الرئيسية » مقالات » البيشمه ركه.. ذرى الجبال والرجال

البيشمه ركه.. ذرى الجبال والرجال

يقول المؤرخ الموصلي الكبير بسام ألجلبي عن الكورد ( حينما أتحدث إلى كوردي اشعر بأنني أقف إمام واحدا من الأمراء والنبلاء، لما يتميز به هذا الإنسان من رقي وسمو في الخلق والأدب الساميين ).
تذكرت تلك الكلمات وأنا أشاهد أفواجا من البيشمه ركة تدخل المدن بعد تحريرها في انتفاضة الربيع عام 1991 بعد سنوات عجاف قاسية في مرارها ووقعها وتضحياتها، هؤلاء الرجال والنساء الذين كانوا يحملون قرص الشمس الى مدن كوردستان التي غرقت في ظلام مدلهم دامس منذ سنين طوال، وتحمل الفرحة والأمل القادمين من بين ثنايا وصدى كلمات حكيم كوردستان الخالد البارزاني مصطفى، لآلاف الثكلى ويتامى الشهداء العظماء من أبناء الشمس ورجال القمم في وطن الجبال والرجال.
أفواج من رجال غادروا المدن منذ أن اكتسحها ظلام الأوباش ليحموا ذراها في قمم كوردستان، يستبقون الموت ليصنعوا الحياة للمدن القادمة بعد سنوات.
رجال ونساء من بيشمه ركة كوردستان أضاءوا القرى والمدن في بدايات ربيعٍ سيستمر مع الأيام في عهد جديد منذ أسس كاوه عهده الأول ثم ارتحل، ليحل ألف ضحاك وضحاك عبر أجيال وأجيال.
كانت كوردستان تغص بجنود الظلام وأشباح حزبٍ استباح الأرض والمال وحرية الإنسان ووصايا دكتاتورٍ عنصري مراوغ أحرق الأرض والماء والإنسان، وسَجن كل ما له علاقة بأولئك الأبطال من رجال القمم وحماتها، حتى امتلأت سجونه ودهاليزه بأمهات وآباء أولئك البيشمه ركة الأفذاذ، والمئات من المناضلين الوطنيين في تنظيمات المدن والقرى ممن القي القبض عليهم أو اعدموا أو ماتوا بالتعذيب ولم يعرف لهم اثر أو قبر؟
لقد كانت كوردستان عشية التحرير ودخول رجال الشمس والضياء من البيشمه ركة، تأن من جروح غائرة في جسدها من شنكال حتى خانقين وتذرف دماءً ودموعا من اجل أولئك الذين غيبتهم أنفال البعث وصدام حسين ورجال حربه ضد الأطفال والنساء ممن اقتادوهم الى صحراوات القبور الجماعية في أقصى جنوب وغرب العراق؟
كوردستان التي كانت تزف عرائس مدنها في كرميان وبهدينان الى محرقة الموت الكيماوي في نهاية ثمانينات القرن الماضي، كانت قد التهمت من عائلة كل بطل من الأبطال الذين دخلوا اليوم مدن الشمس في انتفاضة الربيع ابنا أو بنتا أو زوجة أو أبا أو أما أو عزيزا أو ربما كلهم معا!
هكذا إذن كانت بانوراما المشهد في الصبح الأول من ربيع الانتفاضة وهي تطرق أبواب وطنٍ ينهض من جديد لصدى صيحات كاوه والشيخ الحفيد والبارزاني الخالد، تستنهض تاريخا من الإصرار على البقاء والوجود.
في هذا الصبح وان كان فجرا أو بعض ليل يجر أذياله باتجاه الشمس، انغمرت كوردستان ببشائر النور والضوء الآتي من مشاعل كاوه منذ آلاف السنين، تحملها جموع من رجال ونساء يستبقون الموت ليمنحوا الحياة لوطن الحب والحياة.
بكل هذا الإرث دخلت جموع البيشمه ركه الى كوردستان السهل والقرية والمدينة، الشارع والزقاق والحديقة، دخلت تنثر الورد والبهجة وتحمل أروع ما لديها من خلق ونبل وسمو الى أولئك الذين حرقوا البستان والحقل ودمروا القرية والمدينة، دخلوا هؤلاء الرجال والنساء تختلط دموع الفرح والحزن في مآقيهم وهم يحررون الأرض والإنسان ويطلقون صيحات الحرية والاستقلال، ويستنهضون أولئك الشهداء الأحياء أن انهضوا ها نحن قد أتينا نحمل بشائر الوطن الناهض من بين قبور الشهداء ودموع الأمهات والزوجات وحسرات اليتامى وأحلام الصبايا والفتيات، قادمون أليكم يا شهداء الشمس والنور.
هنا في كوردستان اختلطت ألوان الربيع وعطر الحرية ودفئ الدموع بلقاء أنبل الثوار وارفعهم قيما واسماهم سلوكا، هؤلاء البيشمه ركه الذين يحملون الوطن في قلوبهم وبين مآقيهم دموع الفرح والحزن وسيمفونية الشمس والأرض في كوردستان، تحتضنهم الأرض والأشجار وأحضان الأطفال وتغمرهم هلاهل الصبايا والفتيات، يوجهون فوهات بنادقهم الى السماء، لا يفكرون بإزاحة قطرة دم واحدة، فشمس كوردستان تكتسح الظلام وتتساقط أشباح العتمة والعفونة وتنهار أصنام الاحتلال والاستعمار.
لا تقتلوا أحدا، دعوهم ينسحبون بسلام إلا من أراد ثانية أن يغتال السلام، أكرموا من يستسلم وأرسلوه آمنا مكرما الى أهله وذويه، افتحوا لهم بيوتكم ومساجدكم إنهم مغلوبين على أمرهم ومغرر بهم، هم ليسوا أعداء!
كانت هذه وصايا قيادات البيشمه ركه وهي تنطلق في كل قرى ومدن كوردستان، تستذكر خطابها الإنساني منذ كاوه والحفيد والبارزاني الخالد، في التعامل الخلاق مع العدو وأفراده بسلوك قل نظيره في تجارب كثير من الشعوب والأمم.
لقد تحولت كوردستان خلال ساعات وأيام الى مضايف كريمة لآلاف الجنود والضباط ممن كانوا يحتلونها لسنوات طويلة، وحضن دافئ لمئات من الموظفين الذين كانوا يعملون فيها من خارج الإقليم، فاستضافت المساجد والبيوت هؤلاء المغرر بهم من جنود جيش كان يحرق كوردستان قبل سنتين دونما أحقاد أو كراهية، بوعيٍ تام وشعور عال بالمسؤولية الإنسانية والوطنية تجاه الأسرى أو الذين استسلموا دونما قتال مع الثوار.
حقا إنها انتفاضة الثوار النبلاء والشعب الراقي، انتفاضة الربيع الزاهي بجمال ألوانه وعطور أوراده وسمو إنسانه في كوردستان الشمس وذرى الجبال والرجال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *