الرئيسية » مقالات » آلاف الأنهار الباردة في العراق والحكومة مقصرة!

آلاف الأنهار الباردة في العراق والحكومة مقصرة!

مافتئت الأقلام ووسائل الإعلام تحاول كل ما بوسعها إظهار حكومة المالكي على أنها عاجزة عن مواجهة الوضع الأمني المتفجر في العراق، وحتى بعض الأقلام الشريفة التي تريد للعراق أن ينتصر على الإرهاب تشارك بهذه الحملة، حيث كان من المفروض أنها تدعم العملية السياسية بإقامة نظام ديمقراطي فدرالي تعددي، حتى هذه الأقلام والأصوات راحت تشكك بقدرة الحكومة على تحمل أعباء المرحلة، معلنة فشلها بدلا من تقديم المزيد من الدعم للحكومة، وتقويم الخطأ في مسيرتها في حال كان هناك خطأ بالفعل.
نعم إن الوضع الأمني متفجر، والإرهابيين من كل الأطراف يعملون بوضح النهار على استمرار إشاعة الفوضى، حيث هناك المئات من المناطق العراقية كنهر البارد في لبنان، بل آلاف المناطق، جميعها تعتبر أوسع بكثير من هذا المخيم الصغير مساحة وعدد سكان وعدد إرهابيين، ويوجد في أي منها أكثر من حاضرة للإرهاب، وعشرات البيوت التي تؤوي الإرهابيين، يتكدس عندهم السلاح بما يكفي لإشعال حرب عالمية ثالثة.
فإذا كان الجيش اللبناني لم يستطع القضاء على بؤرة واحدة خلال أسبوعين، فكيف نطالب حكومة المالكي بالقضاء على كل هذه البؤر المنتشرة في جميع أرجاء العاصمة والمناطق الأخرى الساخنة والمعروفة من العراق؟
نهر البارد مخيم صغير في شمال لبنان سكانه لا يزيد عددهم على30 ألف نسمة، ومساحته لا تزيد على تسعة أعشار كيلومتر مربع، أي أقل من كيلو متر مربع واحد، حيث العرض800 متر والطول1400 متر فقط، خرج معظم السكان من المخيم ولم يبقى منهم سوى ثلاثة آلاف، ومازال السكان العزل يخرجون تباعا دون توقف. من جانب آخر، يقال أن أعلى تخمين لعدد الإرهابيين الذين يتمترسون بداخله هو400 مقاتل فقط، يقابلهم الجيش اللبناني بكل أسلحته، وأسلحة أخرى وصلت على الفور من أمريكا، على طائرات الهركليز العملاقة، تكفي لإزالة النهر البارد وشمال لبنان بكامله من الأرض، وإعلام يتعاطف بالكامل مع الجندي اللبناني، وسياسيون يهتفون ليل نهار على الفضائيات ليرفعوا من معنويات الجندي ويشدون من أزره، ومن يقول غير ذلك يلقموه كل أحجار الدنيا.
حتى المتعاطفين مع الإرهابيين والذين وفروا لهم الملاذ الآمن وسهلوا دخول أسلحتهم وتستروا عليها وقدموا أبنائهم ليكونوا دروعا بشرية لهؤلاء الأوغاد، حتى هؤلاء، ينافقون ليل نهار على الفضائيات نافين أي تهمة توجه لهم كونهم تعاونوا ومازالوا يتعاونون مع الإرهابيين.
خلال أسبوعين من تفجر أحداث هذا النهر البارد، لم أسمع أحد يتحدث عن عدم شرعية الحكومة أو الجيش الذي يواجه هؤلاء الإرهابيين، ولم يعترض أحد على القصف المتواصل على منازل المخيم المكتظ، ولم نرى جنائز الإرهابيين في تشييع مهيب على أنهم شهداء.
الجيش اللبناني يتوقف عن القصف وقت ما يشاء ليراجع حصيلة معاركه وتقيمها ليبدأ خططا جديدة، هكذا بكل حرية، ولم تحدث خلال الأسبوعين سوى ثلاثة تفجيرات في مناطق أخرى تقع تحت مناطق نفوذ هذا الجيش، فالذي حدث هو أن جميع الأصابع توجهت نحو الجهة التي فعلتها، وقد توقفت هذه الجهة عن عبثها بأمن لبنان بالفعل. تصورا…. حتى فضائية الجزيرة…. تسمي الجندي اللبناني الذي يسقط شهيدا! رغم هذا وذاك لم يستطع الجيش اللبناني حسم الأمر خلال الأسبوعين، ليس ضعفا منه، ولكن لأن الحرب بداخل المدن ليست كأي حرب، خصوصا حين يعتمد الإرهابي على التمترس خلف دروع بشرية من الأبرياء العزل.
كما ولا يوجد في لبنان جيش محتل يحمي الإرهابيين لإرضاء أصدقائه من دول الجوار الإقليمي العربي، ولا يفبع خلف الكواليس بيكر أو هاملتون ليصدروا توصيات تعيد سيناريو قمع انتفاضة ال91 بصيغة جديدة، ولا يوجد ممثلين لهؤلاء الإرهابيين في السلطة اللبنانية فرضتهم الدولة المحتلة على الشعب العراقي بحجة المصالحة والمشاركة الأوسع في السلطة، ولا يوجد لهؤلاء الإرهابيين دول في الجوار الإقليمي تحميهم وتقدم لهم كل أنواع الدعم، حتى الدعم السياسي من خلال الأمم المتحدة.
الغريب فعلا، أننا لم نسمع عن جماعات حقوق الإنسان تدافع عنهم، ولم تصدر أيا منها تقرير يندد بممارسات الجيش اللبناني أو بيان يدافع عن حقوق الإرهابيين المهدرة، سواء في ساحة المعركة أو في سجون الدولة، ولم نقرأ في الصحف العالمية كالواشنطن بوست والنيويورك تايمس والغارديان مقالا يدافع عنهم أو يرفع من معنوياتهم أو يفبرك تحليلاته بما يشد من أزرهم ويظهرهم كالبطل المنتصر، ولم نسمع من وكالات الأنباء العالمية مثل “رويتر” أو “البي بي سي” التي تشوه الحقائق وتعيد صياغتها بما يرضي الإرهابيين ويصب في مصلحتهم.
لم نقرأ لهؤلاء صحيفة تصدر في لبنان وتوزع في الشوارع، ولم نرى مذيعة عربية على إحدى الفضائيات العربية فرحة، بحيث يكاد الفرح أن يتفجر من عينيها، وهي تلقي أخبار مقتل اللبنانيين على أيدي هؤلاء الإرهابيين، ولم يقدم برنامج الاتجاه المعاكس حلقة تمجد بهم كمقاومة بطلة وشريفة جدا، لأن الأخ الدكتور الكبير جدا والفاضل جدا فيصل القاسم لم يجد لحد الآن عربيا واحدا يستضيفه في برنامجه بحيث يستطيع أن يتفوه بكلمة واحدة تمجد هؤلاء الأوغاد في لبنان.
الأغرب من هذا وذاك، ورغم ديمقراطية ساركوزي وبلير وبوش وبوتن، هو أننا لم نرى تظاهرة خرجت في فرنسا أو في واشنطن ولا لندن ولا موسكو ولا برلين، إذ لم تخرج أي مظاهرة تدافع عن هؤلاء الأوغاد، فهم أوغاد بنظر كل العالم، هنا المفارقة الكبيرة! لماذا هم أوغاد في لبنان ومقاومة شريفة جدا في العراق؟!
كما ولم نسمع من الأخ بوش يطالب السنيورة من خلال دائرة تلفزيونية مغلقة أن يجد لهم حلا سياسيا، ولم نسمع أيضا أن الكونغرس الأمريكي يدعوا ممثلي فتح الإسلام لواشنطن ليكون ضيوفا على الكونغرس الأمريكي من أجل الاستماع إلى شهادات الزور التي يقدموها، ولم نسمع أن الرئيس بوش يطالب السنيورة بأن يعطيهم مساحة أوسع في السلطة، وليتنا نعرف سعة هذه المساحة، إذ لا أحد يعرف شيئا عن حجم المشاركة المطلوبة، حيث أننا نعرف أن الإرهابيين في العادة يريدون التفرد بالسلطة في أي مكان من العالم ولا يرضيهم شيء آخر على الإطلاق.
كأن عمرو موسى نائم في العسل، إذ لم تعقد دول الجوار اللبناني بمبادرة من الجامعة العربية مؤتمرات لدعم فتح الإسلام لحد الآن، رغم أنها تدعي بأنها جاءت لنصرة أهل السنة، نصرتهم ممن؟ لا أحد يعرف لحد الآن، لكننا سنعرف حتما في القادم من الأيام، ولم تعقد الجامعة العربية أي مؤتمر لحد الآن يمنحهم الشرعية لذبح الشعب اللبناني بحجة أنهم مقاومة شريفة، رغم أنها كانت قد منحتهم هذا الشرف عندما كانوا في العراق قبل بضعة أشهر فقط، ومازالت تمنح رفاقهم في العراق أرفع أوسمة الشرف والرفعة والنزاهة والوطنية، نعم الوطنية، رغم أنهم لم يكونوا يوما ما عراقيون.
بالرغم من أنهم يقولون أنهم منظمة إسلامية وتسمي نفسها فتح الإسلام، لم نرى صناديق لجمع التبرعات فتحت في الأسواق العربية لدعمهم، ولم نسمع عن فتوى من رجل دين أعور تبيح لهم قتل اللبنانيين، حيث أن جميع الفتاوى بقتل العراقيين جاءت من رجال دين معظمهم عوران، يا سبحان الله! لماذا عوران!؟ لا أدري!
ولم يذهب السنيورة مجبرا من قبل المحتل وبدفع من دول الجوار الإقليمي العربي، لم يذهب للتفاوض مع الغارقين بدماء البشر، ولم يطلق مشروعا للمصالحة مع المجرمين، رغم أن هؤلاء لم يقتلوا سوى بضعة جنود لبنانيين ولم يقتلوا مدنيا واحدا لحد الآن، ورغم طرحهم مشروعا لإنهاء القتال وهو أن تمنحهم حكومة السنيورة مخرجا للذهاب إلى العراق، حيث قتل العراقي مباح بكل الأعراف الإنسانية في زمن البرتقالة هذا!
ومن غرائب الأمور أيضا، لم يتحدث أحد لحد الآن عن أحزاب عربية أو إسلامية أو خلايا سلفية تجند الإرهابيين إلى النهر البارد أو أي مكان آخر في لبنان، وحتى ال17 ألف جامع سلفي في أرجاء المعمورة لم يحرض شيوخها ال24 ألف شيخ، نصفهم عوران أيضا، على الجهاد في لبنان! لماذا لا يرغبون بذلك، علمها عند الله وحده!
لكن مع ذلك لم يستطع الجيش اللبناني حسم المعارك خلال أسبوعين متواصلة وهو غير مشغول بقضية أخرى على الإطلاق، فكما أسلفنا ليس ضعفا منه، لكن لأنها حرب مدن ومن المحتمل أن يذهب ضحية لها أبرياء عزل.
للمقارنة فقط، مساحة المناطق التي يسيطر عليها الإرهابيين في العراق تزيد على مئة ألف كيلو متر مربع، يسكنها حوالي13 مليون نسمة، وعدد الإرهابيين فيها يزيد على خمسين ألف حيوان.
فلم كل هذه المطالبات والضغوط على حكومة المالكي بأن تنجح بحفظ الأمن وإعادته للعراق بلمح البصر؟ ولماذا الإصرار على منح البرتقالة مساحة أوسع بالسلطة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *