الرئيسية » مقالات » نص مذكرة الدكتور مهدي الحافظ الى البرلمان العراقي

نص مذكرة الدكتور مهدي الحافظ الى البرلمان العراقي

بغداد
3/6/2007

د. مهدي الحافظ
عضو مجلس النواب


سيادة رئيس مجلس النواب المحترم
تحية طيبة , وبعد …


يسرني أن أقدم لسيادتكم والسادة أعضاء مجلس النواب المذكرة المرفقة ,

والمتضمنة مجموعة من الآراء والتقديرات بشأن المأزق الراهن الذي تعيشه البلاد

وكيفية التغلب عليه , راجياً السماح بتوزيعها على الأعضاء وإتاحة الفرصة لمناقشتها

في المجلس .

مع التقدير والاعتزاز


د. مهدي الحافظ
عضو مجلس النواب


آراء للمناقشة
سبل الخروج من المأزق الراهن للبلاد

يتعرض البلد إلى أزمات حادة ومتلاحقة في جميع المجالات. ولعل أخطرها وأشدها وطأة تلك المتمثلة في التدهور المريع في الوضع الأمني وغياب الاستقرار والانقطاع بل التوقف الطويل والمرهق في الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء والوقود. وهي مصاعب عسيرة لم تعد خافية على أحد وباتت تهدد الحياة العامة والخاصة للمواطنين وتنذر بمزيد من المتاعب والمعاناة.
أن السبب المباشر لهذه الحالة المأساوية، هو اشتداد موجة الإرهاب والعنف والنشاطات المناهضة للوضع الجديد التي تغذيها وتنفذها جهات عديدة داخلية وخارجية، فضلا” عن اقترانها بتناحر طائفي دموي بغيض وتدخل إقليمي بات يشكل عاملا” مباشرا” في خلق الأزمات الداخلية وتأجيجها.
ومع هذا، فان جذر المعضلة والعجز عن معالجتها يكمن في أزمة الحكم وشلل الدولة وأجهزتها وقصورها عن النهوض بمسؤولياتها ووظائفها بصورة طبيعية تكفل حماية المجتمع والموارد العامة وممتلكات الدولة والمواطنين، وتؤمن سيادة النظام والقانون وردع الشبكات الإرهابية والإجرامية والضالعة بالفساد. ويترتب على ذلك التأكيد على أن المعالجة الأسلم والأكثر واقعية لأزمة الحكم في الظروف الراهنة يجدر أن تتم في أطار تطوير العملية السياسية وترشيد مؤسساتها وان تستهدف تحقيق الغايات الوطنية والديمقراطية المعبرة عن المصالح المشتركة للشعب بجميع فئاته , وفي مقدمتها استعادة وترسيخ الوحدة الوطنية ومكافحة الممارسات الطائفية , واحترام حقوق الإنسان .
لقد مر أكثر من عام على تشكيل الحكومة الحالية وانتخاب مجلس النواب القائم, وتوفرت خلال هذه الفترة معطيات ودلالات مهمة بالنسبة للأداء الحكومي والنيابي (البرلماني), وهي تستدعي المراجعة والتقويم واستخلاص النتائج الضرورية التي تساعد على الخروج من المأزق السياسي الراهن ومعالجة الأزمات والمصاعب التي يكتوي بها المجتمع بجميع فئاته وطوائفه.
فالحكومة الراهنة (التشكيل الوزاري) تسمى اليوم بحكومة الوحدة الوطنية ويفترض بهذه التسمية أن تكون معبرة عن وحدة حقيقية على صعيد العمل والسياسات بين الأطراف المشتركة فيها، الا أن التجربة الماضية والحالية تفيد بعكس ذلك ونقصد بذلك وجود تناقض أو تعارض كبير بين الرغبة المشتركة المعلنة في تبني سياسات وبرامج سليمة، وبين الالتزام بها، فضلا” عن غياب الأدوات والوسائل والضمانات الضرورية لتنفيذها وترجمتها في الواقع العملي.
ان فكرة قيام حكومة الوحدة الوطنية فكرة طيبة وتعكس الحاجة لتجميع وتعزيز الجهود الوطنية في اطار رسمي وعملي موحد, وهي هدف رفيع ينشده المجتمع لتوفير أسباب القوة وحشد الطاقات الوطنية بوجه المخاطر المحتملة، غير أن الصيغة الراهنة لحكومة الوحدة الوطنية القائمة لا تعكس هذه الحقيقة بل تجسد غطاءا” خادعا” لما هو نقيض لفكرة العمل المشترك والأهداف الموحدة. فتجربة السنة الماضية من صيغة الحكم هذه قد أبانت الكثير من التناقضات وأكدت على احتدام الصراع بين الأطراف السياسية المشتركة فيها بحيث لم يعد هنالك سلطة موحدة بل مراكز عديدة للسلطة المركزية، بالإضافة الى شيوع حالة من التسيب والفوضى في ممارسة الحكم في المحافظات. ولعل الخطاب السياسي والأعلامي لبعض القوائم يعكس موقفا مزدوجا ويشير الكثير من المفارقات التي لا تبرر استمرار مشاركتها في الحكومة, بل أن الواقع يثير الى ما هو أسوأ من ذلك بانتقال هذا الصراع بين الأطراف المشتركة في الحكم الى الشارع واتخاذه شكلا” دمويا” وطائفيا” مقيتا” بواسطة تنظيمات وميليشيات مسلحة تابعة لها .
ان الصيغة المعتمدة للتشكيل الحكومي والقائمة على المحاصصة الطائفية والحزبية الضيقة واعتماد نطرية ” التوازن بين المكونات ” , هذه قد حملت منذ اليوم الأول أسباب الشلل والعجز عن تأدية مهماتها، اذ أنها تعتمد نظام عمل غريب لا يوفر تحديد سليم للمسؤوليات ويتيح احتمالات الشلل في الأداء الوزاري المشترك، فلا رئيس الوزراء يمكنه أن يمارس سلطاته وفق صلاحياته المألوفة في البلدان الأخرى، ولا التشكيل الوزاري يستطيع أن يعمل بحرية الا عبر التوافق القسري في اتخاذ القرارات. فما أكثر الحالات التي تؤكد قصور الحكومة ورئيسها عن ممارسة مسؤولياتها كما يقتضي الحال. وهي تشكل سببا رئيسيا لشيوع ظاهرة توزع الولاءات داخل الأجهزة التنفيذية والأمنية واختراقها من جانب قوى مسلحة غير رسمية.
ويستخلص من ذلك أن الإصرار على التمسك بصيغة الوحدة الوطنية لم ولن يكون أمرا مبررا” وعمليا” بسبب التناقضات الموجودة بين الأطراف السياسية, وكان ينبغي أن تتشكل حكومة ائتلافية ممثلة لأغلبية برلمانية من شأنها أن توفر مستلزمات ممارسة السلطة بشكل صحيح وحازم، من خلال تفعيل دور الدولة ومؤسساتها ضمن انضباط وولاء وظيفي واحد وصارم, وهذا لن يضير الممارسة الديمقراطية بأي سوء، إذ يمكن للأقلية أن تدخل حلبة الصراع الديمقراطي من موقع المعارضة البرلمانية. فالمنافسة من خلال البرامج والسياسات والأداء السليم هي شرط حيوي للممارسة الديمقراطية الصحيحة، وهذا ما افتقدناه ونفتقده بالإصرار على تشكيل حكومة وحدة وطنية بصورة قسرية ومحكومة بشروط تعطيلها. لذا فأن المصلحة تقتضي أن يعاد النظر بهذه الصيغة واعتماد بديل عنها متمثلاً بحكومة أغلبية ائتلافية متماسكة وخاضعة للضوابط الدستورية كما يقتضيه النظام البرلماني الصحيح, وأهمها الألتزام بمبدأ تداول السلطة بصورة سلمية وديمقراطية . ويكون بمقدور هذه الحكومة عند ذاك ان تقوم باستعادة هيبة الدولة ووحدة أجهزتها التنفيذية والأمنية والتصدي لشبكات الارهاب والعنف الطائفي والتدخل الخارجي , وان تعمل على تعزيز الوحدة الوطنية والتكافل الأجتماعي , أما إذا تعذر عليها الإيفاء بهذه الالتزامات وبرنامجها الرسمي , فتخضع آنذاك للمسائلة البرلمانية واحتمال فقدان الثقة من جانب مجلس النواب , والتوجه لتأليف حكومة جديدة.
أما الاداء النيابي (البرلماني) خلال السنة المنصرمة، فقد أسفر عن حصيلة مريرة ومخيبة للآمال. فبسبب النظام الانتخابي الخاطيء القائم على (القوائم المغلقة) جاء تركيب مجلس النواب حاملا” لكثير من مظاهر الخلل في تأدية العضو البرلماني لواجباته ومسؤولياته. فالى جانب معايير الكفاءة والجدارة الواجب توفرها تحولت الممارسة البرلمانية الى ممارسة شكلية وخاضعة لالتزامات ثقيلة تفرضها قيادات الكتل والقوائم، بل أصبح العمل البرلماني مختزلا” الى توافقات فوقية بين عدد محدود من قيادات القوائم البرلمانية المختلفة، وهي حالة يندر أن يكون لها مثيلا” في برلمانات العالم الأخرى وكانت سببا” في قصور مجلس النواب الحالي عن القيام بواجباته الرقابية بشكل صحيح فضلا” عن الضعف الملحوظ في أدائه التشريعي، وبذلك حرمت البلاد من وجود سلطة تشريعية ضامنة لحقوق الموطنين والمجتمع بوجه عام, هذه المؤسسة المفترض أن تكون الأساس والمرجع في تشكيل السلطة التنفيذية والسلطات الأخرى والحامية للممارسة الديمقراطية على جميع الأصعدة.
ويستخلص من هذه التجربة المؤلمة ضرورة العمل على اعتماد قانون انتخابي عصري جديد بديلا” عن القانون الحالي للقوائم المغلقة يكفل للمواطنين إمكانية الاختيار الصحيح للنائب وفق المعايير السليمة في النظم البرلمانية الصحيحة. كما يتطلب الأمر ضرورة التوجه لمعالجة القصور الحاصل في عمل مجلس النواب الحالي والدعوة إلى انتخابات نيابية جديدة في نهاية هذا العام.
والواقع، يتعين أيضا” التوقف عند الدور المقلق لقوات الاحتلال في العراق، والتي أسهمت في خلق المأزق السياسي الراهن والأزمات المتلاحقة. فهناك الكثير مما يستدعي ضبط العلاقة مع هذه الجهات على أسس سليمة وتنظيمها وفق اتفاقية أمنية تكفل المصالح الوطنية. فالتجربة الماضية قد أبانت العديد من الحسابات والممارسات الخاطئة للقوات الأجنبية نتيجة لقراءة خاطئة للواقع العراقي وخصائصه والتي انعكست في العجز عن توفير الأسباب الضامنة لأمن البلاد واستقرارها، وفسحت المجال للتناحرات الطائفية وتعطيل دور الدولة وإضعاف هيبتها.
ان مواجهة التحديات الراهنة والتغلب على الأزمات التي تواجه البلاد تستلزم دون شك تفهما” وتعاونا” حقيقيين وجديين من جميع الأطراف السياسية داخل الحكم وخارجه والعمل سوية مع منظمات المجتمع المدني والأوساط المختلفة للرأي العام العراقي لإجراء المراجعة الموضوعية والجريئة لتجربة الحكم والأداء البرلماني ومعالجة العلاقة مع الجهات الأجنبية على نحو يحقق الخروج من المحنة الراهنة والتمهيد لصنع مستقبل جديد آمن ومستقر ورغيد لبلادنا.


3/6/2007
الدكتور مهدي الحافظ
عضو مجلس النواب