الرئيسية » التاريخ » مجموعات تاريخية كوردية

مجموعات تاريخية كوردية

المجموعة التاريخية هي مجموعة مطردة أو غير مطردة من الحوادث التاريخية التي حدثت في مكان محدد، أو في أمكنة متجاورة سجلها كاتب ما دونما منهج معين أو مراعاة لوحدة الموضوع، وفي الغالب فإن مثل هذا الكاتب لا يعد مؤرخاً وإنما مجرد هاو لتاريخ عاصر حوادث رآها مهمة فسجلها على سبيل الإيجاز، وهو عادة لا يصرح بأسماء مصادره أو الرواة الذين استقى منهم معلوماته، ويكتفي بذكر تاريخ الحادثة التاريخية، وبعض المعلومات عنها، وربما تنوعت الحوادث التي يتناولها تنوعاً شديداً، فهي بين وفاة والي أو أمير، ومعركة بين هذه الإمارة وتلك، وقدوم عالم شهير إلى مدينة ما، وحدوث غلاء، أو انتشار وباء، أو شيء لافت لنظر الناس في عهد ذلك الكاتب. وعلى الرغم من كتابة هذا النوع من المجموعات لا يستلزم خبرة في تدوين الحدث، لافتقارها إلى منهج محدد، إلاّ أنها تكشف عن نزوع تاريخي لدى كاتبها، وميل فطري نحو تقدير أهمية الماضي، بوصفه الخلفية الضرورية لفهم الحاضر.ولقد شاع هذا النوع من الكتابة التاريخية في العراق في القرون المتأخرة، وبخاصة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فوجدت مجموعات تاريخية ضمت في صفحاتها حوادث مهمة، سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية كتبها كتاب هواة للتاريخ سجل بعضهم اسمه عليها، وكثير منهم وصلنا غفلاً من اسم جامعه، ويمكن أن نسوغ شيوع هذه الظاهرة إلى تأثير تنامي المجالس الأدبية في ذلك العهد حيث تروى الأخبار التاريخية والحوادث الأدبية وتستحدث ذاكرة رواد المجلس، مما يشجع بعضهم على تسجيل ما يسمع ويعي…

وكان للعلماء الكورد دور بارز في هذا المجال، فقد وصلتنا مجموعات تاريخية ذا شأن ضمت العديد من الحوادث المهمة التي شهدتها المدن والإمارات في كوردستان، من حروب وأوبئة وصراعات بين الأمراء، وإنشاء بعض المؤسسات الثقافية مثل المدارس والتكايا، وغير ذلك. ومن الواضح أن هؤلاء العلماء لم يكونوا مؤرخين محترفين، وإلاّ لكتبوا كتب تاريخية محضة، تلتزم منهجاً تاريخياً محدداً، وإنما كتبوا ما كتبوا إعانة للذاكرة على حفظ ما رأوه مهماً من حوادث بلادهم، على اختلاف هذه الحوادث وتنوع طبيعتها، فكان عملهم هذا يأتي على هامش اهتماماتهم الثقافية العامة، وليس في مجال تخصصهم، الذي هو في الغالب ينحصر في مجال العلوم الإسلامية والأدبية التقليدية. وعلى أية حال، فإن ما سجلوه يكشف عن أنهم كانوا غير بعيدين عن متابعة الشؤون العامة لبلادهم. وتأتي أهمية هذه المجموعات في أن معلوماتها تعد مكملة لما توفره كتب التاريخ التي كتبها مؤرخون محترفون، بل أنها تنفرد عنها بكثير من المعلومات الجديدة، وتتميز بدقة ضبط الحدث من حيد سياقه الزمني، لا سيما حينما يكون كاتبه معاصر له. فمن هذه المجموعات المهمة يمكن أن نشير هنا إلى مجموعة تاريخية عرفت بالمخطوطة الزيوه كية، تضمنت أنساب وأخبار السلالات الحاكمة في مناطق واسعة من كوردستان، وهم كما تسميهم المخطوطة: ملوك حكارى، وحكام شمدينان وسلاطين العمادية ومشايخ زيوه كان وأمراء نيروه ووزراء الزيبار، وعلى الرغم من جدة هذه المعلومات فإن أحداً لا يعلم تاريخ تأليف المجموعة، وغاية ما نعلمه أنها جددت مرتين آخرهما سنة 1210هـ/1795م. وهي مكتوبة بخط جميل جداً ويحتفظ بها أحد فروع الأسرة الحاكمة لإمارة بهدينان سابقاً والتي تقيم في قرية (زيوه كان) في الشرق من العمادية، العاصمة القديمة للإمارة المذكورة. حيث توجد لدى أحد أفراد الأسرة، ويدعى (محيي الدين الزيوكي)، وقد نوه أنور المائي بهذه الشجرة وقال” يستحق هذا الكتاب بأن يسمى تاريخ إمارة بادينا” و” إن فيها أبحاثاً تاريخية قيمة لا يستغني عنها الباحث المتتبع” (الكورد في بادينان، الموصل 1960، ص117) ونشر محفوظ محمد عمر العباسي القسم التاريخي من هذه المخطوطة في كتابه (إمارة بهدينان العباسية) (الموصل 1969) ص 31- 55. وفي تعليقة كتبها مُعلِّق على كتاب (غاية المرام في تاريخ محاسن بغداد دار السلام) المطبوع، أن هذه المخطوطة بقلم العالم محمد الباليساني، والصحيح أن هذا العالم قد جددها أول مرة لا ألفها، وقد جددها غيره مرة أخرى. ومن المجموعات التاريخية المهمة كتاب فيه حوادث أمراء سوران في رواندوز، كُتب قي عهد الأمير أُوغُز بيك بن محمود بيك بن أحمد بك (1218- 1229هـ/ 1803- 1813م). وقف عليه حسين حُزني المُكرِياني(توفي سنة 1947م)، وصرَّح بأنه نقل منه نَسَب أوغز المذكور. موجز تاريخ أمراء سـوران، نقله عن الكوردية محمد الملاّ عبد الكريم، بغداد، بلا تاريخ.ومنها أيضاً مجموعة تاريخية بالتركية، وضعها أحد العلماء الكورد، وسجل فيها بعض الحوادث المهمة التي وقعت في إمارة بهدينان في الحقبة الممتدة من 1101هـ/1689م وحتى سنة 1237هـ/1821م، وتشمل تواريخ حكم ووفيات أمراء العمادية، قاعدة الإمارة، وحوادث الغلاء والأوبئة، والغزوات. نسخة من بقايا مكتبة تكية بريفكا القادرية في منطقة المزوري السفلى، في كوردستان، آلت إلى الملا مناف البريفكي، فأهداها إلى عبد الرحمن مزوري. وثمة نسخة من هذه المجموعة تضمنت عدداً من الحوادث التي سجلت، على مخطوطة كتاب عطار نامه لفريد الدين العطار، كتبت سنة 1269هـ، في قرية (ميركي)، وقد أهدى حمزة الشوشي نسخة مصورة منها إلى عبد الرحمن مزوري، فنوه الأخير بهذه النسخ، ونقل ما ورد فيها من حوادث إلى العربية، في بحث له بعنوان (بعض الحوادث الهامة في تاريخ بادينان)، مجلة كاروان الكردية، عدد 81، كانون الأول 1989، السنة 8، ص146-150. وفي المركز الوطني للمخطوطات عدد من المجموعات التي وضعها مؤرخون كورد مجهولون، منها على سبيل المثال مجموعة تاريخية تتضمن تواريخ حوادث وقعت في إمارة بهدينان (مركزها: العمادية) تبدأ في سنة 1101هـ/1689م وتنتهي في سنة 1276هـ/1859م، وفيها حوادث غلاء، وحصار، ووباء، ومجيء مهدي كاذب، وهدم قرية، وأخبار ولاة العمادية، وغير ذلك. تشغل هذه النبذة ورقة واحدة، ضمت إلى المخطوطة المرقمة 16147 ويرجح أن تكون هذه النبذة قد كتبها غير كاتب واحد. محمد علي القره داغي: إحياء تاريخ العلماء الأكراد من خلال مخطوطاتهم، ج3 ص135. ومنها أيضاً مجموعة بالفارسية، جامعها كوردي، يظهر أنه من أهل بنجوين، لأن أكثر التواريخ التي جمعها تتعلق بهذه المنطقة، ولا تلتزم هذه التواريخ بسياق زمني، وتنحصر هذه التواريخ بين سنة 1247 وسنة 1315هـ/1831-1897م. وهي ضمن مخطوطة في المركز الوطني للمخطوطات ببغداد برقم 32713. نقل محمد علي القرده داغي هذه التواريخ إلى الكردية، ينظر كتابه المذكور ج3ص135 وص 174 بغداد 2003. أن ما عرَّفنا به هنا لا يزيد على أن يكون نماذج قليلة، قد لا تكون الأهم، مما وصلنا من كم غزير من المجموعات التاريخية التي خطتها أنامل العلماء الكورد في القرون الأخيرة، وهذه المجموعات تستحق بالتأكيد أن تكون موضع اهتمام الباحثين لكونها تمثل مصدراً أصيلاً من مصادر التاريخ المحلي لكوردستان، من شأنه أن يلقي ضوءً على كثير مما أغفله المؤرخون في تلك القرون الخالية .
شفق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *