الرئيسية » مقالات » مؤتمر المثقفين العراقيين في عمان : محاولة لمقاربة حقيقته واحتمالاته (1 – 2 )

مؤتمر المثقفين العراقيين في عمان : محاولة لمقاربة حقيقته واحتمالاته (1 – 2 )

الآن وبعد أن انتهى المثقفون العراقيون من مؤتمرهم في عمان وشكلوا مجلسهم (المجلس العراقي للثقافة) وعادوا إلى العراق أو إلى بيوتهم في منافيهم المتجددة في كل مكان في العالم ، تظل ثمة أسئلة عالقة في مكان انعقاد المؤتمر لا تبارحه دون إجابة شافية!
لا بد من الإقرار إن كل شك وكل سؤال وكل نقد وجه للمؤتمر هو حق مشروع وضروري وينم عن مدى شعور هؤلاء المثقفين المنتقدين بالمسؤولية إزاء ثقافتهم، مثلما ينم عن أهمية هذا المؤتمر وما خلق من أصداء وما أثار من مخاوف وآمال!
ولكن من المؤسف أن بعض المنتقدين ارتضوا لأنفسهم لغة البذاءة، و إن أحدهم وهو الشاعر سعدي يوسف قد بلغ به الإسفاف أنه وظف نفسه مخبراً لدى الإرهابيين فراح يحثهم على قتل من شارك في هذا المؤتمر عارفاً أن هؤلاء المثقفين سوف لا يلاحقونه قانونياً بتهمة التحريض على القتل، مقدرين إنه قد بلغ أرذل العمر وقد أنهك عقله الكحول والخرف وتفاقمت خيبته بنفسه!
أهم الأسئلة حملها المشاركون في المؤتمر، ولا يقلل من خطورتها أن معظمها ينطلق من مفاهيم ما يسمى بنظرية المؤامرة،وهاجس أن لا بد وراء هذا المؤتمر جهة دولية مستفيدة، أو إنها تهدف من وراءه لغايات سياسية خطيرة! ولا غرابة في هكذا مخاوف، فجو العراق وما حوله ملبد بالمؤامرات والدسائس والكوارث،والأمطار كلها دخان وأشلاء وغبار وعقارب ،فلم لا يشك الناس بالكلمات، ومن يصنع الكلمات؟
ثمة ظاهرة برزت في هذه الأيام وهي تنبه كثير من السياسيين والأحزاب أو الأغنياء ومؤسساتهم للمثقفين، فثمة مهرجانات تقام لهم، وثمة توجهات لانتظامهم في تجمعات هنا أو هناك. وهي يمكن أن تكون دليل اقتراب السياسي من فهم ناضج لضرورة الثقافة ودور المثقفين في تشكيل مزاج الناس، أو الـتأثير على عقولهم و ضمائرهم، خاصة بعد أن أفلست الكثير من المشاريع السياسية وتساقطت أقنعة الكثير من السياسيين. لكنها من الناحية الأخرى قد توحي بفهم خاطئ وسيئ جداً للثقافة على أنها حسناء يتيمة يمكن أن تباع وتشترى في سوق النخاسة!
كان كثير من المثقفين مع ثقتهم بمن دعاهم، يتساءلون همساً أو جهاراً حول حقيقة هذا المؤتمر وطبيعته وأهدافه، وكيف إنهم إذا تأكدوا من نظافته أو سلامته جعلوه مشروع بناء وعطاء! فهم ما جاءوا للمتعة ، والمثقف بطبعه باحث لجوج عن الحقيقة والعمل، مثلما هو باحث عن الجمال والانسجام والعدل. معظمهم غادر إلى المطار حال انتهاء أعمال المؤتمر، وبعضهم لم يخرج من الفندق ليتجول في شارع من شوارع عمان،لقد قطعوا المسافات من وراء البحار أو الصحارى من أجل نفس القضية التي تشردوا لها في أرجاء العالم ، وأبقت البعض الآخر في الوطن تحت كابوس الدكتاتورية!
كان إبراهيم الزبيدي قد أعلن من منصة المؤتمر إنه قد أعد لهذا المؤتمر وموله ونفذه حباً بالثقافة والمثقفين وإيماناً منه بدورهم الهام في إنقاذ العراق من محنته الراهنة، والمساهمة في بنائه. ولكن بعض المشاركين كان ما أن يختلي به حتى يعيد السؤال عليه عن جهة التمويل وبصيغ مختلفة عله يحظى بإجابة خاصة قد تتدخل الحميمية فيها فتجعله يفتح حقيبته وبخرج أوراقاً أخرى! وقد وجهت إليه نفس السؤال ، ليس فقط من منطلق الصداقة الحميمة بل في محاولة إشراك قارئ مقالتي بتفحص كلماته تاركاً له بالطبع أن يقبلها أو يرفضها : سألت الزبيدي :هل أخذت أموالاً من الCIA لإقامة هذا المؤتمر ؟ ضحك كعادته في استقبال الاستفزاز : قال هل ال CIA وحدها لديها دولارات ؟ أنا أيضاً لدي دولارات كثيرة ، وهذا ليس سراً، ثم هل CIA بهذه الدرجة من السذاجة لتستدرج كل هذا الجمع الكبير من المثقفين والمبدعين وتستغفلهم ولا تنكشف؟ وإذا افتضح الأمر وهكذا أمر لا بد أن ينكشف فتكون نتيجته ضدها طبعاً لا معها ،والأمريكيون رأسماليون لا يصرفون سنتاً واحداً دون التأكد من جدواه!
ثم هل إن أمريكا تحتاج لهذا المؤتمر وهي التي عقدت مؤتمرات سياسية واقتصادية كبرى آخرها مؤتمر شرم الشيخ وما تزال قضاياها تعرج ولا تسير على قدمين! ولك أن تنظر إلى مقررات المؤتمر وتوصياته وكلها تدين ضمناً أو صراحة الممارسة الأمريكية في العراق، وتدعوا إلي جلاء القوات الأمريكية والمتحالفة معها منه. كيف تدفع أمريكا أموالاً لمن يدينونها ويطالبون برحيلها ؟ لقد كلفنا المؤتمر حوالي 120 ألف دولار، وقد تحملتها فهي لا تشكل سوى نسبة يسيرة مما أملك، وهي تشبع في روحي رغبة عميقة في أن أجمع زملائي المثقفين وأحظى بلقاءات جميلة ومفيدة معهم، ثم هي خدمة مني لوطني. هل يريد هؤلاء أن يحولوا بيني وبين خدمة وطني في جعل المال لخدمة المثقفين بينما كثيرون يسخرون المال و(المال العام) بالذات في خدمة السياسيين،ومشاريعهم الفاشلة ولا أحد يرفع عقيرته ضدهم كما رفعوها ضدنا، ومع ذلك يظل الأمر كما يقول رجال القانون (البينة على من ادعى واليمين على من أنكر ) ،فإذا كان هؤلاء الذين يشتموننا ويحرضون علينا يدعون أنهم مثقفون فعليهم أن يسندوا ادعاءاتهم بالبينات والبراهين! وإطلاق الأحكام جزافاً لا ينم عن ثقافة أو جدارة بالانتماء لعالم المثقفين! مضى الزبيدي بين الضيوف مواصلاً متابعته لراحتهم. تراءى لي طيف العويس رجل المال الإماراتي الذي رحل عن هذه الدنيا وبقي ماله الكثير مصدر ذكر طيب له بين المثقفين والناس عموماً ،ترى لم لا نفرح حين يظهر عراقي مثل العويس بيننا؟ لم لا نفترض حسن النية أولاً، وإذا تكشف العكس يكون آنذاك لكل حادث حديث كما يقال؟ أم إن حمى هدم النفس والغير مكتوبة على العراقيين كحمى الملاريا في أفريقياً!
ثمة حكاية أخرى انطلقت داخل المؤتمر تقول إن تمويل هذا المؤتمر ليس من CIA، هذا أصبح واضحاً ،الحقيقة أن المؤتمر كله هو مؤامرة من إبراهيم الزبيدي ومهدي الحافظ بهدف تكوين تنظيم ثقافي سياسي يسند مهدي الحافظ في طموحه الكبير في أن يصير رئيساً للوزراء وسيكافئ الزبيدي بجعله وزيراً للثقافة! مروجو هذه التهمة أو الإشاعة يضيفون بقوة كأن هذا برهاناً : أن الحافظ يحاول تقليد سعيد سعدي في الجزائر الذي يقرن أسم حزبه أو تجمعه السياسي بالثقافة ليأخذ لنفسه مسحة التحضر والتجديد، ثم انظروا للنظام الداخلي لهذا التجمع إنه أقرب إلى نظام لحزب سياسي من اتحاد ثقافي!
التقيت الدكتور مهدي الحافظ ،عندما دعانا الدكتور على شبو أحد الأعضاء المؤسسين للمجلس للعشاء في بيته. وفي زاوية هادئة طرحت عليه هذه الاتهامات والأقاويل وطلبت منه أن يجيبني عليها بصراحة! كان معنا الدكتور فاروق رضاعة الذي شارك في الحديث متسائلاً أو معلقاً. كان الحافظ متأنياً في إجابته 🙁 لقد كنت أنا آخر من علم في الإعداد لهذا المؤتمر، وقد اقترح علي الأخوة المؤسسون أن أتعاون معم، ولم يكن في بالهم أو بالي أية نوايا سياسية أو مطامح شخصية،على العكس كان توجههم وتوجهي أيضاً أن ننقذ الجو الثقافي من أية تأثيرات ضارة ونجعله نقياً يساعد في خلق رؤية فكرية أو إنسانية عامة واضحة في هذا الظرف العصيب. ومع ذلك لقد اعتذرت أكثر من مرة عن المشاركة فيه، فأنا لدي مشاغلي في البرلمان وأعمل في بغداد مع تجمع ثقافي ومعهد دراسات يصدر مجلة تحوي في كل عدد على بحوث هامة ومؤثرة، وهي مقروءة على نطاق واسع، ونأمل منها تكوين رأي عام حضاري تنبثق من داخله قناعات سياسية صحيحة وجدية لا أن تفرض على الواقع سياسات أو شخصيات سياسية باسم الثقافة! أخطر شيء أن يحاول السياسي تحويل الثقافة أو المثقفين إلى لعبة سياسية. أمام إصرارهم على إشراكي في العمل معهم، لم أجد مناصاً من الامتثال لثقتهم ونبلهم، وقد أعلمتهم أنني سأكون مشغولاً بعملي في البرلمان ولجانه وشئوني السياسية الكثيرة، وقد لا أستطيع متابعة كل صغيرة وكبيرة في عمل المجلس. وقد جرى الاتفاق على أن أكون مشاركاً فعالاً وأساسياً في صياغة توجهاته الرئيسية ،وأترك التفاصيل لاجتهاد الزملاء العاملين في اللجان القيادية، ومع ذلك فأنا ساكون مسؤولاً أمام زملائي وأمام الناس عن مسار ونشاط هذا المجلس مادمت قد ارتضيت في النهاية تسلم قيادته مع الأخوة الآخرين! كن على ثقة، لا وجود لهذه المزاعم إلا في رؤوس أصحابها، وسيكشف مستقبل عملنا الحقائق، ويذيب الأوهام!
قد تكون إجابة الحافظ مقنعة لي وللدكتور رضاعة وآخرين ولكنها بالتأكيد كأي حالة عراقية ستبقى محل تشكيك وريب من آخرين أيضاً! ذلك حق طبيعي ومطلوب،في العهود السابقة كان محرماً ومحظوراً مناقشة السياسيين في توجهاتهم أو تدخلاتهم في عالم المثقفين ، القاعدة السائدة أن المثقف هو موضع الشك، وهو موضع المساءلة، فإذا دخلنا في جو يتيح مساءلة المثقف للسياسيين والمسؤولين وتبادل الحوار الصريح نكون قد اقتربنا من صنع واقع جديد في بلادنا! وربما كنا سنناله أو نشيده متكاملاً لولا الخراب العام الذي أحد أسبابه دعاة الوطنية الجوفاء الضالعة مع الإرهاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *