب انهيار تجربة البناء الاشتراكي في هذه البلدان والتركيز بشكل مختصر على الاسباب، وهي موجودة ولكنها مشوشة في الاستنتاجات التي تعرضها الوثيقة. ان اهم الاستنتاجات باعتقادي هي التالية:
اولاً: أعتقد انه مازال مبدأ تعاقب التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية الذي طرحه كارل ماركس والذي تم تجاهله لاحقاً يحتفظ بصحته وحيويته. فمن غير الممكن تجاوز اية مرحلة من مراحل تطور المجتمع. ولهذا، وفي المرحلة الراهنة، لابد للمجتمعات الانسانية ان تمر في التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الرأسمالية الى ان تستنفذ هذه التشكيلة دورها التاريخي. ولابد ان يجري اعادة دراسة الجوانب المعرفية لماركس بالدقة الاكاديمية، والبحث فيما هو سليم وما هو خاطئ في هذه المنظومة المعرفية. كما ينبغي التخلي عن التفسيرات المبسطة لافكار ماركس والتي وصلت الى حد الابتذال بعد رحيله. وقد كان مايكل هارينغتن الاشتراكي البريطاني ومؤلف كتاب “الاشتراكية ماضي ومستقبل”، محقاً عندما قال:”ان كارل ماركس كان ثورياً وديمقراطياً واشتراكياً، الا ان منهجه قد جرى تحويله الى كاريكاتور، والى حد التفاهة سواء من قبل من يسمون بالماركسيين او من قبل خصوم الماركسية”. نعم لقد جرى تحويل هذه المعارف الى مجرد تعاويذ لا اكثر وفقدت جوهرها المنطقي الجدلي على يد هؤلاء.
وكان على الوثيقة، عند عرضها للاراء المختلفة حول ذلك، ان تحدد موقف الحزب واضحاً الى جانب الرأي الثاني الوارد في الوثيقة والذي ينص على الآتي:”أما الاتجاه الثاني فيتخذ موقفاً نقدياً جذرياً من الأنظمة (الاشتراكية) السابقة وينزع عنها صفة الشيوعية ويقدم فهماً وتصوراً مختلفين كلياً للشيوعية ولطريق بلوغها من خلال مفهوم تجاوز الرأسمالية. وخلاصة هذا المفهوم أن الشيوعية تنبثق من أحشاء الرأسمالية عن طريق تجاوز جميع أشكال الاستغلال والهيمنة والاستلاب المفروضة على الفرد والمجتمع في ظل العلاقات الرأسمالية. فالنضال في هذه الحالة لا يتركز على هدف الظفر بالسلطة السياسية والشروع ببناء الاشتراكية على أساس القضاء على العلاقات الرأسمالية، وإنما على العمل المتواصل ضد منطق الرأسمال والربح في جميع ميادين النشاط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي لإزاحته وإحلال منطق بديل يضع مصلحة الإنسان في المقدمة بدلاً من الربح. ويتحقق ذلك عبر صراع مثابر من اجل تحقيق مكاسب وإنجازات اجتماعية واقتصادية تقدمية متزايدة للشغيلة، وتوسيع مديات الديمقراطية وتطبيقات حقوق الإنسان. وتستثنى من ذلك إمكانية تخطي الرأسمالية في بلد لم تتطور فيه الرأسمالية كتشكيلة اجتماعية– اقتصادية سائد”.
ثانياً: ان كل تشكيلة جديدة تراكم عناصرها في رحم التشكيلة القديمة موضوعياً. ولكن دور العامل الذاتي يكمن في رعاية وتعزيز التراكم التدريجي الارتقائي لعناصر التشكيلة الجديدة وليس خلقها او نفيها، وصولا الى استقرارها بمختلف الطرق والوسائل. ولا يمكن للتشكيلة الاجتماعية الاقتصادية القديمة ان تنهار بانقلاب او ثورة الا بعد ان تستنفد دورها التاريخي ومبررات وجودها وديمومتها، وهذه هي تجربة كل التشكيلات السابقة. كما لا يمكن ان تنزاح التشكيلة الرأسمالية الا بعد ان تدخل في ازمة لا مخرج منها خاصة في انتاجية العمل وفي علاقات الانتاج، وعندها تنتفي مبررات استمرارها، ويتم الانتقال بأشكال واساليب يصعب تحديدها حسب المكان والزمان.
ثالثاً: لا اعتقد انه بالأمكان وصف الانظمة في الاتحاد السوفياتي او في دول اوربا الشرقية بأنها انظمة اشتراكية. “فالتجربة هي محك الحقيقة” كما تؤكد المقولة الفلسفية، وقد فشلت هذه الانظمة في بناء النموذج الاشتراكي. ولو كانت هذه الانظمة اشتراكية لتفوقت على الدول الرأسمالية في كل جوانب الحياة وخاصة في انتاجية العمل، التي اعتبرها لينين “من اهم شروط الانتصار على الرأسمالية”، وفي وفرة الانتاج وفي التقدم العلمي والتكنولوجي اضافة الى بناء سياسي ديمقراطي ارقى واكثر ديمومة واستقراراً من النظام السياسي الديمقراطي البرجوازي، ولا تنهار بهذه الطريقة الدرامية ومن خلال المظاهرات السلمية. وفي كل هذه الحالات لم تتمتع الانظمة التي قامت في هذه البلدان بهذه الخصائص على الرغم مما انجزته من اصلاحات غير قليلة في مجتمعاتها. وفي هذا المجال ينبغي التأكيد على ان انهيار الانظمة في بلدان اوربا الشرقية لا يضفي صفة الديمومة والاستقرار الابدية على الانظمة الرأسمالية او تجاهل الازمات التي كان بعضها من الخطورة بحيث اصابت البلدان الرأسمالية بالركود لفترة كأزمة عام 1929. الا ان هذه الازمات لم تؤد الى انهيارها. واستطاعت الرأسمالية ان تجدد نفسها ولكن الى حين. ويورد الشيوعي المصري المرحوم الدكتور فؤاد مرسي في مؤلفه الهام “الرأسمالية تجدد نفسها”، والذي اصدرته سلسلة دار المعرفة الكويتية في الثمانينيات، شرحاً وافياً ومستدلاً يغني القارئ بالعديد من الامثلة والمعطيات الاكاديمية المقنعة حول أفاق تطور التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الرأسمالية وحالها الراهن.
رابعاً: ان كل العوامل السلبية التي واجهت النظام السوفييتي مثل الحرب الاهلية والحرب العالمية الثانية والمساعدات السوفييتية الى الدول الاخرى على فداحتها وحجمها، والتي توردها الوثيقة بين الحين والآخر، لا يمكنها ان تشكل الا دوراً ثانوياً في فشل عملية بناء المجتمع الجديد. كما ان مثل هذه العوامل لم تواجه دولا اخرى في اوربا الشرقية كجيكوسوفاكيا وألمانيا الديمقراطية على سبيل المثال، الا انها هي الاخرى لم تستطع بناء المجتمع المنشود وفشلت وانهار النظام فيها.
ان حسن النية والاحلام النبيلة والدعوات الصادقة لبناء مجتمع عادل خال من الاستغلال والظلم السياسي والاجتماعي، وعلى مر التاريخ، هي غير كافية لوحدها اذا لم تقترن بوجود ظروف موضوعية وبنظرة واقعية ودراسة علمية الى الواقع الملموس بعيداً عن ذرائع التمسك بالمُثل او التعصب لها كي يتم تغييرالمجتمع لصالح كل بني البشر. لقد اخفق الكثير من المفكرين والاصلاحيين في تحقيق هذه الاهداف سواء في تاريخنا او في التاريخ الانساني. إن لمثل هذه الاخفاقات دروس وعبر رغم مرارتها، وهي كما يصفها المفكر الروسي الكبير لوناچيرسكي قائلاً: “ان الشخصيات النبيلة في التاريخ، غالباً ما تلقى مصرعها في الاشتباك مع الواقع؛ لا لأنها لا تستوعبه، بل لانها لا تريد ان تتنازل عن مثلها العليا التي تعتبر عصية على التحقيق في الظروف المعطاة”.
والآن نتحول الى المحور الثاني من الوثيقة. ويغطي هذا المحور آفاق تطور الاوضاع ومصائر الاشتراكية، والعناصر النظرية للمشروع الاشتراكي، الموقف من الدولة، العولمة الرأسمالية والدولة، الملكية العامة لوسائل الانتاج، الخطة والسوق، الصراع الطبقي، واقع بلادنا وتعاملها مع الظاهرة، الديمقراطية طريقنا الى الاشتراكية وقضايا اخرى. وجاء تناول كل هذه القضايا اما على شكل أسئلة ولكن بدون اجوبة، او كان تناولاً مبتسراً من بضعة سطور لا يغني ولا يقنع القارئ او المتتبع لطروحات الحزب ولا يشبعه، علماً ان الوثيقة كانت موفقة في تناول في بعض القضايا مثل مسألة الصراع الطبقي. ان كل هذه القضايا الجدية تحتاج الى سلسلة من الكونفرنسات العلمية والندوات لمتخصصين ونخب ولفترات طويلة كي تعالج جوانب من هذه القضايا التي تشغل بال المفكرين في العالم اليوم، اضافة الى انها تشكل احد المواضيع التي تبحث على الدوام في الجامعات المرموقة في العالم ومراكز البحوث. وحبذا لو يسعى الحزب رغم امكانياته المتواضعة الى انشاء معهد للبحوث والدراسات لتناول هذه المواضيع والتعاون مع مراكز بحوث عالمية او حتى الجامعات في العراق او خارج العراق، وبذلك سيقدم خدمة كبرى للعلم والتجربة .
ان هذه القضايا البالغة التعقيد والنخبوية لا يمكن البت بها من قبل مندوبي اي من الاحزاب الاشتراكية الى مؤتمراتها. فالتجربة تشير الى ان اي من البحوث في قضية جدية على مر تاريخ هذه الحركة لم تطرح على اي من المؤتمرات الحزبية في اي بلد من بلدان العالم، بل يمكن الاستفادة من استنتاجات محددة لهذه البحوث. فكل مؤلفات ماركس وانجلز ولينين وغيرهم وبحوثهم لم تطرح للمناقشة في المؤتمرات الحزبية من اجل الموافقة عليها، بما فيها احياناً بعض استنتاجاتهم. ولذا لا يمكن ولا يتسع المجال لمندوبي المؤتمر الوطني الثامن القادم للحزب ان يبتوا بهذه الطروحات الجدية، حيث سينغمر المؤتمر في بحث الامور الملحة التي تواجه البلاد.
والى جانب ذلك فأن بعض هذه الموضوعات، مثل مصائر الاشتراكية قد تناولها المحور الاول، ولا داعي لتكرارها. كما ان هناك قضايا اخرى قد بت بها الحزب خلال العقدين الماضيين واصبحت في عداد الوثائق البرنامجية للحزب مثل “الديمقراطية طريقنا الى الاشتراكية”. اما موضوعة “الاشتراكية والديمقراطية” فهي مقتبسة من كتاب “الاشتراكية لعصر شكاك” من تأليف رالف ميلبلاند، والاقتباس ليس عيباً ولكن كان من الضروري الاشارة الى المصدر في مثل هذا البحث. ولم يطرح البند الخاص بـ “العناصر النظرية للمشروع الاشتراكي” اي توجهات نظرية في هذا الباب، واكتفى ببضع سطور لا تتناول القضية الاساسية، وهذا نقص واضح.
لقد جاءت بعض هذه الطروحات في الوثيقة مبتسرة ولم تستند الى خلفية من البحوث والدراسات كما يبدو. لنأخذ على سبيل المثال القسم الخاص بـ “العولمة الرأسمالية والدولة”. وكانت بعض العبارات عصية على الفهم وبمصطلحات غير مسبوقة للقارئ وصياغة صعبة وبعضها خاطئة كما يبدو لي. فعلى سبيل المثال ما جاء:” ويفترض منطق العولمة الرأسمالية اضفاء اولوية على مقتضيات الادارة المعولمة للنشاط الاقتصادي على حساب وظائف الدولة الوطنية”؟؟، او ” تقود العولمة الى تـآكل قدرة الدولة القومية محلياً، والى اعادة صياغة دورها وليس الغائه كما يروج لذلك الخطاب الايديولوجي المسيطر”… فما معنى هذا التعارض بين التآكل او الالغاء؟؟. كما ولا نعلم ماهو المقصود بوظائف الدولة الوطنية. كما نقرأ الجملة التالية:”وبعبارة ابسط فان خطاب العولمة الجديد يستند على الليبرالية المناوئة للسياسة”؟ او “ان مفهوم العولمة قد تبلور لتوصيف وتعيين تخوم الظاهرات الفالتة من سيطرة الوحدة الكلاسيكية، الدولة القومية..” او ” الى جانب ذلك ، يؤدي فعل قانون التطور المتفاوت الذي يحكم عملية الانتاج الرأسمالية الى تلازم عولمة الحياة الاقتصادية مع ازدياد التفاوت في التطور الاقتصادي والسياسي محلياً وعالمياً..” ..الخ. كما ان الوثيقة لم تشرالى اي عامل ايجابي في ظاهرة العولمة، في حين قد اشير في مشروع البرنامج الجديد للحزب الى ان لهذه الظاهرة جانبان سلبي وايجابي. فكيف سيستطيع عضو الحزب او القارئ اتخاذ الموقف بين هذين الوجهين المتناقضين للظاهرة. ينبغي ازالة الارباك في العبارات والتقييمات كي يتحلى البحث بالانسجام المطلوب.
ولكن هناك كلمة ينبغي ان تقال عن العولمة في خضم المناوشات والنقاشات حولها. إن إصطلاح العولمة لم يبرز الى النور الا في عام 1962. ولم يلفت هذا الإصطلاح إهتمام احد الا في السنوات الأخيرة التي تلت إنهيار الإتحاد السوفييتي. إن هذه الظاهرة ما هي الا امتداد طبيعي للتطور الرأسمالي وتمركزه وتشكل الاحتكارات الرأسمالية المتعددة الجنسيات. وقد تنبأ مفكرون عديدون بها ومنذ وقت مبكر. فقد اشار كاوتسكي في مطلع القرن العشرين الى انه:”ليس من المستحيل، من وجهة النظر الاقتصادية الصرف، ان تدخل الرأسمالية مرحلة جديدة، مرحلة الامبريالية العليا…مرحلة اتحاد الدول الامبريالية في العالم بأسره… مرحلة انتهاء الحروب في ظل الرأسمالية، مرحلة استثمار العالم من قبل الرأسمال المالي الممتد على النظاق العالمي”. ان هذه الظاهرة لم تتكون في نهاية القرن العشرين، كما تشير الوثيقة. فالاتحاد الاوربي، قد تشكل قبل ذاك، والذي هو مظهر من مظاهر العولمة، وتغلغل الرساميل وانتشارها في بلدان مختلفة والذي ازداد في الربع الاخير من القرن العشرين هو الاخر مظهر من مظاهر العولمة. ان الرأسمال البريطاني يتجول في الولايات المتحدة، كما يتجول الرأسمال الياباني ويوظف في الولايات المتحدة اضافة الى الرأسمال الصيني في الآونة الاخيرة. ويمكن رصد الراسمال الالماني في صناعة السيارات في القارة الاوربية. وتتحول الهند الى طرف مؤثر في ظاهرة العولمة وخاصة في ميدان تكنولوجيا المعلومات، كما تجد الرأسمال الكويتي يكرس نشاطاته في بعض فروع الخدمات البحرية في الولايات المتحدة. هذا التداخل والانتشار للرساميل، رغم ان حصة الاسد تعود للولايات المتحدة بسبب قدراتها الاقتصادية، قد ضمن مسألة سياسية هامة هو اضمحلال مرحلة الحروب الامبريالية العالمية على مصادر المواد الاولية والاسواق التي جرت العالم الى حربين عالميتين مدمرتين في النصف الاول من القرن العشرين. وهي نقطة ايجابية لم تذكرها الوثيقة لصالح العولمة مثلاً. ولم يكن بالامكان ان تتطور بلدان النمور الاسيوية ولا ان تحدث “القفزة الكبرى” في الصين بدون قرار وتوجه من اقطاب العولمة. كما لم يكن بالامكان تصور حدوث تلك التنمية السريعة في بلدان الخليج وحتى في بلدان رئيسية في امريكا اللاتينية وايضاً بمعزل عن قرار من مجموعة السبعة المتحكمة في الاقتصاد العالمي. بالطبع علينا ان لا نتصور ان ذلك جاء “كمكرمة” من هذه الدول بقدر ما جاء نتيجة لحرية حركة الرأسمال وتهاوي الحدود القومية، إضافة الى ضغوط اقتصادية ملحة على هذه الدول اضافة الى ضغوط سياسية. ان القلق حول ان “عهد الدولة القومية قد ولى..الخ” الذي ورد في الوثيقة، ليس هناك مايبرره. فالعالم يتجه الى التقارب، والدول تتداخل وحتى ترفع بينها الحواجز وتتوحد عملتها. ولنا في الاتحاد الاوربي والبرلمان الاوربي خير مثال حيث يتدخل هذا البرلمان ويفرض على الدول الوطنية الكثير من القوانين التي تؤمن حقوق المواطن سياسياً واجتماعياً، ويلعب اليسار دوراً نشطاً في البرلمان الاوربي لصالح توجهات تقدمية. بالطبع دون ان “تتآكل قدرة الدولة القومية اقليمياً” كما جاء في الوثيقة. كما ان مجموعة السبعة، وخاصة الاوربية، تضغط على الولايات المتحدة كي تتخذ العديد من الاجراءات المفيدة وتفشل احيانا او تنجح في لجم اندفاعات الادارة الامريكية. ويمكن ان تصبح العولمة، اذا ما تم النضال الدائب ضد جوانبها السلبية، الى وسيلة فعالة لحل ما تبقى من النزاعات المدمرة التي تحدث في مناطق مختلفة من العالم وانتشال الدول الفقيرة من دوامة الفقر عن طريق الضغط المستمر على الدول ذات النفوذ الاكبر في نظام العولمة. وهذه ليست امنيات بل خطوات عملية نراها كل يوم في البلدان الرأسمالية، اضافة الى نشاط بعض الدول النامية الفعال في هذا الاتجاه.
كما ان ما يلفت الانتباه في الوثيقة هو طرح موضوع الموقف من الدولة. وهو موضوع مثار نقاش جدي ومنذ قرون ولحد الآن. الا ان المهم هنا هو ان الوثيقة تقع في تناقض بينها وبين تخلي الحزب عن ديكتاتورية البروليتاريا وحذفها في البرنامج الذي اقره المؤتمر الخامس في عام 1993، وبين التعريف التقليدي للدولة بإعتبارها “جهاز خاص مكرس للعنف والقسر …وهي آلة تستخدمها الطبقة الاقوى لصيانة سيادتها على الطبقات الاخرى..الخ”، كما جاء في الوثيقة. اذن ان هذه الوثيقة لا تلغي هذا التعريف للدولة، بل تنتقد التطبيق فقط، وتشير الى ما يلي: “لعل النقص الجوهري في دولة ديكتاتورية البروليتاريا التي اقيمت في الاتحاد السوفييتي السابق يكمن في فشلها في التخلص تماماً من طبيعتها الاستثنائية..الخ”. وهذ يعني ان المبدأ مقبول ضمناً. إذن لماذا جرى حذف هذا المبدأ الذي كان موجوداً في برامج الحزب السابقة ووثائقه حتى عام 1993؛ اي البرنامجين الذين تم المصادقة عليهما في مؤتمرين للحزب هما الثاني والثالث، عدا البرنامج الاول الذي لم يتضمن عبارة ديكتاتورية البروليتاريا؟ وهل ان قبول الوثيقة بهذا المبدأ ضمنياً لا يتعارض مع مسودة وثيقتي البرنامج والنظام الداخلي المطروحتين على نفس المؤتمر الثامن القادم والتي تلغي موضوعة ديكتاتورية البروليتاريا؟. وعن اية طبيعة استثنائية لديكتاتورية البروليتاريا تتحدث الوثيقة، في حين انها ترتبط “بمرحلة تاريخية كاملة تفصل الرأسمالية عن المجتمع اللاطبقي، عن الشيوعية”، على حد تعبير لينين في مؤلفه “الدولة والثورة”. لقد تم الاشارة الى موضوعة الدولة في مناقشة المحور الاول ويمكن الرجوع اليه. ولكن تقع الوثيقة في خلط غير مبرر عندما يتم تطابق بين الدولة state ككيان دولتي له حدود وشعب وحكومة واحزاب ومعارضة وموالاة ورأي عام ومؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية في الدول الحديثة، وبين السلطة أوالحكومة او الحكم power التي قد لا تكون منتخبة ومفروضة على الشعب، او قد تنتخب من قبل الرأي العام في الدولة العصرية ويمكن ان لا يتطابقان. يمكن ان يحدث هذا التطابق في ظل الدول المحرومة من المؤسسات المنتخبة وعندها تصبح الدولة هي السلطة، او تصبح الدولة هي الحاكم، بل وتصبح الدولة مرتبطة بأسم شخص مثل عراق صدام او سورية الاسد او مصر مبارك او ليبيا القذافي. الا ان ذاك لا يشمل الدول العصرية القائمة على المؤسسات المنتخبة والديمقراطية بالطبع، حيث لا توجد دولة بأسماء من يتولى حكومتها. ان ما تعرضه الوثيقة من تفسير للدولة يتعارض كلياً ويتناقض مع ما تقترحه الوثيقة نفسها في باب “الديمقراطية طريقنا الى بناء الاشتراكية”.
وفي القسم الخاص بـ”الحامل الاجتماعي للاشتراكية”، ينبغي ان تتناول الوثيقة التطورات والاصطفافات التي حدثت داخل الطبقة العاملة خاصة في النصف الاخير من القرن العشرين، والتي ادت الى تقلص القاعدة الاجتماعية للبروليتاريا والتي استندت اليها احزاب شيوعية جماهيرية كالحزب الشيوعي الايطالي والفرنسي. وهناك العديد من الدراسات الجدية التي تناولت هذا التغيير في الطبقة العاملة التي تحولت الى فروع هامة من فروع الانتاج المادي، خاصة تلك المرتبطة بصناعة تكنولوجيا المعلومات الى”regulator”؛اي “منظم”، دون ان يلغي بالطبع “العمل المأجور”. هذه الاصطفافات الجديدة في جمهرة العمل المأجور بالارتباط مع التطور التقني السريع الذي طرأ على ادوات الانتاج، افرز عدداً من الظواهر محلياً وعالمياً. ففي البلدان المتطورة قلصت فرص العمل بالنسبة للعمل المأجور المرتبط بالتكنولوجيا السابقة، وانتشرت البطالة في صفوف هؤلاء العمال بما تعنيه من ضمن ما تعنيه من تعاظم الحركات الهامشية والفوضوية داخل صفوف العاطلين وشبه العاطلين عن العمل. وفي هذا الاطار ينبغي تقييم حذر لبعض من يقوم بالاحتجاج على العولمة او استخدام التكنولوجيا المتطورة بشكل سريع في الانتاج المادي. اما على نطاق الدول الضعيفة التطور، فقد انتقلت الصناعة ذات التكنولوجية المتوسطة الى هذه البلدان لتوفر فرص جديدة للعمل. ولذا ينبغي ان نركز في تحليلنا لظاهرة الاحتجاج التي شرحتها الوثيقة ضد العولمة من زوايا عديدة، ومعرفة طبيعة القوى الاجتماعية التي تتصدى وتدين هذه العملية الموضوعية دون ان نتضامن معها كلياً. فهناك في حركات الاحتجاج حركات فوضوية ولها جذور اجتماعية هامشية. كما يشارك في هذه الاحتجاجات مجموعات دينية متعصبة وقومية متطرفة وعبثية، وهو امر حدث في التاريخ عندما كان يندفع العمال الى تشكيل الحركات الفوضوية العبثية لتدمير وسائل الانتاج، او تندفع شرائح اخرى لا تستوعب ما يجري من تقدم كما هو الحال في الحركات الدينية المتطرفة في بلداننا والتي ترى العودة الى “التراث والاصول” وترفض التقدم التكنولوجي والعلمي الجاري بقوة في العالم والذي يزعزع كل تصوراتها البالية. ولذا ينبغي اتخاذ جانب الحذر في تزكية الاحتجاجات التي تجري ضد العولمة اوغيرها والتي تم الاشارة اليها في الوثيقة، حيث يتطلب الفرز وتحديد القوى الاجتماعية التي تقف الى جانب التقدم الاجتماعي، والوقوف الى جانب قوى الحداثة وليس الى جانب قوى الردة فيها.
ويحتل المحور الثالث اهمية استثنائية لانه يمس نشاط الحزب في داخل البلاد بشكل رئيسي، ويخاطب الرأي العام العراقي لكسبه الى جانب مشروعه وهو محور وجود الحزب ونشاطه. ان الاقسام الثلاثة لهذا المحور يحتاج الى اصدار دراسة مستقلة سواء في جوهر توجه الحزب الديمقراطي، الذي يحتاج الى الدقة وانتشال التناقضات الموجودة في نواحي اخرى في الوثيقة، او في مسيرة التجديد تاريخياً والتي اعتمدها الحزب ومازال يسير عليه منذ المؤتمر الخامس. ويحتاج المحور الثالث الى الاغناء والتدقيق كي يتحول الى منهج لعمل الشيوعيين في المستقبل.
ولكن في البند الثالث الخاص بـ”بعض القضايا التي تحتاج الى نقاش”، تورد الوثيقة بعض محاور للنقاش ببضع سطور وكلمات اضافة الى طرحها بعض الاسئلة. ان السؤال الاول الذي تطرحه الوثيقة هو:”مدى مشروعية الدعوة الى نظام حكم ديمقراطي الى جانب الدعوة الى تعزيز القطاع العام وجعله قطاعاً رئيسياً في الاقتصاد الوطني”. في البدء لابد ان يزال الالتباس الناتج من عدم توحيد المصطلح الذي يتكرر في وثائق الحزب تارة بالقطاع العام او قطاع الدولة او رأسمالية الدولة. فلم يكن لدينا قطاع عام في عهد صدام بل قطاع صدام وبحق، او رأسمالية الدولة. كما ان وجود قطاع عام فعلي يشرف عليه الشعب لا يتعارض مع اقامة حكم ديمقراطي. فالقطاع العام موجود في كل الديمقراطيات الغربية واليابان بإستثاء الولايات المتحدة التي تمتلك الدولة البريد فقط. واذا ماقام قطاع عام يشرف عليه الشعب عبر مؤسساته المنتخبة فهو لا يعرقل تطبيق الديمقراطية. كما انه ليس من الضروري النص وبشكل قسري على ان يكون القطاع العام هو القطاع الرئيسي في البلاد. فهذا يخضع للعديد من العوامل، ولذا يجري بين الحين والاخرالتراجع عن ذلك في هذا البلد اوذاك بسبب عدم ربحيته، دون ان نتجاهل ضغط اليمين من اجل تصفية القطاع العام كما حدث في عهد مارغريت ثاتشر في بريطانيا وجرت البلاد الى الازمة المعروفة التي اطاحت بها. اما السؤال الثاني الذي تطرحه الوثيقة وهو:”مدى امكانية تحقيق الاشتراكية في بلد يتسم بضعف تطوره الرأسمالي”، وهو ما أجابت عليه الوثيقة في صفحتها الاولى بالسلب. وبقدر ما يتعلق الامر بالسؤال الثالث؛ أي:”مدى امكانية تحقيق الاشتراكية في بلد واحد في ظل العولمة المهيمنة عالمياًً”، وهو سؤال يحتاج الى زمن يقارب زمن وموعد انهيار التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية واستنفاذ دورها التاريخي، محلياً اوعالمياً.
ان هذا التناول لا يغطي كل ما جاء في الوثيقة، بل اهمها، نظراً لتشعب وسعة ما تناولته الوثيقة من قضايا حساسة. عسى ان تسهم هذه المداخلة في النقاش الجاري حول كل الوثائق خدمة لمساعي الحزب لبناء بلدنا العزيز والخروج من هذا النفق المظلم الذي وضع فيه.

* اطلع العزيز جاسم الحلوائي على هذه المطالعة، وابدى مشكوراً العديد من الملاحظات والتدقيقات والاضافات المفيدة.
** قدمت هذه الملاحظات على مسودة الوثيقة وقبل شهرين من إنعقاد المؤتمر الوطني الثامن للحزب الشيوعي العراقي، اي في آذار عام 2007. وهي كما هو واضح تعالج مسودة الوثيقة وليس الوثيقة النهائية التي أقرها المؤتمر الوطني الثامن المنعقد في 10-13 أيار 2007. إن السبب في النشر هو أن الوثيقة النهائية تكاد لا تختلف في إتجهاتها عن المسودة الأولى. ولكننا سنأتي على مناقشة الوثيقة النهائية في بحث لاحق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *