الرئيسية » مقالات » التاريخ يتكلم الحلقة 86 الحياة البدائية على الاراضي التركية

التاريخ يتكلم الحلقة 86 الحياة البدائية على الاراضي التركية

الساعة الثانية بعد منتصف الليل ونحن مبللون. زود كل واحد منا ببطانية ولكن هذه المرة دون اشعال نار تدفئنا لاسباب امنية . نمنا حتى السادسة صباحا ونهضنا قبل بزوغ الشمس خوفا من طلعات الطائرات التركية المستطلعة. في الصباح الباكر ناداني شخص ضخم طويل القامة اسمر اللون قال ” تعالي هنا ” ذهبت راكضة، “ما اسمك؟” قلت “سعاد ، قال:” الا تتذكرينني؟ انني الملازم خضر ابو ياس ، كنا اصدقاء قبل سفرك الى موسكو، كم من الايام قضيت مع والدك في بيتكم.” حينئذ ادركت انه صديق والدي فسررت لذلك كثيرا ونسيت ما انا فيه من مشقة وتعب. جلسنا نتحدث في الامور والمستجدات السياسية؛ عن الكفاح المسلح ومدى فاعليته في اسقاط النظام العراقي، استشفيت منه بانه مقتنع تماما بان ذلك النظام لا يتقوض الا بقوة السلاح، فرسخ ايماني اكثر بالكفاح المسلح. تشعب الحديث وتناول سياسة الاتحاد السوفييتي الخارجية وعلاقته بالنظام العراقي والتي ينطلق فيها من مصالحه الذاتية متناسيا حركات التحرر الاممية ومن صلبها حركة التحرر العراقية والحركة الكردية. سيل من الاسئلة المحرجة كان يتهرب من الاجابة عليها اذ كانت وجهة نظره انه علينا الاعتماد على انفسنا في اسقاط النظام، اذ بقوة السلاح يتقرر مصير كردستان ومن ثم العراق، فالنضال بحاجة الى كل التضحيات، انهينا الحديث عند ذلك المفترق لانه كان مع مفرزة كبيرة من خيرة مقاتلي البيشمركة في مهمة لجلب السلاح من سوريا. انه مشوار شاق طويل محفوف بالمخاطر.
الكلي مكلل بالاشجار الخضراء الضخمة وكان ثمة نباتات شوكية هنا وهناك. السابعة صباحا كان موعدنا مع فطور جيد وهذا يعني خبزا كافيا مع قدح كبير من الشاي الاسود وقطعة جبن بحدود 200 غم. فشعرنا بالارتياح. بدأ الرفاق باضرام النار، ففي النهار كان ذلك ممكنا. ملابسنا لا زالت مبتلة والآلام المبرحة لا تفارق اقدامنا والفقاعات المائية في اصابعنا. يجب التخلص من تلك الفقاعات بتعقيم ابرة خياطة بالنار ومن ثم ندعها تنفذ في تلك الفقاعات ليتسرب منها الماء ثم نجففها بمنديل نحمله (اليشماغ او الجمداني) وهو منديل كبير منقط بالاسود والابيض يوضع على الرأس اتقاء لحرارة الصيف وبرودة الشتاء.
تحت كل شجرة من تلك الاشجار مجموعة من الاخوة البيشمركة موزعين في الكلي، لا يأتون حراكا متحمسين للذهاب الى سوريا للحصول على السلاح. قدم الينا احدهم يسأل ان كان بيننا طبيب او طبيبة، فلديهم رفيق مريض، الرفيق ابو داود الاسمر الرفيق العربي اخبره بان لديه خبرة طبية بسيطة، الرفيقة اشواق اجابت من مكانها انا طبيبة، ذهبنا معا لمعاينة ذلك الرفيق الذي كان يشكو من سوء تغذية شديدة وكآبة قاتلة؛ ارهاق جسدي ونفسي. اعطته الرفيقة بضعة اقراص من الاسبرين مع مروخ (فيكس) ودلكت ظهره بالمروخ، وكان يشكو من آلام مبرحة فيه. رجعنا لتناول الغذاء، الشعور بالدفء شيء لذيذ. عاودنا النوم حتى وجبة العشاء، بدأنا نتعرف على بقية الرفاق تدريجيا. احد الرفاق واسمه كوفان من صناطي سألني: هل انت اخت الرفيق سعيد ؟ اجبته كيف عرفتم ذلك؟ قال لديك شبه كبير به”. في اليوم التالي جاءنا شاب وسيم اشقر يناهز العشرين عاما وقدم نفسه قائلا: ” انا صلاح ابن ابو جوزيف، الا تعرفينني؟” غمرني السرور بلقائه وسألته عن والده ووالدته وشقيقه منير الذي اعتقل قبل عام. وسألته عن والدي ووالدتي واخوتي وهل بينهم من هو في الجيش؟ قال لا احد فاخوك خالد سرح بعد بتر قدمه”. صرخت: كيف بترت قدمه؟” عرف للتو بانني كنت اجهل ذلك وشعر بحرج ومرارة فاستدرك قائلا: الا تعلمين ان خالد قد جرح في بداية الحرب الايرانية بانفجار لغم ارضي ومكث اشهرا طويلة في المستشفى؟”. تذكرت في حينها انني كنت ولايام متتالية ولفترة طويلة احلم باخي وهو غائص في مستنقع يطلب النجدة، وعبر الرسائل الى اهلي كنت اسألهم عن اخباره واخبار بقية اخوتي، كانت العبارة التقليدية ” الكل بخير “. زحفت استند الى جذع شجرة مورقة من اشجار البلوط واخذت اجهش بالبكاء الصامت والحسرة تعتصر فؤادي لما الم بأخي، كنت احدث نفسي واقول: عزيزي خالد كم حلمت بك؟ كنت دائما في وضع من يطلب النجدة من الوالد.” مسحت دموعي وتمالكت نفسي ورجعت الى رفاقي وكأن شيئا لم يكن، فالبكاء علامة الضعف والتخاذل في عرف المناضلين! وهذا ما كنت لا ارغب فيه على الاطلاق. كنت احاول دائما ان اكون قوية متماسكة.
الساعة الثانية عشرة ظهرا وبينما نحن منهمكون بتناول الغذاء نادى الحرس: طيران!” الصمت والهدوء اطبقا على المكان. الطائرات تقترب، كانتا طائرتان مروحيتان تركيتان حلقتا لفترة قصيرة تستطلعان الوادي. الكل مختف تحت الاشجار، مرت الطائرات دون التعرض لنا. انها طائرات استطلاع.
مكثنا في الوادي ثلاثة ايام، شعرنا خلالها بتحسن ملحوظ في اقدامنا ثم وصلتنا مفرزة اخرى من الرفاق من سوريا قوامها 15 شخصا، نحن الملتحقون حديثا كنا موضع تندر للرفاق القدامى، كانوا يطلقون علينا ,(نحن القادمون من اوربا بزر جكليت) يصفوننا على سبيل التندر باننا تربينا في مجتمع الدلال والغنج! غافلين عن معاناتنا في الغربة والاحباط لما لمسناه من تناقضات في سياسة المعسكر الاشتراكي في الموقف من حركتنا السياسية. الرفاق القادمون من الداخل (البيشمركة القدامى) يختلف نمط تفكيرهم عن تفكيرنا، فهم متخلفون في فهم وتحليل الوضع السياسي وليس لديهم ادنى معرفة بالوضع الدولي. لمست ذلك حتى لدى الرفاق القياديين الذين لقيتهم وانا راجعة من اوروبا. ولم يكن امامي غير السكوت على مضض.
بعد ثلاثة ايام تبلغنا بالرحيل ثانية مع الرفيق آمر المفرزة الرفيق البصراوي العربي بسيم، ورفيق تركي، نحيف القامة قروي التصرف. كنا خمسة عشر رفيقا ومعنا ثلاثة بغال قوية، ضخمة، محملة لا نعلم بماذا، فالسؤال كما اسلفت محرم. بدأنا المسير في الساعة السادسة مساءً كل متسلح ببندقيته والحقيبة العسكرية على ظهره. علمنا ان المرحلة المقبلة صعبة وشاقة ومحفوفة بالمخاطر.
في اليوم الاول او الثاني – لا اتذكر – وصلنا نهر الهيزل الساعة الحادية عشر مساءً، نظر التركي الى الماء وقال لي انت رفيقة شجاعة (زيركة) فهمت قصده فالكلمة نفسها تستعمل بالسريانية لغتي الام ، ونصحني بان لا اعبر وحدي، اخبرته بانني اعرف العوم، فقال السباحة شيء وحمل السلاح شيء آخر. التفاهم بيننا كان يتم بصعوبة لانه لا يتكلم غير اللغة التركية والكردية وانا اتكلم قليل جدا من الكردية . كان امر المفرزة مهتم جدا بالبغال اكثر من اهتمامه بنا، عبرت الحيوانات قبلنا وبعد اطمئنانه عليها مد يده لي وعبرنا الهيزل، كنت اخمن ان في تلك الحمولة اسلحة مهمة.
كان في انتظارنا مجموعة من الاشخاص وتكلم معهم الدليل ( كردي تركي) وقادونا الى كلي قريب كان يمكث في الكلي ارفاق ابو وسن ابو هدى البصراوي ورفيق اخر لا اتذكر اسمه ، كنت اعاني من رضوض في قدمي اليسرى وبعدها تابعنا السير الى كلي آخر مكثنا فيه اربعة ايام، نفذ الطعام الذي بحوزتنا فارسل الرفاق الاكراد الاتراك جماعة الاتراك للحصول على الطحين. بدأنا بخبز الطحين، الرفاق يعجنون ويهيئون الخبز الحار على الموقد (الصاج)**.
في الكلي كان هناك كوخ صغير مهجور مبني من الحجر والطين كانت مجموعتنا تتكون من 15 رفيقة ورفيق ومكثنا في الكوخ سبعة ايام، شيخ كردي من القرية القريبة كان يأتي الينا على ظهر دابته بالارزاق من دقيق ورز ودهن وملح وبطاطا وسيكاير وبصل وشاي وجبن ابيض، استمر هذا سبعة ايام متتالية، والمطر يهطل بغزارة ونحن جالسون القرفصاء في الكوخ حيث لا مجال للخروج، سقف الكوخ يصب علينا الماء الممزوج بالطين، البطانيات ابتلت مثلنا نحن ايضا. البرد لا يطاق. اشعلنا النار وكنا نحيط بها لنجفف ملابسنا المبللة ونأخذ قسطا من الدفو ، عيوننا محمرة ينهمر منها الدمع من الدخان لا مخرج للدخان من هذا الكوخ البائس ، فلقد كنا نتخوف من القرقول*** التركي. الحراسات مستمرة ليل نهار بالرغم من غزارة المطر، يتبدل الحرس كل نصف ساعة فيرجع ليجفف ملابسه، كانت وسيلتنا للوقاية من المطر في الخارج هي كيس نايلون صغير نضعه فوق رأسنا وآخر فوق فوهة البندقية، اما الحرس فكان عليه ان يرصد في اعلى قمة يشرف على المنطقة ويراقب حركة الشارع، وكان الجبل يطل على مفترق الطرق ولحسن الحظ فالقرقول التركي المحمول بالسيارات العسكرية لم تخرج دورياته في تلك الايام الممطرة.
في الساعة السادسة صباحا من اليوم الخامس نادى الحرس باعلى صوته: انهضوا يا رفاق! قرقول قادم الينا بسرعة رهيبة! نهضنا على الفور وارتدينا ملابسنا وحملنا اسلحتنا *** القرقول:- كلمة تركية تعني حرس الحدود المجند.
الصاج:صحن حديدي مقعر الشكل يوضع فوق حجرين كبيرين بينهما نار قوية توضع فوقه رقيقة العجين فتغدو خبزاٌ.

والتحق الحرس بنا، تاركين الكوخ، متوجهين الى كلي بعيد لنتوارى عن انظار القرقول. مسح القرقول المنطقة على عجل ونحن مختفون تحت الاشجار، نراقب عن كثب حركة السيارات. بعد ساعات قفلت تلك الدورية راجعة الى قواعدها ونحن ايضا رجعنا الى قاعدتنا (الكوخ) وتناولنا افطارنا كنا نتوقع قدوم القرقول في الليل ثانية، فلزمنا التأهب والحيطة والحذر، طيلة الايام الممطرة كنا نتدثر بالبطانيات وهي مبتلة ولم نكن نشعر بذلك بسبب النار المتقدة داخل الكوخ.
كنا نذهب في الايام المشمسة الى ينبوع ماء يبعد عنا مسافة نصف ساعة، فكرت انا والرفيقة صمر بغسل شعرنا ولكن لم يتوفر لدينا صابون. جربنا معجون الاسنان، بدأت انا والرفيقة سمر تسكب الماء شديد البرودة على رأسي ولكن ازالة معجون الاسنان عن الشعر كانت عملية صعبة جدا ولكنها كانت ناجحة بالنسبة لنا الى حد ما. في نفس اليوم كانت قدمي اليسرى تؤلمني، قام الشخص نفسه الفلاح القروي بتدليكها بطريقة بدائية وربطها بقطعة قماش من البشتين ( الحزام القماشي الذي نستعمله) تحت الحزام العسكري تعافيت بعدها وتمكنت من مواصلة الطريق، لم نكن نعلم او نتقصى عن سبب تواجدنا في ذلك الكلي، فالاجابة عند آمر المفرزة وعند الاستفسار كان يرد انه قرار عسكري!. بدأنا نشد الرحال في اليوم السابع، كانت ليلة مقمرة فتأخرنا بانتظار غياب القمر لان ضياءه يفضح تحركاتنا. كان الرفيق ابو سحر البصراوي (الشاب الوسيم وهو في عز شبابه كان طالب في كلية الهندسة قبل التحاقه بقوات البيشمركة) ذو معرفة سابقة بأخي سعيد، قال لي: انت اخت سعيد واختي بنفس الوقت. ولهذا مغزاه عند العراقيين اذ يعني، أني سأكون معه في أقصى الامان. امرني بالسير وراءه مباشرة، قال ان ارض العراق على قاب قوسين او ادنى وسندخلها هذه الليلة. منتصف الليل واجهنا مرتفع جبلي حاد استغرق منا صعوده سبع ساعات. ذهب ابو سحر لاستطلاع المنطقة وهو يتلفت يمينا وشمالا وجنوبا؛ الهدوء يعم المنطقة ولا يقطعه غير هسيس ريح ناعمة بالرغم من اننا كنا على قمة الجبل. امرنا الرفيق بسيم امر المفرزة بالسير بحذر وهدوء بالغين والبنادق بايدينا. كان هذا مؤشر خطر داهم، بعد نصف ساعة قال الرفيق ابو سحر : سعاد! انت الآن تسيرين على الارض العراقية! سألته واين الحدود؟ فاجاب: لا توجد حدود فوق قمم الجبال. هناك فقط، ربايا موزعة بين الطرفين العراقي والتركي والخطر يأتي منهما معاً.” كان الرفيق ابو سحر يتقدمنا وهو يحمل (RBG) . انه سلاح معركة ثقيل عبارة عن صاروخ قاذف صغير يحمل على الكتف. سألني: ما هو شعورك الآن؟” اجبته: “انا الآن اسعد من مدام كوري عندما اكتشفت عنصر اليورانيوم” ضحك ملء شدقيه وكانني القيت نكتة.” اخبر جميع الرفاق بما اجبته به، فضحكوا بدورهم وبادرني احدهم قائلا: لا اعلم ان كان هذا جواب علمي او سياسي او انساني.
بعد مشوار دخلنا قرية (صناطى) الجميلة التي تحيطها عيون الماء الرقراقة قرية كلدانية مسيحية هجر اهلها ضمن حملة التهجير الواسعة لطيلة السنوات التي مضت ، اشجار الجوز المكللة بالثمر الاخضر، تجاريها اشجار اللوز والرمان والتين والسفرجل ، طبيعة ساحرة ولكنها لا تعدو كونها اطلالاٌ مهجورة. سأل آمر المفرزة: من يخبز لنا على الصاج؟” تبرعت انا مع الرفيقة سمر بذلك. بعد ساعة كان الفطور جاهزا، الرفاق في بهدينان متشوفين لوصولنا والاخرين الذين يجلبون الحيوانات الثلاثة المحملة بالعملة النادرة يرقصون فرحا لان العملة النادرة الان على الاراضي العراقية ولازلت لحد هذه اللحظة لم اعرف ماهي هذه العملة النادرة ، اوقدوا النار لتحضير الشاي. كنا قد نسينا مذاقه لعدة ايام لعدم استقرارنا في مكان نستطيع فيه تهيئة الشاي. نحن الآن في وضع ممتاز، الرفيق ابو بسيم وابو سحر ذهبا ليرجعا ومعهما الصاج واباريق الشاي التي كانا قد خبأها في كهف هناك (بالكردي شكفتة) ومعها بقية المستلزمات التي نحتاجها في الطريق من اقداح وسكر ودقيق وقدر اسود فاحم للطبخ. وقودنا كان الاعشاب وقطع الخشب المتوفرة في المنطقة. هيئنا وجبة الفطور مع الشاي, كانت سعادتنا لا توصف ونحن نتناول اول وجبة على ارض الوطن الحبيب. هذا فضلا عن نجاحنا في اجتياز تلك الطرق المحفوفة بالمخاطر ووصولنا الى ذلك المكان بأمان.
نحن الآن ” بيشمركة”!. قضينا النهار كله متجولين بين البساتين المهملة لتلك القرية المهجورة. كان يبدو من آثار الكنيسة الباقية انها قرية مسيحية. قضينا نهارين في هذه القرية ثم اكملنا المشوار مساءً بعد المغيب، متوجهين الى مقر بهدينان. اخذنا ما يكفي لستة وجبات غذاء، وحين وصلنا بهدينان اليوم الثاني الساعة السادسة مساءً كنا واصلنا المسيرة حتى في النهار لان المنطقة كانت مؤمنة. سرنا اكثر من 14 ساعة متلهفين للوصول الى مقر قيادة القاطع الذي كان على مقربة من الحدود التركية. وهكذا وصلنا مقر (هيكمالا) لاجد هناك الرفيق علي رسول الذي كان قد سبقني من موسكو بحوالي سنة، ملتحقا بقوات البيشمركة. مقر هيكمالا يبعد عن المقر الرئيس ثلاثة ساعات على ما اظن مكثنا ليلة لنرتاح . سألت عن اخي باسل قال انه في سفر مع القائد ابو جوزيف لحضور اجتماع في السوران. حينئذ علمت بانني سالتقي باخي العزيز بعد ايام معدودة وكذلك بابي جوزيف. وبعد ساعات من المسير وصلنا مقر القيادة واستقبلنا الرفيق ابو يعقوب الاثوري دنخا البازي نائب القائد ومسؤول القاطع مؤقتا. استقبلني بحفاوة وود كبيرين، فهو صديق والدي وصديق العائلة. لكن ما ان عرفت بحمولة تلك البغال حتى تجمع الرفاق حولها بسرعة خارقة كل يبدي حماسته للمشاركة في انزال الحمولة. كان الكل فرح باستقبال البغال المحملة بالسلاح اكثر من فرحه بقدوم رفاق مثقفين من الخارج!. لم اصدق حين رأيت رفيقاً يقبل البغال من رأسها بعد انزال حمولتها! ذلك انها التي جلبت لهم الصواريخ.
الرفيقة ام ازدهار العربية ببزتها العسكرية. امرأة قصيرة القامة، جميلة المنظر، شعرها اصفر ذهبي مجدول الى الوراء، عيون زرقاء جذابة. صعدت من الاسفل وهي تلهث (انها حامل) في الاشهر الاخيرة. سعادتها لا توصف، تطلق الزغاريد واحدة تلو الاخرى بنغم متواصل قوي وجميل. انها عادة العراقيات في الافراح والاعراس. كانت سعيدة لوصول تلك الحمولة فهي صواريخ ارض جو مضادة للطائرات، تدخل كردستان لاول مرة، وستعيق بلا شك طيران العدو، فالطائرات المقاتلة كانت تشل حركة البيشمركة وكانت تمثل عزرائيل نفسه. الآن سيكون بيد المقاتلين سلاح متطور سيقلب الميزان العسكري ويتيح زخما وحركة افضل للبيشمركة.
استغرق الطريق من سوريا الى بهدينان بحدود (60) يوما، وها هم الرفاق والرفيقات يستقبلوننا اخيرا، بحرارة. باشرنا بتسخين الماء فعملية اعداد الحمام لا تخلو من صعوبة. بدأنا بالاستحمام الواحد تلو الآخر، فيما كانت تعد وجبة العشاء، شوربة عدس ساخنة مع خبز، خلدنا الى الراحة والاسترخاء لايام ثلاثة، فالعرف العسكري والنظام يقتضيان ان يتمتع الرفيق القادم من السفر بفترة للراحة والنوم، اما الاستيقاظ فيكون في الساعة السادسة صباحا، حين ينادي الحرس: نهوض يا رفاق! خلال ذلك يعد خفر آخر شاي الصباح والفطور ثم يبدأ الاستعداد العسكري، كل شيء جديد، الطبيعة الجغرافية، اوجه جديدة مختلفة، الزي العسكري، الروح العسكرية والاوامر والانضباط. نقاشات سياسية متكررة، طعام متكرر حياة مغلقة محصورة في كلي ضيق.
انشغل فكري بشيء واحد فبعد ان التقيت باصدقاء اخي سعيد(باسل) وبقيت بنفس الفصيل، وهو فصيل حماية القاطع، انتظرت على احر من الجمر قدوم اخي سعيد من سوران، واخي رفعت (سلام) من كلي مراني. كلي مراني في منطقة شيخان، حيث كان موقع الفوج الاول المسؤول عن منطقة شيخان. كما كنت متلهفة لسماع اخبار العائلة وخاصة والدي الذي علمت انه مريض.
ايار 2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *