الرئيسية » مقالات » (عراقيون أولاً) وتأسيس مجلس الثقافة العراقي !

(عراقيون أولاً) وتأسيس مجلس الثقافة العراقي !

في الفترة الواقعة بين 14-16/5/2007 عقد في عمان, عاصمة المملكة الأردنية, المؤتمر الثاني لجمهرة من المثقفات والمثقفين العراقيين تحت شعار “عراقيون أولاً”. استطاع اللقاء الأول, الذي ساهمت فيه مجموعة كبيرة من المثقفات والمثقفين العراقيين من مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية, أن يشخص عبر الحوار المفتوح تلك المشكلات الثقافية الكبيرة التي عاني منها العراق أو لا يزال يعاني منها بالرغم من التحولات التي جرت فيه, وبالرغم من بروز نوعية أخرى من المشكلات التي تستوجب التداول بشأنها. وكانت الندوات التي عقدت قد نجحت في تحقيق ثلاثة أهداف, وهي:
1. تأمين لقاء واسع للمثقفات والمثقفين, وليس الغالبية, للتعارف وتبادل وجهات النظر وبلورة نقاط الاتفاق والاختلاف التي يمكن أن تبرز في الفكر والممارسة الثقافية وإزاء الآةضاع الجديدة التي نشأت في العراق في أعقاب سقوط النظام الدكتاتوري وثقافته الصفراء.
2. تشخيص المشكلات التي يمكن أن تواجه المثقفين والتي تبلورت في واقع انتشار رؤية طائفية سياسية تمارسها مجموعة من الأحزاب السياسية العراقية ذات الأصول الدينية الإسلامية على نحو خاص, والتي بدأت تهز وحدة المجتمع وتزيد من التناقض والصراع والنزاع على حساب إعادة بناء العراق وكنس الفكر الفاشي والديني الرجعي غير المتنور والطائفي السياسي من الثقافة العراقية وإحلال ثقافة ديمقراطية واعية وحرة محلها.
3. التحضير الأولي لاحتمال عقد مؤتمر تأسيسي لتشكيل مجلس ثقافي عراقي.
ويمكن القول بأن نجاح المؤتمر الأول سهل وساعد على التحرك لعقد المؤتمر الثاني التأسيسي. ولا شك في أن تنوع الحضور وحرية الحوار وتبادل وجهات النظر دون قيود لأو شروط أو محددات لعبت دورها في بلورة الوجهة التي يمكن أن يتجه نحوها المؤتمر التأسيسي.
شارك في المؤتمر عدد كبير من المثقفين قدر بأكثر من 200 شخص, ولكن عند التصويت بلغ عدد المشاركين فيه 102 من مجموع مثقفي العراق. وهو عدد صغير دون أدنى ريب بالمقارنة مع الحضور الأول من جهة, وبالمقارنة من عدد المثقفات والمثقفين المقيمين داخل العراق أو خارجه. ولهذا اعتبر المؤتمر المجلس الجديد الذي تم تشكيله منظمة واحدة من منظمات المجتمع المدني غير الحكومية التي تعمل في مجال الثقافة ولا تدعي بأي حال احتكاترها للعمل الثقافي أو تمثيلها لمثقفي العراق ولا يحق لأي جهة أرخى إدعاء ذلك, وهو أمر مهم يضع حداً للقيل والقال حول تمثيلها لكل المثقفات والمثقفين أو لجماعة معينة.
تضمن المؤتمر مناقشة نظام داخلي للمجلس المقترح أعدته لجنة تحضيرية, كما تضمن طرح مجموعة أوراق العمل الفكرية والثقافية في مجالات عدة للحوار حولها قدمها بعض المشاركين. وقد تميزت الحوارات بالصراحة والوضوح وتشخيص المشكلات والإشكاليات التي يعاني منها المجتمع العراقي من النواحي السياسية والثقافية والنفسية والاقتصادية والخدمية, وكذلك أوضاع المثقف والثقافة العراقية المتردية في المرحلة الراهنة, رغم الجهود التي تبذل من جانب المثقفات والمثقفين لتغيير هذا الواقع, إلا أن الفرص المفتوحة أمامهم نادرة جداً والكثير من القيود هي الحاضرة حالياً. وأن المجتمع بحاجة إلى المزيد من منظمات المجتمع المدني التي تعمل في مجال الثقافة وتسعى إلى تغيير الوجهة الراهنة صوب الحياة الثقافية الديمقراطية بعيداً عن الثقافة الطائفية السياسية الصفراء أو ثقافة السلطة المستبدة.
ومن المفيد الإشارة إلى ثلاث مسائل مهمة, وهي:
• كان اللقاء مفيداً لمن حضره, إذ حقق تعارفاً وحواراً بين مثقفين قدموا من الداخل وآخرين جاءوا من الخارج إلى عمان ليشاركوا معاً في بلورة ما يواجه المثقفين حالياً.
• كانت أجواء المؤتمر طيبة ودية, كما تميزت بالروح الديمقراطية والمنافسة في الترشيح لانتخابات الأمانة العامة.
• وكان المؤتمر ناجحاً وحقق الهدف الذي عقد من أجله, كما تقرر ان يكون المقر الرئيسي للمجلس في بغداد بغداد.
وإذا كانت أجواء المؤتمر إيجابية, فهل كانت هناك جوانب سلبية وهنّات في هذا المؤتمر؟ يمكنني تشخيص بعض الجوانب السلبية التي أحاول تشخيصها في النقاط التالية لا بهدف اللإساءة إلى المؤتمر والذين عملوا على التحضير له أو أبخاص دورهم في ذلك, بل من اجل الاستفادة منها في المؤتمرات القادمة أو بالنسبة لمن يريد أن يشكل منظمات أخرى للمثقفين داخل أو خارج العراق أو معاً:
1. تميز المؤتمر بحضور عدد محدود جداً من النساء المشاركات في أعماله, إذ لم يتجاوز عددهن عدد أصابع اليد الواحدة حقاً, وهو خلل كبير في ظروفنا الراهنة من جهة, والنضال المعقد الذي تخوضه المرأة في العراق من جهة أخرى, للتغلب على النهج الديني غير المتنور المهيمن على الحياة السياسية والثقافية في العراق والتي تكشف عنها التعليمات الخاصة بالمرأة التي أصدرتها القواعد الشعبية للتيار الصدري وميليشيا جيش لبمهدس الصدر مثلاً والتي تعتبر معيبة بحق المرأة والرجل في آن واحد.
2. غلبة العنصر العربي من المثقفات والمثقفين بحيث بلغت نسبة الحضور للعرب حوالي 96 %, في حين بلغ حضور الكرد والتركمان والكل أشور وغيرهم حوالي 4% فقط. والحديث لا يجري هنا عن المحاصصة الطائفية, بل عن وجود ثقافات في العراق ومثقفات ومثقفين من قوميات أخرى في العراق كان يفترض مشاركتهم بشكل جيد. وقد أثر هذا على واقع وجود هؤلاء بشكل مناسب في الأمانة العامة, كما أثر على قرار حول ذكر القوميات الأخرى في البيان الختامي أم الا كتفاء بشعار المؤتمر عراقيون أولاً. ولم يكن مقبولاً القول بأننا لم نعرف غير أثنين ودعوناهم للحضور, في حين أم مثقفات ومثقفي الكرد ليسوا كثرة فحسب, بل ومعروفين لدى الأوساط الثقافية العربية والعراقية, ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الشاعر المبدع شيركو به كس والشاعر الرقيق الدكتور رفيق صابر, والقاص والشاعر والصحفي المعروف مصطفى صالح كريم ووالرسام والصحفي كفاح محمود كريم وبعض الأخوة الصحفيين والكتاب والمبدعين الآخرين في الداخل والخارج. وينطبق هذا الأمر على الكتاب والشعراء التركمان أو الكلدان والآشوريين أيضاً.ً
3. كان حضور السياسيين المثقفين بارزاً ومتميزاً, وخاصة في اللجنة التحضيرية, في حين كان المفروض عكس ذلك.
4. وإذ جرى الانتخاب بصورة ديمقراطية لا غبار عليها, أود أن أشير بملاحظة مهمة أخبرت بعض أعضاء اللجنة التحضيرية والمشاركين في التحضير لهذا المؤتمر بما يلي, كما أشرت بهذه الملاحظة المهمة إلى الأخ الدكتور مهدي الحافظ شخصياً ليصله مني وليس عني, بعد أن علمت أنه يريد الترشيح لموقع الرئاسة للمجلس الثقافي العراقي, بأني أفضل أن يكون رئيس المجلس شخصية ثقافية بخلفية سياسية, وليس شخصية سياسية بخلفية ثقافية, بغض النظر عن الأسباب والعوامل التي دعت إلى ترشيح السيد الدكتور مهدي الحافظ رئيساً للؤتمر, كما أن القضية ليست موجهة ضد الدكتور الحافظ. شخصياً, بل هو موقفي المبدئي من هذه المسألة, إذ حين اقترح بعض الأصدقاء ترشيحي لهذا المنصب قبل عقد المؤتمر بفترة مناسبة شكرتهم على حسن النية والثقة ورفضت ابتداءً مثل هذا الت شيح للسبب عينه, وليس لأي سبب آخر, وهكذا كان موقف بالنسبة للأمانة العامة. نحن بأمس الحاجة إلى سياسيين بخلفية ثقافية جيدة في الحياة الحزبية وفي القيادات الحزبية, ولكننا بحاجة إلى مثقفين بخلفية سياسية مدنية في الحياة الثقافية, لكي نفسح في المجال لتطور المجالين وفق أسس سليمة وبعيداً عن الهيمنة التي عاشتها الثقافة للسياسيين طوال عقود عديدة.
5. وملاحظة أخيرة لا تؤثر على وجهة المؤتمر الديمقراطية أشير هنا إلى أن حديثنا عن الشعار المهم “عراقيون أولاً” لا يعني بأي حال ولا يجوز أن ننسى وجود قوميات أخرى في العراق لها حقوقها القومية والثقافية التي لا ييمكن عدم ذكرها بحجة أننا نعمل في مؤتمر تحت شعار “عراقيون أولاًً. وأرجو هنا أن لا أفهم خطأ حين أورد المسألة التالية التي وجدتها في كتب خطب وتصريحات صدام حسين: في التثقيف الذي كان يجريه صدام حسين مع الصحفيين والكتاب العراقيين كان يؤكد باستمرار بوضوح كبير ضرورة تأكيد عراقيتنا, نحن عراقيون, لكي ينسى الناس وجود قوميات أخرى في العراق, إذ أن الإحساس سيبقى عربياً فقط وينسى الناس وجود قوميات أخرى. هذا الأمر لا يسري على منظمي المؤتمر في عمان حسب معرفتي بأغلبهم, إلا أن عدم ذكر القوميات الأخرى بحجة نحن “عراقيون أولاً”, وعدم ذكر الكرد والتركمان والكلد أشور بالاسم, لم يكن مناسباً بأي حال ويثير حساسية القوميات الأخرى دون أدنى مبرر ولا يأخذ مشاعر الآخرين بنظر الاعتبار. ولو كان عدد الكرد والعناصر الأخرى من قوميات أخرى أكبر مما وجد في قاعة المؤتمر لما حصل مثل هذا الموقف, إذ أن وجود كثرة عربية بنسبة حوالي 96 % من مجموع المشاركين كان لها الأثر البارز على ذلك.
أتمنى للأمانة العامة لمجلس الثقافة العراقي النجاح في خدمة الثقافة العراقية بتعددها وتنوعها وخدمة المثقفات والمثقفين, كما ارجو النجاح لكل المنظمات والهيئات والمهرجانات التي تسعى لإبراز دور وأهمية وضرورة وحاجة الشعب للثقافة الديمقراطية وإبراز دور المثقفات والمثقفين في حياة المجتمع العراقي.
31/5/2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *