الرئيسية » مقالات » بطالة الشواهد العليا بالمغرب و (معادلة الله وما كليتي العصا لخدمتي)

بطالة الشواهد العليا بالمغرب و (معادلة الله وما كليتي العصا لخدمتي)

اعتادت العين الرباطية على “المجموعات الوطنية للأطر العليا المعطلة” مكوناً من مكونات المساحة الخضراء المواجهة لقبة البرلمان المغربي، حتى صار غيابها يستفز العقول فتكاد تصدق أن الحكومة المغربية تحملت مسؤوليتها أمام ملف هؤلاء الأطر. إلا أن صوت الشعارات الآتي من بعيد وبياض اللافتات التي تتقدم مسيرة عريضة طويلة سرعان ما يكشف عن الحقيقة، ويعلن للجميع بالصوت والصورة على أن غياب المجموعات ليس إلا تأخراً عن موعدها الاحتجاجي، وأن الحكومة المغربية هي الحكومة المغربية، لا تتبدل ولا تتغير وان خير وصف يليق بها ما حمله هذا الشعار”عليك لامان عليك لامان لا حكومة لا برلمان، وفي المغرب عليك لامان لا حكومة لا برلمان”.
هذه المجموعات التي رابطت في الفترة الأخيرة على النزول للشارع بمسيراتها وشعاراتها ولافتاتها بعدما أعيتها سياسة التسويف والتماطل الممنهجة من قبل المسؤولين عن ملف التشغيل في البلاد، مما ولد لديها قناعة ومعادلة خطيرة في بلاد الديموقراطية وحقوق الإنسان، معادلة ” والله وما كليتي العصا لخدمتي ” والبعض يعبر عنها بقوله:”والله وما نزل الدم لخدمنا”.
ضحكت من أعماق قلبي وأنا استمع لمقولات العنف هذه، ومعادلات العصا التي تذكرني بما يحصل في فلسطين بل، مراراً تصديت لها بالنقاش العقلي بين صفوف الأطر المعطلة داعية إلى انتخاب قيادات مؤهلة قادرة على خوض حوارات جادة مع المسؤولين، وعلى إيصال ملفنا للإعلام المحلي والعالمي. إلا أن التفاعل مع رأيي هذا، غالباً ما يسفر عن جواب مفاده: أن المسؤولين أغلقوا أبواب الحوار مع ممثلي الأطر، وأن قنوات الإعلام تشترط صناعة الحدث لتحضر للتغطية، فليس هناك بد من اللجوء للشارع باعتباره ميداناً للحسم.
استطاعت هذه المعادلة العنيفة أن تكتسب جماهيرية واسعة في صفوف الأطر العليا، وأن تفرض نفسها على المسار النضالي “للمجموعات الوطنية للأطر العليا المعطلة” مهما كان عدد معارضيها، لان هناك واقعاً يزكيها، واقع إغلاق المسؤولين لكل أبواب الحوار الجاد مع الحضور المحتشم للإعلام.
أخيراً تجلت هذه المعادلة في قرار التصعيد النضالي المتمثل في النزول اليومي للشارع وتنظيم المسيرات ذهاباً وإياباً من مقر الاتحاد العام للشغل حتى قبة البرلمان. وعلى عادتها تختار الحكومة تطويق المسيرة بأجهزة القمع بمجرد بلوغها الساحة الخضراء. هذا التطويق الذي سرعان ما يتحول لمطاردات وركل وضرب ورفس وأحياناً اعتقالات في صفوف الأطر، حينها فقط تتوحد جهود المسؤولين ورجال الأمن والأطر لنقل ضحايا( الكسور، والجروح، والرضوض، والإغماءات في صفوف الأطر عامة والحوامل خاصة) إلى مستشفى بن سينا، حيث تتكلف الدولة بالفحوصات والتشخيص المجاني، بينما ما تزال فرق الأمن تطارد مجموعات الأطر المشتتة في شوارع وأزقة الرباط. ولعل الصورة أعلاه واحدة من بين الصور المعبرة عن الأحداث الدامية. فهل منا من يعرف من يكون ذاك الشاب المكوم تحت رحمة ركلات وهراوات جهاز القمع؟
انه الباحث عمر فركي مواطن مغربي من مدينة الجديدة، مثله مثل أي إطار يكلف أسرته يومياً مصاريف الأكل و التنقل من مدينته إلى الرباط، قصد المشاركة في الاعتصام. لعل إدماجه في سلك الوظيفة العمومية يجعله يواصل أبحاثه في جو أريح كما يمكنه من الاستقلال المادي عن عائلته، التي طالما تكفلت بجل مصاريفه ليتابع دراساته العليا، فيسهم جنباً إلى جنب مع أصحاب الضمائر الحية في تنمية هذا الوطن الحبيب، الذي لا يستحق منا إلا مزيداً من العطاء والبذل.
لقد تخصص عمر فركي في الكيمياء البيولوجية Biochimie وانطلاقاً من مقولة “يوجد في البحر ما لا يوجد في البر” شرع عمر في إعداد رسالة الدكتوراه في النشاط البيولوجي للطحالب البحرية وإمكانية استخلاص أدوية لعلاج مرض السرطان و ألآلام الناتجة عن الأعصاب. ومازال لحدود الاعتداء عليه يتابع أبحاثه -على الرغم من معانات البحث العلمي في المغرب- ويصر على خدمة الوطن من داخله جنباً إلى جنب مع بقية الأطر المعطلة، التي تؤمن بأن مغادرة الوطن وهجرة الأدمغة ليست حلاً. وأن موقعها الحقيقي في المغرب وليس خارجه مهما كانت سلوكيات الحكومة.
فنحن جميعاً مغاربة نحب ديننا ووطننا وملكنا، شعارنا ( الله، الوطن، الملك) حبانا الله بنعم جغرافية متنوعة ومفعمة بالكثير مما يمكن استثماره، على رأسها البحار المنتشرة عبر التراب الوطني والمليئة بأنواع من الأسماك والطحالب، كما بيننا عقول نيرة وباحثين جادين من مثل عمر فركي لا هدف لهم سوى الإسهام في التنمية البشرية كواحد من بين خيارات المؤسسة الملكية. فهل هناك إرادة صادقة من قبل حكومتنا لفسح المجال أمام هذه العوامل( عقل عمر+ طحالب بحارنا+سياسة الحكومة) لتتفاعل مع بعضها وتنتج تنمية؟ أم ليس بين المغاربة من يعاني مرض السرطان؟ أو ليس بيننا من يعاني الألام الناتجة عن الأعصاب؟ أو ليس بيننا من يحب أن يعالج مريضاً مغربياً من قبل طبيب مغربي بدواء مستخلص من طحالب بحرية من بحار مغربية بجهود بحثية مغربية؟
كلنا نحلم بالتنمية وبذلك اليوم، الذي لن يأتي إلا إذا استمر عمر فركي واستمرينا جميعا في أبحاثنا، ترعانا حكومة مغربية تشجع البحث العلمي و تحتضننا بدل تشجيعنا على الهرب وهجرة الوطن و ركوب الزوارق. فلابد إذن، أن يحتضن عمر من طرف مؤسسات البحث العلمي بالبلاد، ومساعدته بفريق عمل( مهتم و متعاون) يوضع تحت إشرافه مع تمويل كل مراحل البحث والدراسة. فنحن المغاربة بحاجة لعمر طبياً و اقتصادياً، بحاجة لأبحاثه التي ستعالج مرضى السرطان في المغرب وفي العالم كافة. وبحاجة له اقتصادياً عندما يتبين علمياً أن نوعاً من أنواع الطحالب البحرية المتواجدة بالمغرب تصلح لعلاج مرض ما، حينها ستتجه المختبرات العلمية والأسواق العالمية لاستيراد هذه الطحالب من المغرب فيروج اقتصاد البلاد وتحل مشاكل البطالة في صفوف الشباب. أم أن أحزاب الحكومة كانت تضع البطالة ضمن برامجها الانتخابية فقط للتمويه علينا؟
يبدو أن هذا المنطق الذي أتحدث به، ليس هو نفسه، منطق الحكومة المغربية التي تظهر سلوكيات مناقضة بشكل تام لمصالح المغرب والمغاربة والإنسانية عامة. وما الصورة أعلاه إلا خير شاهد على ذلك، فالباحث عمر فركي انتهى به المطاف تحت رحمة هراوات وعصي جهاز القمع بدلاً من أن ينتهي به في مختبرات البحث العلمي التابعة للدولة ومؤسساتها العلمية. وبدلاً من أن تمد له يدها مدت له العصا، وبدلاً من أن تستثمر عقله وجسده وجهوده في علاج مرضانا أرسلته ضحية للضرب والرفس إلى مستشفى ابن سينا بالرباط. بدل أن يقف بجهوده العلمية أطباء لعلاج أمراض الناس عبر العالم تحول هو إلى مريض بين يدي الأطباء. فهل حسبت هذه الحكومة حساباً لسلوكياتها العنيفة تجاه الأطر؟ هل كلفت نفسها دراسة الأوساط الاجتماعية التي قدمت منها هذه الأطر؟ أليست أصوات والدة عمر فركي وعائلته وعائلة غيره من الأطر هي نفسها، التي أتت بهذه الحكومة؟ أليست هذه الحكومة من تطبل للتنمية البشرية صباح مساء؟ أليس التعليم و التشغيل احد معايير هذه التنمية؟ هل التنمية البشرية موضة عند الحكومة أم إرادة حقيقية؟
فإذا كان التعليم احد معايير التنمية البشرية، التي تنادي بها الحكومة المغربية وتعمل على استنفار المواطنين لها، فلا اعتقد أن من المغاربة من سيشجع أبناءه على العلم والتعليم في بلدنا وهو يرى حال عمر فركي تحت رحمة هراوات جهاز القمع، أم أن حكومتنا تأت على منجزاتها من حيث لا تدري كما يقال في المثل الشعبي المغربي( اللي حرت الجمل دكوا).
إن وسط عمر فركي و أوساط غيره من الأطر العليا ليست غائبة عن المشهد مهما بعدت عن العاصمة، فهي تتابع أحداث الاعتصام يوماً بيوم بالهواتف والجرائد -التي تطوعت لذلك- وتعرف جيداً أن من بين من صوتت لهم بالأمس القريب من لا يمتلك شهادة من حجم شهادة فلذة كبدها. وأن من يتحمل مسؤولية رفس وضرب ابنها ليس رجل الأمن ذو البذلة الخضراء أو الزرقاء ولكنه ذلك النائب البرلماني، الذي يجلس في قبة البرلمان ولا يحرك ساكناً بل من مقر جلوسه تصدر إشارة الضرب والرفس.
فبالله عليك يا برلماني بأي وجه ستقابل والدة عمر فركي وعائلته وبقية الشعب المغربي -عما قريب- عندما تنزل لاستجداء عطفهم وأصواتهم؟ كيف ستخاطبهم؟ و بماذا ستخاطبهم؟ هل ستغير الصورة أعلاه التي نشرت على جريدة الصباح واليوم تنشر على جريدة المساء؟ هل ستقول لهم أن الاحتضان عند الحكومة المغربية يبدأ بالعصا والهراوة؟ أم ستقول لهم أن جهاز القمع لا ينوي ضرب أبناءكم بل، تقبيلهم؟ هل ستداري وجهك خلف النخلة أم خلف الوردة أم خلف المصباح أم خلف الحمامة أم خلف البراد أم خلف الفرس أم خلف المفتاح أم…؟
سيدي البرلماني أبشرك أن والدة عمر فركي وعائلات كل الأطر العليا لن تنطلي عليهم مراوغاتك عندما تنزل لتستجدي أصواتهم وتبدع لهم في التبرير ألواناً وأشكالاً. لن يثقوا بك مهما كانت رموز أحزابك وردة أم قنديلاً أم مفتاحاً… لن يثقوا بك حتى إن كان القرآن شعارك وعلى حد قول الفنانة الشعبية نجاة عتابو(والثقة غالية والثقة غالية). فلقد طفح الكيل وعلموا كل ما قدمت يدك في الحكومة وما تقدمه. علموا أن أبناءهم في مجموعات المكفوفين، الذين بلغ عددهم 240 مازالوا يقفون أمام قبة البرلمان منذ سنوات، وأخر موعد لكم بهم هو الخميس الماضي، عندما لم تأخذكم بهم شفقة ولا رحمة فانهلتم عليهم ركلاً وضرباً أمام الملأ. لم تراعو كرامتهم وإنسانيتهم. وان مناضلي التربية غير النظامية مازالوا مستمرين وان خريجي التكوين التأهيلي هم الآخرين يقفون هناك .
إن موعدك بهم لقريب جداًٍ، حينها فقط يمكنك أن تستمع بهدوء لتأملهم البسيط واستغرابهم الذكي (بكري كانوا يجوا ويخرجوا أولادنا بزيز باش يدوهم يقراو واللي ما قراش مزيان يضربوه واليوم ولى اللي قرى مزيان وبزاف هو اللي كيوكلوه العصا ويقولوا ليه علاش قريتي ).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *