الرئيسية » التاريخ » الجغرافيا ولغة الكورد

الجغرافيا ولغة الكورد

يصل عدد الكورد اليوم إلى حوالي 40 مليون نسمة يعيشون في خمس دول وهي تركيا ويعيش فيها حوالي 20مليون كوردي، وإيران 9 مليون، والعراق 6 ملايين، وسوريا حوالي مليون ونصف، وأذربيجان أقل من مليون.ويشكل المسلمون 98% من الشعب في الأجزاء المقسمة الخمسة، مع وجود أقليات دينية مثل النصارى والايزيدية ، وهم متمسكون وملتزمون بإسلامهم ويعتبرونه جزءا أصيلاً وركنا اساسيا من كيانهم، وتقع في أرض كوردستان أشهر الجبال في منطقة الشرق الأوسط ( سلسلة جبال زاكروس و أرارات ) و الأنهار الثلاثة الكبيرة الشهيرة ( نهر الفرات والدجلة ونهر اراس ) الذي يصب في بحر ( قزوين ) إضافة إلى أنهار فرعية وروافد مثل الزاب الكبير والزاب الصغير وبحيرة أرومية وبحيرات أخرى كثيرة.وتملك أرض كوردستان ثروة زراعية هائلة بجانب ثروة الذهب الأسود ( النفط) خاصة في (كركوك وخانقين ) العراق، و(سعرت) في تركيا، و(شاه آباد) في إيران و(رميلان) في سوريا. ونعم الله كثيرة على هذا الشعب – ولم يستفد منها إلى الآن- فالسهول الخصبة والمياه الوفيرة والأراضي الزراعية المهيأة جعلت كوردستان من المناطق الزراعية التي يمكنها الاعتماد على نفسها في كل أساسيات الحياة بل وتمد جيرانها بالمحاصيل الضرورية مثل الحنطة والشعير والرز، إضافة إلى الحبوب والفواكه والخضراوات المختلفة، إضافة إلى المعادن والمواد الخام الضرورية للتقدم العمراني والتكنولوجي. عرف الكورد بأنه من أجمل الناس خلقا وخلقا, وأنه فارس الشرق, وأنه أشد الناس بأسا, وأكثرهم تمسكا بالدين, وان بلاده كوردستان كانت بلاد الثغور وهي اليوم العمود الفقري للشرق الأوسط, وكان الكورد سيوف الإسلام طيلة التاريخ.أما اللغة الكوردية فهي لغة الخطابة والكتابة، وتأثرت باللغات (العربية والفارسية والتركية)، لكنها حافظت على أصولها وتركيباتها اللغوية رغم اختلاف اللهجات بسبب الفواصل الطبيعية الجبال الشاهقة، وهذا الاختلاف في اللهجات تطعم اللغة وتزيد من مدلولات كلماتها، وهذا التباين حقيقة قرآنية، أشار إليها القرآن في قصة ذي القرنين بقوله (حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولا) [ سورة الكهف / 93 ] أي لا يفقه غيرهم كلامهم، أو لا يعرفون غير لغة أنفسهم، أو لا تكاد تعرف لغتهم إلا بصعوبة..

واللغة الكوردية أصبحت ذات لهجات متنوعة، باعتبار عاملين رئيسيين:
(1)العامل الجغرافي : طبيعة المناطق الكوردية، ذات جبال وهضبات كثيرة، بحيث يصعب الانتقال بين أطرافها، فأدت إلى نشوء هذه اللهجات مع الالتزام بالأصول الكلية للغة الكوردية.
(2) العامل السياسي: عدم وجود كيان مستقل للكورد بحيث يجمع شملهم ويوحد لهجاتهم أو عدم وجود الحرية في مناطقها حتى من التحدث باللغة الكوردية، وفي بعض الأجزاء كان الكوردي يعاقب إذا تكلم باللغة الكوردية.
وتكتب الكوردية بالحروف العربية في كل من (العراق وإيران وسوريا)، وباللاتينية في تركيا، وبالسلافية في أرمينيا وأذربيجان، وبجهود المثقفين في الأجزاء وخاصة في الجزء العراقي تم عملية التقارب بين اللهجات، والآن في كوردستان العراق اللغة الرسمية في الدوائر الحكومية والجامعات هي اللغة الكوردية مع وجود عشرات المحطات والقنوات التلفزيونية للأحزاب باللغة الكوردية، ومئات الصحف والمجلات، وقنوات فضائية بهذه اللغة. وهذا الإسهاب حول اللغة الكوردية هو من اجل أن تنقشع غيمة الجهل عن اللغة الكوردية.
ونختم القول بأن الكوردية كسائر أخواتها من اللغات العالمية آية من آيات الله، ودلالة على عظمته، فقد قال عز من قائل : (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعالمين) [سورة الروم / 22].
الكورد ما بعد التقسيم:
جرت الخلافة الإسلامية إلى الحرب العالمية الأولى، فانتصرت القوات المستعمرة بعد أن مهدت الطريق لهذا الانتصار بتأجيج نار القومية في الخلافة الإسلامية فظهرت دعاة القومية الطورانية والعربية وهكذا، ولم يفكر الكورد بهذه النعرة والعصبية الذميمة التي تفرق بين أبناء الدين الواحد والتاريخ الواحد، فبعد نشوب الحرب العالمية الأولى خلال سنوات 1914 ـ 1918 تم الاتفاق بين حكومتي (بريطانيا العظمى) –الدولة التي لا تغيب عنها الشمس- وفرنسا على تقسيم تركة الدولة المريضة الخلافة الإسلامية بين الدولتين في حال انتصارهما وتم التوقيع على هذا الاتفاق المشؤوم سنة 1916 وسمي باتفاق (سايكس- بيكو) باسم وزيري خارجية بريطانيا وفرنسا.بعد أن وضعت الحرب أوزارها في 11/11/1918 وانتصر التحالف بدأوا بتوزيع ثمار النصر بينهم على حسب المعاهدة فتم تمزيق العالم الإسلامي من ضمنها كوردستان قسمت على خمس دول (تركيا وإيران والعراق وسوريا وروسيا)، بعد معاهدة “لوزان” في 24 تموز / يوليو عام 1923 لأسباب كثيرة منها حقدهم الدفين والتاريخي ضد هذا الشعب الشجاع وانتقاما لهم ضد ما فعله صلاح الدين بهم في حطين، وعلى عدم خضوعهم للمستعمرين فإنهم ثاروا ضد المستعمر بكل قوة وألحقوا بهم هزائم متكررة، وبعد إلغاء الخلافة الإسلامية سنة 1924 ثار الكورد بقيادة الشيخ سعيد بيران عام 1925 لإرجاع الخلافة الإسلامية وثورة الجنرال إحسان نوري باشا عام 1927-1930، وثورة درسيم 1937 وثورة ملك محمود ضد البريطانيين، وثورات البارزانية، حدثت كل هذه الثورات ضد المحتل والظالم ومن أجل أن يكون للكورد حق الحياة على أرضه، وحصل كل هذا للكورد على مرأى ومسمع العالم الذي وعد الكورد بكيان مستقل يجمعهم على غرار القوميات الأخرى وذلك حسب بنود (61-62-63) من معاهدة (سيفر) التي قطعها الحلفاء على أنفسهم، ولكنهم تنصلوا من هذه البنود وحذفوها لأسباب في غاية التعقيد والخفاء، بهذا دخل الكورد في فترة من أحلك الفترات التاريخية أي تحت سلطان الظلمة من العرب والترك والفرس والروس الذين حرموا هذا الشعب من حقوقه الطبيعية.ففي كوردستان تركيا حرم عليهم ما أحله الله لهم . لغتهم الأصلية وزيهم الشعبي وكافة الحقوق الأخرى، وعدّ التحدث باللغة الكوردية جريمة يعاقب عليها، وسمي الكورد بأتراك الجبال، وفي بعض الأحيان حرموا من الخدمات الصحية وحق التعليم، وهذا موجود إلى الآن في الدولة التي تدعي العلمانية والديمقراطية ولكن تضطهد شعبها بالأشكال الوحشية وقد ذكر أحد الشيوخ الأفاضل بأنه قرأ يافطات كتبت باللغة التركية في المناطق الكوردية منها (كن تركيا تكن سعيدا) وهذه مخالفة واضحة للمنهج الإلهي الإسلامي الذي لا يربط السعادة والشقاء بالقومية، والمفهوم المخالف المكاني لمثل هذه الأقوال المكتوبة هو (إذا كنت كرديا فأنت شقي ) ولم يتغير حال هذا الشعب المسكين في هذا الجزء من كوردستان إلى أحسن رغم التغيرات الكثيرة في العالم والمنطقة ولا نعرف سر هذا، فالدول الأوروبية على علم بهذا، وأمريكا تدعي معرفة كل صغيرة وكبيرة في العالم فلماذا الصمت؟ وإلى متى؟ أما آن لهذا الشعب أن يتنفس مثل الشعوب الأخرى ويتمتع بالخصائص والمميزات التي خصه الله بها.وفي كوردستان إيران لم يكن الوضع أحسن حالاً، فعلى مر التاريخ اضطهد الكورد، ومورس ضدهم التطهير المذهبي ومحاولات لتغيير المذهب من السنة إلى الشيعة، إذ أن الغالبية العظمى من الكورد سنة شافعيين بنسبة أكثر من 95%، وحاولت الحكومات الإيرانية جاهدة إجهاض أية بارقة أمل للكورد فأغاروا على جمهورية مهاباد الكوردية في إيران وقضوا عليها في سنة 1947، ووضعوا أيدهم في أيدي النظام البعثي العراقي أيام الشاه محمد البهلوي لوأد الحركة التحررية الكوردية، وذلك عام 1974 وسميت باتفاقية جزائر المشؤومة التي أدت إلى القضاء على الوجود الكوردي وثورته التي أوشكت على أن تحصل على بعض أهدافها. أما في سوريا فإلى الآن يطالبون بمعاملتهم كالشعب السوري، ومنحهم الجنسية ، والحرية لتشكيل الهيئات والمنظمات لأجل الحفاظ على هذا التراث الكوردي و اللغة الكوردية، وظهر من بينهم عشرات من الأساتذة الكبار أمثال الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي يخدمون الإسلام وبلدهم .أما في العراق فالمصيبة أعظم، فالحكومات المتعاقبة لم تعط الشعب كامل الحرية، واشتد الخناق على الكورد في العراق بعدما تقلد حزب البعث زمام الحكم في البلاد فشرع في تنفيذ مخطط ثالوثي ضد الكورد (التعريب والتبعيث والتهجير)، فبدأ بالتغير الديموغرافي في المناطق الكوردية خاصة في مدينتي كركوك والموصل، يهجر الكورد إلى الجنوب في حين يسكن مكانهم الإخوة العرب، ومارس النظام ضد الكورد أبشع الجرائم من القتل الجماعي الجينوسايد ، وضرب مدينة حلبجة بالغاز الكيماوي المعروف بفاجعة حلبجة الشهيدة التي راحت ضحيتها خمسة آلاف شخص مدني بريء، ودمّر النظام أربعة آلاف قرية ونهب كل ما فيها، وأخذ 182ألف كوردي باسم الأنفال وإلى الآن مصيرهم مجهول، وغيره كثير يعجز الإنسان عن ذكره.هذا غيض من فيض من مآسي والآم هذا الشعب المسكين المسمى بالكورد، فما هو موقف إخوانهم في الدين والعقيدة من هذه المظالم المتتالية، مع الأسف الشديد أقول صراحة بأنهم إلا ثلة قليلة منهم لم يطبق هذا الحديث النبوي على وجهه الصحيح (انصر أخاك ظالماً أو مظلوما)، فهم نصروا أخاهم الظالم بمعاونته ومساعدته بدلاً من نصيحته بإيقافه عند حده وحد الله ، ونصرهم للمظلوم كان بتزييف الحقائق، وستر المآسي، وهذا السرد نتطلع من ورائه إلى التعريف بأصول ومعاناة هذا الشعب الغيور القاطن في جبال كوردستان، أولي باس شديد..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *