الرئيسية » مقالات » لننحني خاشعين أمام ضحايا حلبجة !

لننحني خاشعين أمام ضحايا حلبجة !

أمام نصب شهداء الدكتاتورية الصدامية الغاشمة وضحايا السلاح الكيماوي والمغيبين في مجازر الأنفال في حلبجة الباسلة وفي إقليم كردستان العراق وقفنا خاشعين ووضعنا باسم “التجمع العربي لنصرة القضية الكردية” أكليلين من الزهور أمام النصب التذكاري حيث ترفع الأم الكردية الخالدة, التي فقدت الأبن والبنت والزوج والأب والعم والأخ والأخت والأحفاد والأقارب وكل شيء تملكه إلا أملها بوطنها كردستان وبشعبها الكريم المناضل وحنينها لحياة حرة كريمة ومزدهرة, يديها نحو السماء صارخة بوجه الطغاة المجرمين:
نحن هنا سنبقى على أرضنا الطاهرة رغم أنف الطغاة, لن تستطيعوا اجتثاثنا, لن تقضوا علينا أيها القتلة المجرمون, وسيبقى الإنسان الكردي حاملاً بوعي راية الحرية وشعلة الحياة الأزلية عالياً في وديان وسهول وجبال كُردستان الشامخـة, أما أنتم أيـها الأوباش السفلة الذين ولغتم في دم الشعب ودستم على كرامته وسرقتم حقوقه وحرمتموه من أحلامه وتحقيق آماله طويلاً فستنتهون إلى قـير وبئس المصير…!

كانت الرغبة جامحة في زيارة المدينة الباسلة حلبجة, فانطلقت بنا السيارة صبيحة يوم الأربعاء المصادف 9/5/2007, القاضي السابق والصديق الكاتب الأستاذ زهير كاظم عبود وأنا برفقة الأستاذ محمد عثمان أمين رئيس مكتب الإنصات في الإعلام المركزي ممثلاً عن المكتب المركزي للإعلام للاتحاد الوطني الكردستاني قاصدين مدينة حلبجة. لقد رجونا الأخوة في الإعلام المركزي تنظيم هذه الزيارة فاستجابوا مشكورين. وقد أغرقنا الصديق الأديب الأستاذ مصطفى صالح كريم, نائب رئيس تحرير جريدة الاتحاد, بكرمه وفضله حين رتب لنا هذه الزيارة واتصل بالقائممقام ليسهل لنا مهمة الاطلاع على المدينة وما أنجز فيها وما لم ينجز ومشاريع الحكومة القادمة, إضافة إلى التعرف على هذه المدينة الباسلة ويساعدنا على المشاركة في التعبئة لصالح سكانها.
في الطريق إلى حلبجة مررنا بمدينتي عربت والسيد صادق وقرى أخرى كثيرة, وكلها عانت الكثير في فترة الحكم الدكتاتوري أيضاً وفقدت الكثير من أبنائها وبناتها وبعضها سوي مع الأرض من قبل أجهزة البعث الفاشية. وفي الطريق انشغل تفكيري بما سوف اراه في هذه المدينة التي فقدت في شهر أذار من العام 1988 أكثر من 5000 إنسان بين طفل وصبي وامرأة ورجل من مختلف الأعمار في دقائق معدودة لا غير, كما سقط أكثر من 5000 إنسان جريح بسبب ضربات القنابل العنقودية والنابالم ثم قصف المدينة وسكانها بقنابل الغازات الصفراء السامة, إضافة إلى تدمير غالبية دور السكن والمدارس والمستوصف وبقية البنية التحتية ولوثت الهواء والمياه والأرض الزراعية وما تبقى من دور السكن.
وصلنا إلى دائرة القائممقامية في حلبجة ودخلنا إلى غرفة السيد القائممقام الذي كان قد بلَّغ بزيارتنا, فاستقبلنا بفتور كبير لا يصدق ولا نعرف عذراً له سوى تعبه من استقبال الوفود وعدم رغبته بتكرار الحديث عن المدينة ومصائبها أو عن مشاريعها. وحين حاولنا الحديث معه أجاب بصواب ما نقول دون مناقشة, ثم بدأ بمطالعة كتب رسمية وكأننا غير موجودين, وكأنه أراد أن يقول لنا بفصيح العبارة “اغربوا عن وجهي أيها الدخلاء!”. والغريب أن قائممقام حلبجة لم يسمع يوماً باسم الأستاذ القاضي السابق والكاتب زهير كاظم عبود الذي كتب الكثير عن حلبجة وعن القضية الكردية ومن أبرز مؤسسي التجمع العربي لنصرة القضية الكردية ومن الذين ظهروا على شاشة التلفزيون الكردستاني كُرد سات وكردستان تي في, رغم محاولات الصديق السيد محمد عثمان أمين الإشارة إلى ذلك.
سارعنا بتوديعه بعد أقل من خمس دقائق من جلوسنا معه. وأثناء توديعه الفاتر لنا, عنَّ له أن يدعونا للغداء, وكأننا جئنا من أجل ذلك, فاعتذرنا وغادرنا غرفته ومبنى القائممقامية صوب السيارة التي أقلتنا برفقة السيد إبراهيم فرج الله حمه ويس الهورماني, مدير الدائرة الثقافة في المدينة, لوضع أكليلين من الزهور عند قدمي السيدة أم شهداء الكُرد في المنطقة التي تضم رفاة رمزية لمئات والاف الشهداء, وقد كتبت أسماء جمهرة كبيرة من الشهداء على شواهد صفت بطريقة هندسية جميلة لتذكرنا بإولئك الذين غادرونا مبكراً بالرغم منهم وبقرار من الدكتاتور الذي تميز بذهنية عنصرية مقيتة وسادية مجنونة ساعده في ذلك ابن عمه المجرم العاتي علي حسن المجيد, علي كيماوي كما يطلق عليه الناس في كُردستان العراق. ثم شاهدنا المناطق التي قصفت في المرة الأولى بالنابالم والقنابل العنقودية, ثم بالسلاح الكيماوي حيث سقط المئات تلو المئات قتلى وجرحى. كان السيد إبراهيم فرج الله حمه ويس الهورماني, الذي دلنا على النصب الكبير والمكتبة والمتحف التي دمرت كلها على أيدي عناصر الإسلام السياسي المتطرفة والإرهابية وبعض الناس البسطاء الذين اندفعوا بتحريض من هؤلاء يمارسون الفعل القبيح بتدمير المكتبة والنصب والمتحف باعتباره عملاً احتجاجياً بائساً وسيئاً على عدم الاهتمامم الكافي بالمدينة وخدماتها وعائلات ضحاياها. من حق الناس أن يحتجوا وأن يتظاهروا وأن يوصلوا أصواتهم إلى المسئولين, ولكن بطريقة حضارية وسلمية وبعيداً عن التدمير والتخريب الذي لا يمارسه إلا من فقد النية الحسنة إزاء المدينة وأهلها.
ثم رافقنا السيد إبراهيم فرج الله حمه ويس إلى مديرية الثقافة العامة حيث قدم لنا بعض المجلات التي أصدرتها المديرية عن الطفولة في كُردستان وبين لنا أوجه التعاون بين مدينتين في بريطانيا وحلبجة لتبادل لوحات تشكيلية من عمل الأطفال, كما شرح لنا بعض الأمور المهمة حول المجزرة ومسرح الجريمة التي ارتكبها الدكتاتور صدام حسين وعلي حسن المجيد (الكيماوي) وبقية القتلة المسؤولين عن وضع وتنفيذ هذه الجريمة وبقية جرائم الأنفال. وقد عوضنا تعويضاً جيداً عما لاقيناه لدى القائممقام وشاهدنا الفرق بين من يتصرف برغبة الصعود الوظيفي ومن يتصرف بحمية المواطن الذي فقد أحبة له من أهل المدينة.
ما تزال المدينة القديمة في حالة إعادة إعمار. فقد بدأت السلطات المسؤولة في محافظة السليمانية بتنظيم المجاري وتوفير مياه الشرب وخدمات الهاتف, لتبدأ بعدها بإقامة وتبليط الشوارع التي ما تزال تعج بالمارة والغبار يلفهم وتعرجات الأرض تحذرهم من احتمال السقوط في حفرها الصغيرة. لقد أعيد بناء الكثير من دور المدينة على عجل لكي يجد الناس لهم مأوى يحميهم من برد الشتاء وحر الصيف الشديد. ولكن على مقربة من دور المدينة القديمة التي أعيد تعميرها, بدأت تظهر المجمعات السكنية الجديدة, كما لاحظنا حركة دؤوبة في الشوارع وحركة عمرانية نشطة نسبياً. لقد أعيد بناء المدارس والمستوصفات وما هو أساسي للناس. ولكن المدينة التي نريد رؤيتها ما تزال بعيدة عنا. فأنا أرى وأقترح أن تبنى مدينة جديدة تحمل اسم “حلبجة الجديدة” وبجوارها تبقى حلبجة القديمة لتقدم للزائرين الصورة الحية لأفعال الطغاة الساديين والعنصريين في العقد التاسع من القرن العشرين. ومن أجل إقامة هذه المدينة النموذجية لا بد من:
1. تشكيل لجنة دولية واسعة تضم شخصيات معروفة من مدن عانت من نفس المصائب والكوارث تقوم بوضع برنامج لإحياء المدينة وفق أسس جديدة, ومنها أن تقوم بما يلي:
2. وضع مخطط عام وجميل لبناء مدينة حديثة بأرقى المواصفات ومن قبل مهندسين معمارين من مختلف دول العالم وفيها مختلف الخدمات الاجتماعية والاتصالات الحديثة.
3. أن تقوم العديد من مدن العالم المعروفة بتقديم منح استثمارية لبناء أحياء وفق الهندسة التي يتفق عليها ويأخذ الحي اسم تلك المدينة المتآخية مع حلبجة وتكون الاستثمارات هدية لها ولأهل المدينة وكردستان.
4. أن تقوم حكومة إقليم كردستان ومحافظة السليمانية بطلب تعويضات من الدول الأوروبية ومن الولايات المتحدة والشركات الأجنبية التي ساهمت بتقديم الأسلحة الكيماوية أو موادها الأولية أو خبرتها ومعارفها من أجل إنتاجها في العراق إلى النظام العراقي لتصرف على إقامة المشاريع الخدمية في المدينة الجديدة وتعويض السكان بما يليق بما تحملوه من كوارث ومحن.
5. أن تخصص الحكومة العراقية في بغداد مبلغاً كبيراً من الخزينة المركزية لبناء المدينة الجديدة وتقديم التعويضات المجزية لضحايا المدينة الباسلة.
6. أن تقوم حكومة الإقليم بتخصيص مبالغ مالية لإقامة دور السينما والمسارح وقاعات للمعارض التشكيلية والفرق الفنية …ألخ.
7. أن يقام نصب تذكاري يشارك فيه أكثر من فنان كردي وعربي وغيرهم في المدينة وأخر في بغداد ليبقى يذكرنا بالجريمة البشعة التي نفذها العنصريون من العرب العراقيين في مجازر الأنفال. وتكليف الفنان النحات الكبير محمد غني بوضع تصاميم نصب حلبجة وأن يقوم فنان كردي بوضع تصاميم النصب الخاص بحلبجة في بغداد.
8. أن يقام متحف لعرض صور وملابس وأحذية الضحايا وحاجات وبعض من بقاياهم فيه.
9. أن يجري احتفال تأبيني كبير لضحايا حلبجة والأنفال في الذكرى العشرينية التي تصادف في العام 2008 في السليمانية أو في حلبجة ذاتها.
10. وأخيراً وقبل كل شيء أن يجد العاطلون عن العمل عملاً لهم في مدينتهم الجريحة.

أملي أن لا يبقى هذا حلماً وأملاً, بل حقيقة ينفذ خلال السنوات العشر القادمة. إن مدينة حلبجة الكردستانية العراقية تطالبنا بالدين الذي في أعناقنا وعلينا الإيفاء به. لقد شاهدت الناس يعملون ويتحركون بدأب, ولكن ما تزال الكآبة ترتسم على وجوه الناس من هول تلك الجريمة التي نجوا منها ولكنهم فقدوا الكثير من الأهل والأحبة والأصدقاء, كما أن عدد العاطلين عن العمل ليس بقليل.
سيبقى اسم هذه المدينة وبقية المدن التي عانت من جرائم الإبادة الجماعية وضد الإنسانية خالداً, كما بقيت أسماء هيروشيما وناغازاكي وغيرها عالقة بقوة بإذهان الناس لتذكر الجميع بما حصل والذي يفترض أن لا يتكرر في أي مكان آخر من العالم.
علينا أن نقرع الأجراس كل عام وفي يوم محدد في هذه المدينة الشهيدة ليرى ويسمع الناس في كل مكان والزائرين من داخل وخارج العراق ما فعله المجرمون القتلة في هذه المدينة الريفية الواقعة على الحدود العراقية الإيرانية في كُردستان العراق.
الخلود للشهداء الأبرار
تحية وألف تحية لعائلات وذوي الشهداء
وبؤس العاقبة للمجرمين الذين وضعوا الأساس لعمليات الأنفال ونشر سموم الكيماوي على حلبجة ثم خططوا لها ونفذوا تلك الجرائم البشعة بحق الإنسان في كردستان.

السليمانية- أيار/مايس 2007 كاظم حبيب
مجلة رؤية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *