الرئيسية » الآداب » حوار مع الكاتب والباحث اللغوي الكردي برزو محمود

حوار مع الكاتب والباحث اللغوي الكردي برزو محمود

كلما تعرفت وأدركت أسرار ومفاتيح اللغة الكردية، كلما زاد حبي لها واشتد ارتباطي بها 
 


لنمضي سوياً في غياهب الباحث الكردي برزو محمود الذاتية والمعرفية والإنسانية, خلال هذه السجالية الجميلة, ولنتجول في عوالمه الأدبية والفنية والتراثية واللغوية , ولنتعرف أكثر على هذا اللغوي الكردي السوري الذي قدم الكثير من الدراسات والأبحاث الجديرة بالدراسة والتمحيص .ولنتأمل كوامنه الثرية في هذه الحوارية, ولاريب بأننا سنرى في جعبته كنوز ثرية من المعلومات والاستنتاجات والتجارب , اعتقد انها في غاية الأهمية المعرفية , ربما لأنها تمس صميم اللغة وقواعدها ولهجاتها المتعددة – ( السورانية والكرمانجية والزازية واللورية ) .
لاشك ان كل هذه التفاعلات التي لمسناها هنا في هذا الموضوع تخرج من مكنوناته الداخلية بشفافية مطلقة , هذا بسبب اهتماماته الكثيرة في مسالة اللغات الحية للشعوب – منها اللغة الكردية , وبيان خصائصها وفروقاتها وملامحها المميزة , عند طرحه الآراء والأفكار والرؤى التي من شانها قد تؤسس للغة موحدة شاملة الستاندارد (standard ) لعموم الكرد , وإظهاره المشكلات القواعدية اللغوية في المناطق الكردية المنقسمة , ومعالجتها بمنهجية أكاديمية وعلمية , والتي كانت من الأسباب الرئيسية لان تبقى اللغة الكردية في حالتها المربكة حتى هذه اللحظة . وفي ذات السياق قدم الباحث برزو محمود دراسات عميقة ذات طابع فكري وعلمي وفلسفي بإبراز مواطن الخلل ربما كانت من الدواعي الحقيقيةً إبقاء اللغة الكردية في حالتها الإشكالية هذه, والمتمثلة في الفروقات الإملائية و القواعدية إلى أيامنا هذه ….
ولنقرأه بدراية …
كيف يطرح الباحث برزو محمود أفكاره …؟؟
وماهي الأساليب التي يتبعها..؟؟
وماذا قدم بشان اللغة الكردية …؟؟
وماذا عن نتاجاته في تطوير اللغة ومفرداتها ..؟؟!
هل ثمة جدوى حقيقية من أبحاثه عن إصلاح اللغة ومشكلاتها كـ : ( الإملاء – القواعد – اللهجات ) ..
ولنتامل معاً ما يقول الأستاذ برزو محمود و ما يجول في خاطره خلال هذه الحوارية الساخنة, التي أتمنى أن تحرك المشهد المعرفي الكردي من أول نهر إلى آخر جبل .
قراءة سريعة لإعمال الباحث برزو محمود..
الأدبية واللغوية والتراثية ..وأيضا ما قدم من مساهمات جليلة في خدمة اللغة الكردية وعلاج مشكلاتها :
من الممكن أن نلخّص نشاط وأعمال الباحث الكردي برزو محمود في حقول الثقافة واللغة والأدب على الشكل التالي : عمل محرراً ومشرفاً في مجلة( Gelawêj) بين أعوام( 1985 و 1992 ) , ومحرراً في مجلة ( Pirs ) الكردية خلال أعوام( 1993 و 2004 ) , وأيضاً محرراً ومشرفاً في مجلة ( Hevind) الكردية في عام 2004 . وبحكم عمله في المجلات المذكورة أعلاه ، نشر مئات المقالات والدراسات اللغوية والأدبية باللغة الكردية- الكورمانجية -( اللاتينية). وقد نشر بعض من دراساته بالكردية – السورانية- في مجلة رامان الصادرة في كردستان العراق في أعوام ( 1998 و 1999 ). ترجم العديد من هذه الدراسات من الانكليزية إلى العربية وبالتالي نشرت في المجلات العربية، مثل : الثقافة الجديدة والحوار ومجلات أخرى . كما ترجم كتاب (الوعي القومي الكردي) بالاشتراك مع المترجمين الأستاذين : إبراهيم محمود وسيف الدين . نشر الكثير من المقالات والدراسات الأدبية واللغوية بالعربية وذلك في المجلات التالية : ڤه ژين والحوار والثقافة الجديدة ، ومواسم، وكولان العربي، ومجلات أخرى، كما نشر له دراسة في العدد الخاص من مجلة ( دراسات اشتراكية) في عام 1990 تحت عنوان ( الشعر الكردي في القرن التاسع عشر في كردستان الجنوبية (العراق) ظهوره وتطوره)، بالإضافة إلى ما نشر وينشر في مواقع الإنترنيت الكردية والعربية. إلى جانب نشره المتواصل في المجلات المتنوعة .و قد ألقى عدد غير قليل من المحاضرات في كل من ( قامشلو والحسكة وديركا حمكو ودمشق) ومحاضرة قيمة على الانترنيت عن طريق البالتوك( KZK ) أي غرفة اللغة الكردية. وفي عام 2005 صدر له كتاباً باللغة الكردية يتكون من 208 صفحة بعنوان (قواعد إملاء الكلمة الكردية بين الوصل والفصل)، ( Rênivîsa Peyva Kurdî ) . وفي يومي 18 و19 من شهر تشرين الثاتي من عام 2006 شارك في كونفرانس اللغة الكردية في مدينة أمد (ديار بكر)، وتم اختياره كعضو في لجنة إدارة المؤتمر المؤلفة من أربعة أعضاء.
بالإضافة إلى هذا، ألقى فيها محاضرة قيمة بخصوص المفاهيم التربوية والأدب التعليمي عند الأديب والمفكر الكردي ( أحمد خاني )، ثم تطرق إلى الجهود والمحاولات التي بذلت من قبل الجمعيات والشخصيات الكردية في النصف الأول من القرن العشرين في سوريا في سبيل تعليم وإحياء اللغة الكردية. أنجز عدد غير قليل من الدراسات اللغوية التي تنتظر طريقها إلى الطبع في أقرب وقت ممكن :
عبر كوامن هذه الجدلية الأدبية والفنية والتراثية واللغوية والإنسانية ….
يبوح الباحث برزو محمود من أعماقه…
ويصرخ على الملأ وبأعلى صوته :
– أفضل أن أعُرف ككاتب باللغة الكردية ..؟؟
– الكرد في سوريا فهم بحاجة إلى نهضة ثقافية جادة يتم نسجها بخيوط اللغة الكردية ..؟؟
– اللغة الكردية ان لم تدخل عالم الكتابة والثقافة ستبقى لغة محكية عرضة لعوامل الإذابة ..؟؟
– هذه البيئة خلقت لدي ميلاً عفوياً باتجاه عوالم الأدب والفن والتراث واللغة الخاصة بالكرد..؟؟
– أسعى دائماً أن أقدم الجديد سواء في أسلوب المعالجة أو في موضوع البحث أو في طرح أفكار جديدة..؟
– الكتابة قبل كل شيء مسؤولية، والكاتب مسؤول عما يكتبه سواء أكانت جمعاً أو تأليفاً أو تحقيقاً ..؟
– في الحقيقة، ليس من السهل الخوض في مسائل اللغة، ما لم نتسلح بنظرية علمية واضحة المعالم ..؟
– هذه اللغة التي تربينا في كنفها، تحمل تلك الأغاني الفولكلورية التي نطرب ونفرح مجرد سماعها..؟
– في الحقيقة لم أجد ثقافة مدونة باللهجة الكورمانجية، لكنني وجدتها باللهجة السورانية، هذه حقيقة علينا الاعتراف بها..؟؟
– ليس كل من اقتن أو مَلِكَ جهاز الكومبيوتر أو تعلم التنضيد، أصبح كاتباً. وليس كل من كتب في اللغة الكردية أصبح عالماً. ..؟؟
– التمييز العنصري الذي يتعرض له الشعب الكوردي في سوريا خلق شعوراً بالإغتراب لدى المواطن الكوردي الذي يعيش على أرض أجداده منذ الاف السنين..؟؟
– حقيقةً أنني أرى هذه القضية أي الكرمانجية والسورانية تقتربان في حدود اللهجة في بعض الأوجه، وتختلفان في أوجه أخرى يصل إلى حدود الاختلاف اللغوي أي نصبح أمام لغتان ..؟؟
س- من هو برزو محمود : الكاتب و الباحث والإنسان..؟!
ومتى كانت البدايات الكتابية ..؟!
في البداية أقدم كلمة شكر للأستاذ والأخ حسين أحمد الذي بذل جهداً غير قليلً من أجل انجاز هذا الحوار وهو يطرح القضايا اللغوية التي تكتسب أهمية كبيرة في هذه المرحلة التارخية.
من مواليد 1956 في قرية تل خليل التابعة ادارياً لناحية الجوادية الواقعة بين بلدة ترباسبييى وبلدة گرگى لگى (رميلان). منذ ستينات القرن الماضي أنتقل والدي من الريف الى المدينة، حيث سكنّا مدينة القامشلي التي لا زلت أعيش فيها.
نشأتُ في كنف عائلة كردية فقيرة الحال ومهتمة بالشأن القومي الكردي. وبعد أن حصلت على الشهادة الثانوية العامة في عام 1976، درست الأدب الإنكليزي في جامعة حلب وتخرجت منها في عام 1980 . أمارس العمل التدريسي في ثانويات القامشلي منذ عام 1981 حتى هذه اللحظة. أهتم باللغة الكردية منذ أن كنت طالباً في الإعدادية، شغوفاً بالاستماع إلى الإذاعة الكردية، وخاصة إذاعة بغداد التي كانت تبث برامجها باللغة الكردية في سبعينات القرن الماضي، بالإضافة إلى هذا كنت استمع إلى القصص والحكايات الكردية القديمة التي كان يرويها والدي أو والدتي في الجلسات العائلية في ليالي الشتاء الطويلة، بالإضافة إلى سماعي لقصائد جكرخوين التي كان ينشدها والدي في أوقات فراغه. ولا بد للإشارة إلى أن شقيقتي الكبيرة هي الأخرى أثرت فيَّ عندما غادرت القامشلي الى العراق لتدرس الأدب الكردي في جامعة السليمانية في عام 1971 اذ كنت حينئذٍ قد أنتقلت من المرحلة الابتدائية الى الاعداديةٍ.
هذه البيئة خلقت لدي ميلاً عفوياً بإتجاه عوالم الأدب والفن والتراث واللغة الخاصة بالكرد، ودفعتني إلى الاهتمام باللغة الكردية حيث كرست معظم أوقاتي في العمل على دراستها دراسة علمية تستند على مناهج حديثة في التحليل اللغوي اكتسبها من خلال دراستي الجامعية للغة الانكليزية. وعلى الرغم من أنني نشرت مقالات ودراسات غير قليلة باللغة العربية، إلا أنني أفضل أن أُعرَّف ككاتب كردي ينشر باللهجتين الكورمانجية والسورانية.
وقد كرست الكثير من نشاطي في تحرير المجلات الأدبية والثقافية المنشورة باللغة الكردية، حيث بدأت العمل بشكل فعلي كمحرر لمجلة (كلاويزGelawêj) في عام 1985 اذ نشرت لأول مرة مقالة بعنوان (ضرورة اللغة الكردية الفصحى). ومنذ ذلك الحين وأنا أسعى ضمن الإمكانيات المتاحة من أجل الارتقاء بالصحافة الكردية كأحد الوسائل الأساسية في نشر اللغة الكردية الأدبية بين المتعلمين والمثقفين الكرد في سوريا والعمل على تفعيل الحراك الثقافي الكردي، إلا أنني الآن لم أعد أعمل في الصحافة، أسعى ضمن إمكاناتي المتاحة العمل في حقل الدراسات اللغوية الخاصة باللغة الكردية.
في الحقيقة، العمل التخصصي هو الوسيلة الناجحة في التنمية الثقافية والتطوير المعرفي، على هذا الأساس تجد أن معظم كتاباتي في المجال اللغوي يأخذ طابعاً بحثياً بالمعنى المنهجي للكلمة، وأسعى دائماً أن أقدم الجديد سواء في أسلوب المعالجة أو في موضوع البحث أو في طرح أفكار جديدة. لكن هذا لا يعني أن أبقى مقيداً بالدراسات اللغوية ذات الطابع العلمي، لذا، فد تجدني في عوالم ومجالات مختلفة، فقد نشرت مقالات عديدة خارج دائرة اللغويات، مقال رأي أو مقال في المجال الفني، وجدير بالذكر أنني نشرت مقالات نقدية في الشعر الكردي.
س- الأستاذ برزو محمود، لماذا الكتابة باللغة الكردية غالباً، مع العلم انك تملك القدرة في الكتابة مثلا باللغة العربية ..؟!!
مما لا شك فيه أن اللغة هي الوعاء الذي يحوي تراث وتاريخ وفكر الأمة، وهي الوسيلة التي تحمي هذا التراث من الاندثار والزوال، وتبعث فيها روح الحياة ، لذا فإن من أولويات المثقف الكردي الواعي أن يعمل من أجل تكوين ثقافة ناطقة بلغة كردية تعبر عن هويتنا الحقيقية، وتمكينها على استمرارية البقاء، والسعي من أجل الإرتقاء بها وخاصة في مواجهة سياسات القوى الشوفينية من القوميات الأخرى في القرن الماضي التي حاولت الكثير من أجل صهر اللغة الكردية في بوتقة لغاتها مستهدفة من وراء ذلك تتريك وتعريب وتفريس الكرد.
من هذا المنطلق التزمت منذ البداية بالكتابة بلغة الام التي عايشتها مع والدتي ووالدي الذين كانا لهما أثرأً كبيراً في تكويني اللغوي والنفسي. هذا بالاضافة إلى البيئة التي كنت أعيش فيها وفرت لي كتب ومجلات كردية من كردستان العراق، كنت أقرأها وأنا في المرحلة الاعدادية اذ تعلمت الكثير من مفردات اللهجة السورانية سواء عن طريق الإذاعة الكردية أو عن طريق شقيقتي كجا كورد التي هي الاخرى أثرت فيي بشكل غير مباشر لأنها كانت تدرس الأدب الكردي في جامعة السليمانية أنذاك. العاطفة القومية هي الاخرى دفعتني نحو تعلم الكردية بلهجتيها وخاصة بعد أن تخرجت من الجامعة في عام 1980.
في الحقيقة لم أجد ثقافة مدونة باللهجة الكورمانجية، هذه حقيقة علينا الاعتراف بها، لكنني وجدتها باللهجة السورانية، اللهجة التي بدأت تزدهر منذ بداية القرن الماضي، ولاسيما بعد اتفاقية أذار 1970 حيث حصل الكرد على حكماً ذاتياً محدوداً. وأود هنا الاشارة الى ولعي ولهفي غير المحدود وخاصة في الثمانينات من القرن الماضي بقرأة كتابات اللغوي الكردي والمفكر القدير مسعود محمد الذي أعتبره المثل الأعلى لي. وأستطيع أن أقول أنني تتلمذت على ثراء فكره، وعمق تحليله/ ورونق طرحه التجديدي في الفكر واللغة والأدب، رغم قناعاته الدينية التي لا أنسجم معها.
في عام 1977 قلّما كنا نلتقي بمسرحية انكليزية مترجمة إلى العربية، اللغة الرسمية لـ21 دولة عربية، ففي تلك الفترة ولأول مرة وقعت عيناي على كتاب مسرحية مكبث للكاتب المسرحي المعروف شكسبير مترجمة من الانكليزية إلى الكردية (اللهجة السورانية)، في الحقيقة ذُهلتُ حينذاك أمام هذا الحدث ولاسيما كنت في الصف الأول لقسم اللغة الانكليزية. هذا الأمر خلق لدي شعوراً بالإعتزاز القومي من جانب، وأدركت أن طاقات اللغة الكردية أكبر من مقدرتي كأنسان كردي لازلت في بداية الطريق أبحث عن ذاتي من خلال لغتي المشتتة هنا وهناك. ما أريد أن أقوله هنا هو كلما تعرفت وأدركت أسرار ومفاتيح اللغة الكردية، كلما زاد حبي لها واشتد ارتباطي بها. هذه اللغة، التي تحاول جاهدةً أن تقف على قدميها، إن لم تدخل عالم الكتابة والثقافة، ستبقى لغة محكية عرضة لعوامل الإذابة في بوتقة اللغة الرسمية السائدة، وسيكون مصيرها الزوال مسقبلاً.
واللغة الكردية، بسبب ما تعانيه من القوى الشوفينية التي تعمل على إزالتها من الوجود، ولا زالت تحاول تشويه أصولها التاريخية، وتقزيم بنيتها اللغوية، وتقديمها كلهجة محلية غير قادرة على التعبير والكتابة، وبالتالي لا تستطيع أن تستوعب الثقافة المكتوبة. هذه التحديات العنصرية جاءت في خدمة الجانب السياسي للسلطة التي كانت تهدف الى طمس المعالم القومية للشعب الكردي حيث يشكل اللغة احدى الدعائم الاساسية لتكوين القومية والأمة. وبصفتي كأنسان كردي، وإيماناً مني بقضية شعبي العادلة، رأيت من واجبي أن أضع إمكانياتي المعرفية المتواضعة في خدمة لغتي والسعي من أجل الارتقاء بها.
ولكن لا يعني هذا أن نأخذ موقفاً بالضد من اللغات الأخرى أو أن نبتعد عنها بصرف النظر عن الدوافع، لا بل بالعكس من ذلك، نحن بحاجة الى الكتابة والقراءة باللغة العربية والتركية والفارسية وخاصة في هذه المرحلة لاسباب عدة، أهمها أن القضية الكردية ترتبط بالمسألة الديمقراطية في الدول التي يتواجد فيها الكرد، وهذا يستوجب بناء علاقات سياسية وثقافية مع القوى الديمقراطية لهذه البلاد عبر التفاهم المشترك وعن طريق اللغات السائدة.
س- هل اللغة الكردية قادرة على التعبير عما في داخل الكاتب برزو محمود ..؟!!
رغم أن النبع الرئيسي المكون لثقافتي هو اللغة العربية والإنكليزية، إلا أنني عندما أبدأ للوهلة الأولى في كتابة موضوع ما، أحس بطاقاتي الذهنية والفكرية تخضع للقوالب اللغوية الكردية التي تمهد لي الطريق إلى التعبير عما يجول في ذهني على نحو أسرع وأكثر راحة من اللغات الأخرى. أما مع الكتابة باللغة العربية، فما أن أتجاوز الخطوات الأولى أي بعد كتابة فقرة أو عدة فقرات يبدأ الجانب الذهني بالتكيّف مع قالب اللغة العربية.
أما إذا كان القصد من السؤال هو التعرف على الإمكانيات التعبيرية للغة الكردية ومدى تطورها مقارنة مع اللغات الحية الأخرى، فأنني أرى لو عدنا الى علم اللغة وعلم الاجتماع، نجد أن غالبية علماء اللغة وعلماء الاجتماع اللغوي sociolinguists ومنهم العالم هاري هويجر إذ يؤكد على فكرة أن ( … لغة شعب ذي حضارة بسيطة أو متأخرة نسبياً قد يكون لها مفردات أقل عدداً من مفردات لغة ذات حضارة متطورة ومعقدة نسبياً. كما أن الملاحظ أن مفردات أية مجموعة مهما كانت حضارتها بسيطة تبدو قابلة للتوسع بشكل محدود، فلدى ابتكار عناصر حضارية جديدة أو اقتباسها فإن المفردات تزداد أو تتبدل لتوجه المتطلبات الجديدة المفروضة عليها) ويمضي العالم هاري هويجر اذ يؤكد على فكرة هامة وهي أنه (لا يمكن تصنيف اللغات على أساس مستويات تطورها، اذ ليس هناك لغات بدائية ولغات متطورة جداً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار عناصرها التركيبية ققط) فاللغات كلها ذات نظام صوتي ومورفيمي وسينتاكسي محدد.
واللغة الكردية شأنها شأن أية لغة حية، إن توفر لها المناخ الصحي وتوحدت لهجاتها في لغة واحدة ولو في المستوى المعجمي على الأقل ستمتلك الكثير من الطاقة التعبيرية عبر اليات التوليد المعجمي كالاشتقاق والتركيب والنحت بحيث تستطيع على تقديم المقابل الكردي ترجمةً واصطلاحاً لمعظم المفاهيم والمصطلحات والأفكار الحديثة.
س- لدينا ثلاث أبجديات مختلفة للغة الكردية (روسي، عربي، لاتيني) برأيك لماذا لا يتفق السياسيون واللغويون الكرد على تبني خط واحد للغة الكردية. أليس من الأفضل تبني الخط اللاتيني؟؟
من المعلوم أن اللغة الكردية تُكتب بأبجديتين مختلفتين: العربية التي تبدأ من الجهة اليمنى ويتداولها أكراد العراق وايران حيث اللهجة السورانية، واللاتينية التي تبدأ من الجهة اليسرى ويتداولها أكراد تركيا وسوريا حيث اللهجة الكورمانجية. ولكل منهما رموز وحروف كتابية ورسم خطي تختلف الى حد كبير عن الأخرى. هذا الجانب في وجود نظامين كتابيين مختلفين يشكل عقبة كبيرة أمام توحيد اللغة الكردية لأنه ويكبح عملية المبادرة عند ناطقي كل لهجة ليتعلم اللهجة الأخرى، ويجعل من الهوة الموجودة أصلاً بين الكورمانجية والسورانية أن تتسع أكثر فأكثر مما يعيق التفاهم ويزيد من حالة التقوقع اللهجوي لدى كل واحدة منهما. ومن الضروري أن تشرع وزارة التربية في كردستان العراق وتشمر عن ساعديها من أجل دراسة هذا المشروع واعتقد أن اختيار الحروف اللاتينية للنظام الكتابي في كل كردستان ستشكل خطوة هامة ورئيسية نحو لغة كردية موحدة ستقرب المسافة بين اللهجات الكردية الرئيسية التي باتت تأخذ كل لهجة طريقاً مختلفاً عن الأخرى في أكثر من مستوى لغوي، مما يشكل خطراً على ايجاد اللغة القومية الموحدة بين الكرد. الناحية الثانية هي أن اللاتينية كنظام كتابي قادر على تمثيل الخصائص الصوتية للغة الكردية أكثر من النظم الأخرى. بالإضافة الى أن اللاتينية أصبحت أساس اللغة الرقمية للعولمة في العصر الحالي. لهذا السبب العبور الى ثقافة العولمة عن طريق اللاتينية أسهل من الطرق الأخرى.
س -هل تتفق مع الرأي الذي يقول بأن الكردية لغات وليس لغة واحدة؟ كيف تنظر الى هذه الإشكالية؟
في الحقيقة نحن أمام إشكاليات لغوية عديدة، منها لهجوية، ومنها تتخطى حدود اللهجة، ما أريد أن أقوله هو أن اللهجات الرئيسية الأربعة الكرمانجية والسورانية والزازاكية والكورانية يمكن تقليصها الى لهجتين رئيسيتين فقط باعتبار أن الزازاكية والكورانية من حيث عدد الناطقين وكمية الأدب المدون بهما أقل بكثير من اللهجتين الرئيسيتين، بالإضافة الى أن هوة الاختلاف بين اللهجتين الصغيرتين من جانب، واللهجتين الرئيسيتين من جانب أخر تأخذ مساحة أكبر بالمقارنة مع الاختلاف الموجود بين الكرمانجية والسورانية. في هذه الحالة، مع كل احترامي لجميع اللهجات الكردية، بقي لدينا لهجتين رئيسيتين. لكننا إذا فكرنا بمسألة كيفية ايجاد اللغة الواحدة لا بد من التفكير العملي وبعيداً عن التعصب اللهجوي في سبيل الوصول الممكن الى هذه الوحدة، لأن الوحدة اللغوية أصعب بكثير من الوحدة الحزبية التي تحصل باتفاق سياسي وتنظيمي بين مصالح الجماعات البشرية. وهنا السؤال الذي يطرح نفسه هو هل الكرمانجية والسورانية لهجتان أم لغتان؟
حقيقةً أنني أرى هذه القضية أي الكرمانجية والسورانية تقتربان في حدود اللهجة في بعض الأوجه، وتختلفان في أوجه أخرى يصل الى حدود الاختلاف اللغوي أي نصبح أمام لغتان. إذاً نحن أمام خصائص لغوية مشتركة بينهما مما يجعلنا نميل الى اعتبارهما لهجتين، وخصائص لغوية مختلفة بينهما مما يجعلنا نميل الى اعتبارهما لغتين. وفي هذا الصدد سأبين ما قلته عبر البارديغم paradigm للصيغ الفعلية التالية:
أولاً: الصور المتشابهة والتي تأخذ حدود اللهجة:
indicative الصيغة الاخبارية
السورانية الكورمانجية
de-gir-im di-gir-im
de-gir-î di-gir-î
de-gir-ê di-gir-ê(e)
de-gir-în di-gir-in(în)
de-gir-in di-gir-in
de-gir-in di-gir-in

subjenctive الصيغة الانشائية
السورانية الكورمانجية
bi-gir-im bi-gir-im
bi-gir-î bi-gir-î
bi-gir-ê bi-gir-ê(e)
bi-gir-în bi-gir-in(în)
bi-gir-in bi-gir-in
bi-gir-in bi-gir-in

لو وضعنا الصيغ الفعلية المذكورة أعلاه نجد أن مساحة الاختلاف اللغوي بين صيغ اللهجتين متقاربة جداً بحيث من الممكن جداً توحيدهما باختيار صيغة واحدة لتصبح الصيغة الفصحى أي الستاندارد. لأن الاختلاف تكمن في علامة المضارع di- في الكورمانجية و de-في السورانية وذلك بخلاف صوتي فقط، بينما المورفيم المتمثل بعلامة المضارع فهو من حيث الموقعية أي يتصل ببداية الجذر، ومن حيث السلوك أي يتصل بجذر الفعل المضارع، واحد ومتطابق بين اللهجتين، اذ من الممكن أن نجد مثل هذا الفرق على صعيد اللهجة الواحدة. أما على صعيد الصيغة الانشائية لا نجد فرقاً يستحق الذكر أو تحليله.
ثانياً: الصور المختلفة التي تأخذ حدود لغتان:

الكورمانجية السورانية
min girt girtim
te girt girtit
wî girt girtî

me girt girtman
we girt girtitan
wan girt girtyan

لو دققنا المثالين المذكورين أعلاه نجد اختلاف مورفولوجي من جانب واختلاف سينتاكسي من جانب أخر وهما كالتالي:
1. وجود مجموعة من الضمائر الشخصية المتصلة (-im -it -î -man -tan -yan ) في اللهجة السورانية وغيابها في اللهجة الكورمانجية.
أما في الجانب النحوي السينتاكسي نجد أن كل ضمير يستعمل في الوظيفة الفاعلية والمفعولية والحالة الملكية، على الشكل التالي:
-im للشخص الأول المفرد فاعلاً ومفعولاً والحالة الملكية
-it للشخص الثاني المفرد فاعلاً ومفعولاً والحالة الملكية
-î للشخص الثالث المفرد فاعلاً ومفعولاً والحالة الملكية
-man للشخص الأول الجمع فاعلاً ومفعولاً والحالة الملكية
-tan للشخص الثاني الجمع فاعلاً ومفعولاً والحالة الملكية
-yan للشخص الثالث الجمع فاعلاً ومفعولاً والحالة الملكية
وهذا يشكل خلافاً كبيراً ليس من السهل تجاهلها أو توحيدها أو تعديلها إلا بإحلال إحدى الصيغ محل الأخرى أي أن بإحلال الصيغة الضميرية الموجودة في الكورمانجية محل الضمائر المتصلة الموجودة في السورانية أو بالعكس. وهذه العملية بحد ذاتها ستؤثر على قضايا نحوية أخرى تظهر في البنيتين: البنية السطحية والبنية العميقة للغة. بالإضافة الى جوانب أخرى لا مجال لذكرها لأسباب تفنية يفرضها طبيعة الحوار، لسنا في مجال كتابة بحث. على أية حال لا يمكن أن نطرح جميع المسائل اللغوية في هذه المقابلة، لكنني ربما أشرت الى بعض الخطوط العريضة من القضية، سأنشر بحثاً مستقلاً في هذا الموضوع لاحقاً.
س- برزو محمود باعتبارك باحث في اللغة الكردية، بتقديرك إلى متى ستستمر إشكاليات اللغة الكردية الموحدة؟
في احدى المقابلات الصحفية، في حوالي عام 2000 أو قبلها بقليل لم أعد أتذكر بالتحديد، اذ سُئل المفكر الكردي الأستاذ مسعود محمد حول مسألة توحيد اللغة الكردية، فأجاب قائلاً أن هذه القضية ربما أصعب من الحرب العالمية. بالرغم من أنني أكن له الكثير من الاحترم ، إلا أنني أعتقد أنه ليس من الموضوعي أن نحكم على المسألة بهذا التصريح، ونبدأ بما هو صعب، دون التفكير في الحدود الممكنة بين هذه اللهجات أولاً، بعدها ننتقل الى الخطوة الممكنة التالية ندرسها ونناقشها من ثم ننتقل الى اليات التطبيق العملي. ولنترك رأي الكردي اللغوي لنرى كيف يفكر الكردي السياسي حيث سُئل ذات مرة أحد الشخصيات الكردية من كردستان تركيا عن ماهية العوائق التي تعيق تقدم مسيرة الحركة السياسية الكردية في تركيا، فأجاب قائلاً أن العائق الأكبر هو الكرد أنفسهم. باعتقادي أنه أصاب الهدف بدقة، وهذا القول يُعد من وجهة نظري أصدق تعبير عن حقيقة الوضع الكردي في كافة الاصعدة السياسية والثقافية واللغوية … الخ. فغالباً ما نجد أن السياسي يتدخل بالشأنين الثقافي واللغوي ويؤثر عليهما بقوة، مثلما أخذت إحدى أحزاب الحركة الكردية في تركيا في البداية موقفاً سياسياً من مصطلح (البشمركة) (pêşmerge) ككلمة يتداولها كل الكرد وحتى أنها دخلت القاموس العالمي، اذ امتنعت عن استخدامه واستبدلته بمصطلح أخر (كريلا) وهي كلمة أجنبية. أعتقد أننا بهذا العمل نبعِّد بين لهجاتنا أكثر من أن نقرِّب بينها، ولا يمكن تفسير ذلك تحت خصوصية معينة، أو ضرب من الحداثة كما كان يُفسَّر في حينه، أو تحت يافطة الترادف اللغوي.
ما أعنيه هو أن المعضلة الأساسية تكمن في ذات الكرد، وبالتحديد صانعي القرار السياسي أي نخبها السياسية (الحزبية) من جانب، والانتنجلسيا الكردية أي النخب الثقافية من جانب أخر، هاتين القوتين اللتين من الممكن أن تلعبان دوراً كبيراً في عملية التغيير على الصعيد الاجتماعي واللغوي والثقافي والسياسي. والقيام بعملية الإنتقال بلغتنا الى صورة قريبة من النموذج الموحد تحتاج الى بذل جهود كبيرة يقوم بها فريق عمل من الأخصائيين وخبراء اللغة في إطار مؤسسة مستقلة أو مختصة بمسألة اللغة الكردية وفق خطة عمل متفق عليها من قبل جميع أعضاءها في سبيل توحيد ما يمكن توحيده في هذا المرحلة، بعيداً عن النزعة الفئوية والتعصب للهجة معينة. ستستمر هذه الإشكالية طالما لا يوجد مشروع مطروح في هذا الشأن، ولا خطة عمل للتداول بين اللغويين في الدرجة الأولى وبين المثقفين في الدرجة الثانية، ولا خطوات نظرية، ولا خطوات عملية للبدء، ولا جهة كردية تتبنى المشروع بشكل جدي، وتقدم الدعم المادي لهكذا مشروع مصيري. حتى أن المشروع كفكرة أمر غير مطروح للتداول والسبب باعتقادي هو القيادتين السياسية والثقافية لكردستان العراق قد حسمت الأمر لصالح اللهجة السورانية بشكل غير معلن اي دون الإعلان بذلك، حتى أنها لم تكتف بهذا بل حاولت إزاحة أو بعبارة أوضح إزالة القليل الموجود من اللهجة البادينانية التي تُدرَّس في المناهج المدرسية لمحافظة دهوك.
س- برأيك لماذا لا تقوم وزارة الثقافة في كردستان الجنوبية بتأسيس مجمع اللغة الكردية ويكون لها تابع قومي …؟؟؟ هل بالإمكان تحقيق هذه الرغبة في هذه المرحلة
مما لا شك فيه أن لحكومة كردستان العراق إمكانيات مادية جيدة، وكم غير قليل من الكوادر العلمية والاختصاصية، بالاضافة الى توفر الارضية الملائمة في هذا الجزء لتأسيس مجمعين: مجمع علمي ومجمع لغوي ومن الضروري أن تتضمن أعضاء وكوادر من كافة أجزاء كردستان والعالم من أجل وضع أسس ومبادئ علمية ومعرفية وثقافية مشتركة، تقدم لكل مثقف كردي أينما كان، وليس لفئة معينة أو للهجة محددة. وينبغي أن يضع قضية اللغة الكردية الموحدة أول المهام وأن يعيرها الاهتمام الاكبر تداولاً، ومناقشةً، ودراسةً، ومعالجةً، للوصول إلى نتائج سليمة، بعيداً عن النزعة الفئوية اللهجوية.
وفي هذه المناسبة أود أن أعود قليلاً الى الوراء ونلقي بعض الضوء على المجمع العلمي الكردي قبل أكثر من خمس وثلاثون عاماً، أي بعد توقيع إتفاقية 11 أذار في عام 1970 حيث تأسس المجمع العلمي الكردي بموجب القانون رقم 183 الصادر في 29 من الشهر الثامن لنفس العام. وعقد مجلس المجمع اجتماعه الاول بتاريخ 17 – 3 – 1971. ويتكون المجمع من ديوان رئاسة مكوّن من عدد معين من الأعضاء العاملين، يقوم مجلس المجمع الذي يتكون من أعضاء عاملين وأعضاء مؤازرين بتشكيل لجان متنوعة اختصاصية في كافة المجالات العلمية، وقد تم انتخاب الدكتور أحسان شيرزاد رئيسا،ً والأستاذ مسعود محمد نائباُ. وكان يصدر المجمع العلمي مجلة باللغتين العربية والكردية، ويقع العدد الاول في 799 صفحة. أما العدد الثاني من مجلة المجمع يقع في حوالي ألف صفحة. فيكون بذلك أكبر وأشمل مجلة في تاريخ الطباعة الكردية. وقام المجمع بنشر الترجمة الكردية للجزء الاول من شرفنامة ترجمها الى الكردية الشاعر القدير هزار موكرياني، وتقع الطبعة الكردية لهذا الاثر في 1016 صفحة وهي بذلك تكون أكبر كتاب كردي مطبوع حتى ذلك الحين.
س- أصدرت كتاباً في قواعد إملاء الكلمة في اللغة الكردية بين الفصل والوصل (Rênivîsa Peyva Kurdî).. كيف تنظر إليه بعد سنوات على إصداره؟ فهل تغير رؤيتك وأدواتك؟ أي بمعنى ما إذا كتبت اليوم في هذا الخصوص، فهل ستضيف شيئا جديدا على ما قلته سابقاً؟؟
1. مسألة التغيير:
أخي حسين، الكتاب يتناول قضايا الرسم الخطي للكلمة الكردية فصلاً أو وصلاً من خلال قوانين لغوية ذات صبغة علمية لا تمت الى الزمان والمكان بعلاقة ما، لكي أغير رأيي أو مفاهيمي بعد أن يمضي شهراً أو سنة أو سنتين. والكتاب ليس بنصوص شعرية أو قصصية يمكن أن تتغير أو أن تستبدل بمجرد تغيير الحالة العصبية للشاعر. التغيير يحصل عادةً في الحالات التالية:
1. كأن يعتمد التحليل على قوانين غير علمية، أو أن يكون الدارس ضعيفاً لا يعتمد على علم اللغة، ولا يأخذ بمنهج معين، بل يتكأ على ثقافة سطحية اكتسبها هنا وهناك ربما تُعد كبيرة بالمقارنة مع ما هي موجودة حوله، في هذه الحالة يلجأ الدارس بتغيير رأيه دون الاشارة الى الرأي القديم (الخاطئ) ظاناً أن المسألة ستمر دون أن يدريها أحدٌ ما وبالأخص في حال غياب القارئ الواعي والناقد الجريء.
2. الحالة الثانية كأن يحدث تغيير في اللغة الكردية في هذه الفترة، فنلجأ مجبرين بتغيير رأينا وأدواتنا من خلال التغيير الحاصل في بنية اللغة، وهذا أمر افتراضي غير ممكن.
لكن لم يحدث أي شيء من هذا القبيل، لذا لا يمكن أن نغيِّر رأينا الوارد في الكتاب بهذه البساطة، لا الأن ولا مستفبلاً، إلا أنني في عملية الكتابة ربما الجأ في بعض الاحيان إلى تبني صيغة معينة بالضد من قناعاتي وبالضد من القانون اللغوي الذي دافعت عنه في الكتاب، لنأخذ مثلاً الصيغة الكتابية للوحدات التي سميناها paşkok وهي im, î, e, in în, in) ) التي تأتي في نهاية الأفعال ونهاية الخبر في الجملة الاسمية. هذه الوحدات بموجب القاعدة البدرخانية تُكتب بشكل منفصل، بعيداً عن الوحدة التي تسبقها في الكتابة، وعملية الفصل هذه، رغم أنني بالضد منها وقدمت المبررات اللغوية التي تدعم عملية الوصل، لكنني ككاتب محكوم بحكم الاكثرية التي تتبنى الفصل، ففي كردستان تركيا نجد أن الصحافة والإعلام والكتب كلها تأخذ بطريقة الفصل، مما يلزمني أن أتبنى تلك الطريقة بهدف توحيد الشكل الكتابي، ولنأخذ بالمثل الكردي:( kutilka me jî ji melê re ) أي (فليكن حصتي أيضاً للملا) (حصة من الكوتلك وهي نوع من الطعام) ما نعني به هو: (طالما أن الكل يوافق على ذلك، أنا أيضاً أوافق)
2.أما مسألة الإضافة:
لا شك أن الإضافة، والطموح الى وضع تقنيات أفضل وأكثر فهماً ووضوحاً، أمر مشروع وطبيعي لدى كل كاتب. ولا يمكن أن نجد عملاً كاملاً وشاملاً دون نقص. وقد نشرتُ حينها صفحة بالأخطاء المطبعية الواردة في النص المطبوع، بالرغم من أن هذه الأخطاء يمكن تداركها اثناء عملية القراءة بسهولة.
س- ثمة من يعمل في حقل اللغة ويضع من تلقاء نفسه قواعد و مصطلحات ربما تختلف عن مصطلحات الآخر اللغوي: برأيك ألا ترى أن هذا يخلق إشكالية وإرباكا لدى القارئ الكردي.؟!
1. بالنسبة للقواعد
في الحقيقة، ليس من السهل الخوض في مسائل اللغة، ما لم نتسلح بنظرية علمية واضحة المعالم، ولم نأخذ بمنهج لغوي رصين يمهد الطريق للتأويل الصحيح والتحليل السليم. أما الطرح العبثي والعشوائي الذي يستند على تعاريف ناقصة ومعلومات مهترية لا يصلح للأستخدام أو الأخذ به. لنلقي بعض الضوء على جانب معين من أفكار وتحليل دارس كردي معروف في كتابه (مشكلات في اللغة الكردية – الكرمانجية-)، ففي الصفحة ( 28) في معرض حديثه حول هوية الوحدات اللغوية (im, î, e, in ) ولكي يثبت الكاتب أن هذه الوحدات ليست ضمائر، كما يعتقد ذلك بعض اللغويين الكرد، ويعرض لنا أفكاره وتحليله بالشكل التالي فيقول: كل الضمائر تحل محل الاسم، لهذا السبب يسمي البعض الضمير بـ (cênav) أي الضمير يحل محل الاسم، ويورد أمثلة:

1. a. Azad diçe dibistanê
b- Ew dice dibistanê.
2. a. Kî çû dibistanê?
b. Azad çû dibistanê.
3. a. Ev dengê çi ye?
b. Ev dengê daholê ye.

ووفق الأمثلة المذكورة أعلاه يرى الكاتب قائلا (على قياس هذه الأمثلة، من المفروض أن تحل الوحدات (im, î, e, in ) محل الاسم، ثم يضع ثانية الجمل المذكورة أعلاه، ويستعمل الوحدات (e ) و(in ) مكان الضمائر، وذلك كالتالي:

1. a. Azad diçe dibistanê.
b- (e) diçe dibistanê.
2. a. Şagirt çûn dibistanê?
b. in çûn dibistanê.

ما يحاول الكاتب أن يتوصل إليه هو أن هذه الوحدات (im, î, e, in) لا تستطيع أن تحل محل الأسماء، فلا الضمير (e ) يحل محل (Azad) ولا الضمير (in) يحل محل (Şagirt). بهذا التحليل يصل الكاتب إلى نتيجة مفادها إسقاط هوية الضمير عن هذه الوحدات.
الآن جاء دوري لمناقشة الأفكار المطروحة في الفقرة أعلاه والتي تثيرعدة ملاحظات يمكن تلخيصها:
1 ـ الكاتب ينطلق من المعنى الحرفي للمصطلح وربما يرتكز على تعريف قديم للضمير في النحو الكلاسيكي لدى علماء اليونان والعرب (على أن الضمير كلمة تنوب الاسم). فالمعلوم في الدراسات الحديثة أن هذا التعريف بحد ذاته غير دقيق، لذا غيّر علماء اللغة التعريف بحيث أصبح يُعرف الضمير على أنه كلمة تشير الى الاسم. وأن تشير الى شيء أمر يختلف من أن تنوب أو تحل محله. بموجب هذا التعريف الجامع والشامل استطاع العلماء تحليل أكبر عدد من لغات العالم.
2- الملاحظة الثانية هي أن الضمير في اللغة الكردية يشكل فصيلة مستقلة، في حين أن الضمير في نحو العربية لا يشكل فصيلة بل يُعد أو يُحسب على فصيلة الاسم، وهذا باعتقادي تحليل غير دقيق حتى على مستوى اللغة العربية. ولكن لندع العربية على حالها ونقف عند حدود الكردية حيث نجد أن للضمير سمات مورفولوجية وسينتاكسية تختلف عن الاسم، لذا لا يمكن أن نأخذ بمعيار واحد لكل من الاسم والضمير في أن واحد، وإلا لا حاجة أن نصنف كل منهما في فصيلة مختلفة. عدا أن الضمير المتصل يتميز عن الضمير المنفصل بسمات مورفولوجية وسينتاكسية نحوية لا بد أن يلمسها حتى المتعلم العادي أو المثقف غير اللغوي، فكيف لا يراها من هو على الأقل يهتم ويكتب في المجال اللغوي!!
3- الجانب الثاني هو أن التعريف القديم لا يُصلح أن يُعمم على جميع اللغات، والتعريف لوحده أو الأخذ بحرفيته لا يمكن أن يكون منطلقاً للتحليل اللغوي لأسباب عدة، أهمها أن التعريف يخالف الكثير من الحقائق والأمثلة الموجودة في اللغة، ففي العربية نقول (ذهبتُ) التاء هنا ضمير رفع فاعل، وهو متصل بنهاية الفعل أما في جملة (أنا طالب)، (أنا) ضمير رفع منفصل لا يأتي متصلاً بنهاية الفعل. إذاً لا الموقع بمفرده ولا شكل الوحدة اللغوية بمفرده يمكن أن تُحدِّد هوية الوحدة.
3 ـ للوحدة اللغوية سلوك معين وتظهر في موقع معين وبشكل معين، كل هذا يؤخذ بعين الأعتبار في تحليل المفردة أو الوحدة بالأضافة إلى الجانب الدلالي. فالوحدة ( -in أو -n ) في الجملتين التاليتين:
Şagirt çûn dibistanê.
Şagirt diçin dibistanê.
هي وحدة مقيدة أي أنها لا تظهر بشكل مستقل لذا يسمى بالضمير المتصل الذي يشير الى الاسم Şagirt شخصاً وعدداً. والضمائر المتصلة في اللغات تأخذ مواقع معينة غالباً ما تختلف عن سلوك وموقع الضمير المنفصل.
لذا نجد أن سلوك هذه الوحدات (im, î, e, in) لا يمكن أن تتوافق مع سلوك ومواقع الضمائر المنفصلة في اللغة الكردية. أما أن نأخذ معيار موقع الاسم في إطار الجملة لإسقاط هوية الضمير من الوحدات المذكورة أنفاً أمر يبعث على الضحك إن لم نقل شيئاً أخر. لذا على الكاتب أو الباحث في مجال اللغة ولاسيما في القضايا الدقيقة أن يكون ملماً بعلم اللغة وبالنظرية اللغوية بشكل شامل لكي لا يواجه مثل هذا التخبط في التحليل اللغوي.
4. بالنسبة للوحدة e الواردة ضمن السياق جاء ذكرها وفق ما هو وارد في جمل الكاتب وتحليله، ما أريد أن أشير اليه هنا هو أن هذه الوحدة لها قصة أخرى في المجال النحوي لسنا بصدد ماهيتها وتحليلها في سياق هذا الحوار.
أما بالنسبة لمسألة المصطلح
لو تتبعنا تاريخ الحركة اللغوية منذ بداية القرن الماضي حتى الآن نلاحظ أن المصطلح اللساني يختلف من دارس الى أخر، كما في الجدول التالي:

تاريخ تقريبي اللغوي المصطلح
في اللهجة الكورمانجية
1942 جلادث بدرخان lêker 1.
1956 رشيد كورد pîşe 2.
1960 جكرخوين kirin 3.
1980 قناتى كوردو fi’il 4.
في اللهجة السورانية
1966 نوري علي أمين firman 5.
1971 مسعود محمد kar 6.
1973 الدكتور عبدالرحمن حاج معروف kirdar 7.
1980 …………….. kirde 8.


مع أن تعددية المصطلح ظاهرة موجودة في جميع لغات العالم، إلا أنها تأخذ حدوداً غير طبيعية في اللغة الكردية أي أنها تزداد بشكل لا يتفق مع الحد الطبيعي لهذه الزيادة، بالإضافة الى أننا لا نملك مؤسسات أو لجان مختصة تعمل للحد من تفاقم هذه الظاهرة التي تشكل عبئاً ثقيلاً على كاهل القارئ الكردي وارباكاً يعيق فهمه واستيعابه. لذا الواجب القومي يفرض نفسه على لغويو الكرد وعلى المؤسسة السياسية الكردية القيام بما يلزم لحل مثل هذه الاشكالية والعمل على توحيد المصطلح الكردي والوصول الى وضع معجم للمصطلحات الموحدة يُنشر ويُوزع في كل كردستان، وعلى كافة الكتاب والمثقفين تبني محتويات هذا المعجم.
س- هناك من يحتاج إلى تعليم الكردية ولا يحمل شيء من الثقافة اللغوية، وتراهً ينشر كتاباً في تعليم الكردية يتضمن أخطاء ومصطلحات لا يدركها هذا الكاتب.
في الحقيقة هنالك الكثير من هذه الشاكلة ليس فقط في ميدان اللغة بل في مياديين مختلفة. والكتابة قبل كل شيء مسؤولية، والكاتب مسؤول عما يكتبه سواء أكانت جمعاً أو تأليفاً أو تحقيقاً … الخ. والمصيبة أن بعض (الكتاب) لا يشعرون بهذه المسؤولية، أو أن أغراضاً أخرى تدفعهم على نشر كتب حسب قانون العرض والطلب، وخاصة في الحالة الكردية حيث غياب المرجعية الثقافية وغياب المرجعية العلمية، وغياب القارئ الناقد، وغياب القارئ الجريء.
الكتابة في ميدان اللغة تتنوع وتتفرع حسب المجال الذي يبث فيه الكاتب، فإذا كان الكتاب مصمم بهدف تعليمي، لاشك فأن أدوات كاتبه تختلف عن أدوات وأساليب الكتابة في البحث اللغوي.
أما الكتاب المقصود، كما هو واضح مليء بالأخطاء الإملائية، ففي صفحة يمكن أن نلاحظ الأخطاء التالية في طريقة الكتابة:
الخطأ الصواب
mey xane meyxane
çay xane çayxane
moze xane mozexane
mêvan xane mêvanxane
av bazge avbazge

تظهر الكلمة على شكل وحدتين منفصلتين، فالصواب هو أن تكتب بصيغة متصلة. هذا دليل واضح على أن الكاتب لا يميز بين الوحدات المتصلة والمنفصلة كأبسط عملية في المستوى التعليمي لمن يتعلم الكتابة باللغة الكردية. نحن هنا لا نطالبه أن يقدم لنا التفسير العلمي لهذا الوصل أو الفصل، وهو أن جميع اللواحق المعجمية تكتب بالصيغة المتصلة في جسم الكلمة الكردية، ما نطالبه يقع في حدود المعرفة البصرية والادراك العفوي الناتج عن فعل القراءة وهو الصيغة الصحيحة للصورة المكتوبة، وخاصة بالنسبة للكلمات المتفق على صورتها الكتابية والموحدة من قبل الجميع. لكن يبدو أن الكاتب لا يملك الوقت الكافي للقراءة والمطالعة ليكتسب هذه الكفاءة اللغوية…
ما قدمه لنا الكاتب هو نقل مباشر من حيث التقنية والمعلومة لمحتويات كتاب الدليل الثلاثي لمؤلفه عزيز عقراوي وتدوين لبعض المصطلحات من كتاب قواعد لجكرخوين. وفي البداية أخبرته بأن يذكر هذه الحقيقة ليحوز على الأقل على مصداقية القراء، لكنه أورد اسم (الدليل الثلاثي) بين أسماء مراجع أخرى لا علاقة لها أصلاً بمتن الكتاب. ورغم أنني نصحته بالابتعاد عن تدوين المصطلحات والمفاهيم التي لا زالت مثار جدل بين اللغويين أنفسهم، إلا أنه كما يبدو لم يكن قادراً على التمييز بين المفردات القاموسية القديمة والمفردات المولدة والمصطلحات الجديدة. والمقدرة على تجميع المعلومات والمفردات عن طريق النسخ واللصق لا يكتب لهذا العمل النجاح وخاصةً أن الكتب المدونة باللغة الكردية مليئة بالأخطاء. نعم هنالك بعض الكتاب يعملون في هذا الإطار التجميعي والفوتوكوبي، إلا أنهم غير قادرين أن يدافعوا عن موقفهم ويحافظوا على ماء وجههم ولو بطرق ملتوية ولفترة ما.
على الكاتب أن يدرك جيداً حقيقة إمكانياته المتواضعة، وهو أنه لا زال في المرحلة التعليمية الاساسية، أي أنه بحاجة إلى تلق أساسيات التعليم، وأنه لم يصل بعد إلى مرحلة أن يعلم الاخرين وخاصة في مجال اللغة الكردية ولا سيما في المستوى المفرداتي والاصطلاحي وبناء الجملة الكردية. وليس كل من اقتن أو مَلِكَ جهاز الكومبيوتر أو تعلم التنضيد، أصبح كاتباً. وليس كل من كتب في اللغة الكردية أصبح عالماً.
ورغم أن هذه الحقيقة جاءت متأخرة، إلا أنها موجهة لكل من يريد أن يسلك الطريق السليم والصحيح، وأن لا نجعل من لغتنا ضحية ميولنا إلى عالم الشهرة من ناحية، والتجارة من ناحية أخرى . فالشعور بالمسؤولية الحقيقية في العمل الكتابي أو في أي عمل ابداعي يحافظ على سمعة الكاتب والمبدع أولاً، ويبني جسور الثقة بينه وبين قارئه ثانياً.
س- كيف ترى الخطاب الثقافي الكردي وماذا تريد من المثقف الكردي …؟؟؟
الحالة الكردية حيث غياب المرجعية الثقافية وغياب المرجعية العلمية، وغياب الناقد الموضوعي، وسيطرة الفكر العشائري، هذا المناخ الشاذ أو لنقل الغير طبيعي يوفر الجو الملائم لمقتنصي الفرص والوصوليين والانتهازيين أن ينتعشوا ويروجوا لبضاعة مزيفة، ولا سيما إذا كان الكاتب حزبياً أو يعمل كماسح جوخ لدى حزب ما، وهذا الأمر يسبب حدوث اصطفافات غير طبيعية تظهر في تشكيلات مشوهة هي الأخرى تقترب من الشللية المؤقتة في بعض الاحيان، تجمعهم هدف مشترك أو جماعة الحال الواحد. لهذا السبب نلاحظ أن الخطاب الثقافي الكردي لدى فئة من المثقفين أو من يحسبون زوراً على الثقافة تبعث على القرف والاشمئزاز في بعض الحالات إذ لا نقرأ فيها سوى عبارات ذات طابع عام ووصفات جاهزة، عدا السطحية في التحليل، وتقديم المعلومات البالية المكررة التي عفا عليها الزمن وكأنه لا فرق بين العمل في ميدان الإبداع والعلم، والعمل في مصانع الألبسة المستعملة، يتم تصديرها على أكثر من صعيد وصاحبها أكثر من مثقف. نحن بحاجة الى خطاب ئقافي جاد ذات طابع عقلاني، ومعالجة القضايا الثقافية بمنهج سليم بعيداً عن الأنانية والمزاجية والمحسوبية، وبعيداً عن الخطاب المهاترتي بأدوات اللغة الكردية. يلزمنا خطاب ثقافي تخصصي يرتقي بأدبنا وثقافتنا الى مستوى يليق بنا كشعب، ويتعامل بعمق مع الأفكار المجردة والالتزام بالقيم الرفيعة، وتبني المواقف الانتقادية تجاه أفكارها وأفكار مختلف الجماعات في المجتمع من أجل تحقيق ما هو أفضل لصالح حقوق الإنسان وحريته في مجتمعنا.
وفي هذه المرحلة التاريخية التي تتصف بعصر الإيصالات السريعة وثورة المعلوماتية، على الكرد وبالأخص في كردستان تركيا القيام بثورة ثقافية تعمق وعيهم القومي ضد المخاطر والآثار الناتجة من عمليات التتريك الجارية بحقهم منذ بداية القرن الماضي. أما الكرد في سوريا فهم بحاجة إلى نهضة ثقافية جادة يتم نسجها بخيوط اللغة الكردية، وخاصة في هذه المرحلة التي هي بأمس الحاجة إلى رص صفوف مثقفي الكرد وجمع طاقاتهم تنظيماً وتوظيفاً وزجها في خدمة القضية الكردية العادلة والقضية الوطنية بشكل عام، على إعتبار أن الثقافة الكردية رديف للثقافة الوطنية في سوريا الى جانب الثقافات الأخرى التي تشكل في مجملها موزاييكاً جميلاً في سبيل رفاهية وسعادة الانسان في هذه الحياة القصيرة، بعيداً عن التمييز العنصري المقيت والتمييز الديني البغيض
س- من ضمن الوسائل الغير مباشرة في تعليم الكردية دبلجة البرامج- الأفلام المسلسلات الأجنبية باللغة الكردية …؟؟؟ ما مدى جدوى هذه الوسائل لتعلم اللغة..
في الحقيقة نحن نعيش عصر المعلومة ببنيتها الثلاثية كصوت وصور متحركة، فالصوت والصورة والحدث تشكل جسد المعلومة التي نتلقاها ونحن جالسين أو واقفين أو في الفراش. لذا فأن أفراد العائلة، المتعلم والغير متعلم، بمقدورهم على السواء في تلقي المعلومة. في هذه الحالة التي بات من السهل ترجمة البرامج التلفزيونية من اللغات الاجنبية الى الكردية ولا بد من الاشارة الى أن قناة (سبيستون) الخاصة بالأطفال تلعب دوراً كبيراً في اكتساب اللغة وترسيخها في ذهن الكبير والصغير. لذا لو باشرت الحركة الكردية أو لنقل الحكومة الكردية في كردستان العراق في بث (سبيستون) كردياً ولا سيما باللهجة الكرمانجية الموجهة لأكراد تركيا حيث عماية التتريك جارية بوتيرة عالية. هذا الأمر فيما لو تحقق سيكون نقلة نوعية الى بناء شخصية الطفل الكردي لغةً وتربيةً وتوعيةً وإيقاظ الشعور القومي لديه. وفي هذه المناسبة لو نتذكر موقف الحكومة التركية من مسألة البث باللغة الكردية حيث وضعت الحظر على برامج الطفل، لأنها تدرك تأثيرها المباشر على تكوين الطفل كردياً مما يشل عملية التتريك في بعض الجوانب.
س- على الرغم من تعدد الفضائيات الكردية ولكن لا يوجد لديها اهتمام بالبرامج خاصة للقواعد الكردية …؟؟ لماذا هذا التجاهل برأيك؟؟
لا شك أن الاهتمام باللغة الكردية عن طريق البرامج التلفزيونية ضرورة قومية تقتضيه مستلزمات المرحلة الحالية حيث الامية الكردية تعلماً وتعليماً، أي أن العدد الأكبر من الشعب الكردي لا يعرف القراءة والكتابة بلغته، وخاصة أكراد تركيا حيث توجد فيها نسبة كبيرة مصابة بالتتريك في لسانهم، اذ حلت اللغة التركية محل الكردية. أما السبب في غياب هذه البرامج الخاصة باللغة الكردية يعود الى الادارة المسؤولة في القناة، أي الجهة التي تخطط لها.
س- الشركات العالمية في مجال وسائل الاعلام الحديثة (الخلوي الكومبيوتر) وضعت اللغة الكردية بين اللغات المستخدمة فيها – ولكن بالخط العربي – لماذا لا يطلب من هذه الشركات تبني الخط الكردي اللاتيني أيضا في هذه الأجهزة ..؟؟
اللغة الكردية المدونة بالحرف العربي في كردستان العراق أقرَّت كلغة رسمية في الدولة العراقية، وبالتالي فأن الشركات العالمية تتبنى اللغات الرسمية حسب الحرف المعمول به في تلك الدولة. أما الكردية اللاتينية لم تكتسب الصفة الرسمية في دولة ما من دول العالم، لهذا السبب لا يتم التعامل بها من قبل الشركات العالمية.
س- كيف تنظر الى موقف السلطات التركية والعربية الى اللغة الكردية..؟؟
التمييز العنصري واحد من أكثر الآفات فتكاً وهتكاً تصيب النظم ذات الفكر الشمولي والحكومات القومية التي تستند على عنصر واحد من اللون الواحد في بناء الدولة التي تحكمها الرجل الواحد.
مما لا شك فيه أن الشوفينية الأثنية تعمل منذ أمد طويل على طمس معالم القومية الكوردية تاريخياً وجغرافياً ولغوياً، وحزب البعث منذ أن استولى على دفة الحكم في سوريا تحاول جاهداً على قهر اللغة الكوردية وصهرها في بوتقة اللغة السائدة، لذلك تراها في وضح النهار تكشر عن أنيابها باصدار فرماناتها وإيعاز الجهات الحكومية المنفذة في القيام على محو الأسماء الجغرافية والتاريخية ذات الانتماء الكوردي ، واحلال اسماء عربية جديدة محل الأسماء الكوردية القديمة التي تشكل دلالة توحي الى الذات الكوردية الذي يكون مصدر الخطر الزائف لدى الاتجاهات العنصرية في السلطة مما أدى بها الى العمل بالضدد من المسألة الكوردية بكل أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية واللغوية. ويمكن عرض بعض مظاهر الاضطهاد اللغوي في النقاط التالية:
1- في الماضي وخاصة في الستينات والسبعينات لم يكن يُسمَح بتسجيل حديثي الولادة من أطفال الكورد بالأسماء الكوردية.
2- عملت السلطات السورية والتركية على تغيير الأسماء الجغرافية ذات الأصل الكوردي حتى أن اسم (حي الأكراد) في العاصمة دمشق لم يسلم منها حيث تحول الى (ركن الدين) وجميع اسماء القرى والمدن الكوردية تحولت الى اسماء عربية في سوريا، فعلى سبيل المثال بلدة (تربةسبي) تُرجِمَ في المرة الأولى الى (قبور البيض) الذي تحول للمرة الثانية الى (قحطانية) لأن (قحطان) كتسمية تُعَدْ في نظرهم أكثر عروبةً من الاسم المترجم (قبور البيض) كما يبدو للمتمعن في الموضوع، وكأنه أكثر عنصرية، لأن العبارة المترجمة في المرة الأولى كما يبدو لم تروي ظمأ هذه العنصرية المقيتة. فالدلالة الناتجة عن طبيعة العلاقة الاسمية بالجغرافية (اسم قرية أو مدينة أو نهر أو جبل أو حارة أو …. ) بالقومية التي تعود إليها ذلك الاسم شكل تهديداً لنزعتها الشوفينية
وبنفس السلوك الشوفيني نجد أن السلطات التركية لا تقل عنصريةً عن غيرها إن لم تزيد. فهي الأخرى غيرت جميع الاسماء الجغرافية من الأصل الكردي إلى اللغة التركية التي لا تمت بأية علاقة مع تلك الأسماء، فعلى سبيل المثال، في زيارتي الى أهلي وأعمامي في منطقة عليكا الجبلية الواقعة في جنوب غرب تركيا تبعد عن جزيرة بوتان بحوالي 30 كيلومتر، وجدت أن اسماء جميع القرى والبلدات قد تم تغيرها من قبل الحكومة التركية، ورغم ذلك، فأن الاسماء القديمة هي المتداولة بين الناس، ولا تُُستخدم إلا في المستندات الرسمية.
وها هي قائمة صغيرة بحفنة من اسماء القرى وأولهم Gurîza القرية التي تحوي قبر جدي الأول والثاني.

الاسماء الكردية الأصلية الاسماء التركية الجديدة
Gurîza Yelmez koyî
Bakwan Belend koyî
Xalta Îşiq (rehnik)
Mirik pêçanek
kefşin Qeyalî (teht)
Xirabê Şêrif Bereketlî
Selekon Qoyî
Hezex Îdil
Kerboran Dargêçî
Xarpût Elegez

3- يُمْنَع ذِكِر كلمة (كوردي) في المناهج المدرسية وفي جميع أجهزة الأعلام المرئية والمسموعة والمقروءة من مذياع أو تلفزيون أو صحافة حيث لا يُسمَح بذكر أي شيء يخص الكورد تاريخاً أو شعباً أو لغة أو سياسة ألا أنني أتذكر ما ورد في كتاب التربية الوطنية في السبعينات حول القضية الكوردية في كوردستان العراق اذ وصفوها بالحركة الانفصالية في شمال العراق.
4- يُمْنَع التكلم باللغة الكوردية في كل دوائر ومؤسسات الدولة، ويُطلَب من الموظفين في هذه الدوائر التقيد بمضمون هذا الاجراء مع التلويح والتحذير في بعض الاحيان بتطبيق عقوبات وإجراءات معينة ضد كل من يخالف هذا القانون.
5- لا يُسمَح بطبع كتاب مدون باللغة الكوردية بصرف النظر عن محتواه شعراً كان أم نثراَ، إلا أن هنالك هامش يضيق أحياناً ويتسع أحياناً وفق حسابات خاصة للجهة الحكومية المسؤولة.
6- ونتيجة لهذه القوانين لا نجد أثراً لمجلة أو صحيفة كردية تعنى بشؤون الأدب واللغة والفولكلور والثقافة الكوردية. أما المسارح والنوادي الفنية والجمعيات الخيرية الخاصة بالمجتمع الكوردي لا أثر لها على أرض الواقع في سورية علماً أن النوادي الثقافية والخيرية الخاصة بالأرمن والسريان موجودة منذ تأسيس الدولة السورية ولهم مدارسهم الخاصة حيث تدرس فيها اللغة السريانية والارمنية ويسمح لهم بممارسة كافة النشاطات الثقافية والفنية الخاصة بهم.
هذا التمييز العنصري الذي يتعرض له الشعب الكوردي في سوريا خلق شعوراً بالإغتراب لدى المواطن الكوردي الذي يعيش على أرض أجداده منذ الاف السنين. فمعظم الدول في العالم تحوي على العديد من القوميات المختلفة لغةً وعاداتاً وتقاليداَ تعيش وفق مبدأ التعايش السلمي والاخوي تحت سقف الدولة الواحدة دون تمييز عنصري أو طائفي أو ديني. وللمواطن حقوق بقدر ما عليه واجبات يخدم المصلحة الوطنية للدولة. والكورد يشكلون جماعة بشرية لها خصوصيتها الاثنية تاريخياً وجغرافياً ولها الحق أن تتمتع بهذه الخصوصية أسوة بالشعوب الاخرى. وهذا الحق أمر مشروع أقرته كافة القوانين المدنية ، والشرائع الدينية، والدساتير الدولية الخاصة بحقوق الانسان. والإقرار بحقوق الكورد أمر لا يتعارض مع حقوق القوميات الاخرى بل يزيد من عوامل الوحدة والشعور بالمساواة كما يزيل الاحقاد العنصرية بين القوميات المتعددة، مما يؤدي الى خلق حالة من التعايش السلمي تدعمها عوامل التجاذب بدلا من التنافر. والثقافة الكوردية ما هي الا رافد من الثقافة الاسلامية هدفها إغناء حضارة المنطقة بنشر المفاهيم والمعتقدات التي تخدم مصلحة الانسان في الخير والمحبة بين البشر وإزالة الكراهية والبغض بينهم.
س- كيف تنظر الى موقف الأحزاب الكردية الى اللغة الكردية..؟؟
إذا كان العوامل الموضوعية تلعب دوراً كبيراً في عرقلة اللغة الكوردية عن التطور، إلا أن ضعف العامل الذاتي المتمثل بالاحزاب الكردية التي لا يمكن أن ننكر دورها المباشر والغير مباشر في تعميق الوعي القومي الكردي الذي أثّر بدوره على أهمية دور اللغة الكردية كمظهر ملموس لتمييزها عن باقي الاثنيات الاخرى، إلا أن هذا الدور لم يكن بتلك القوة الفاعلة التي تدفعها نحو نمو وتطوير لغتها القومية وتمكينها لتصبح اللغة الرئيسية للإعلام الكردي في سوريا.
وأعني بالإعلام الكوردي مجموع ما ينشره الأحزاب الكوردية من منشورات وصحف ومجلات وكتب ومواقع انترنتية التي من المفروض أن تُسخُّر في خدمة رفع شأن اللغة الكوردية وتقدمها وازدهارها وان تعمل وتناضل الاحزاب الكوردية بتوفير الكتب الكوردية ونشر وتوزيع عدد كبير من المجلات المدونة باللغة الكوردية بين الجماهير والمثقفين والمتعلمين، بالإضافة إلى تشجيع من يعملون في هذا المجال بتوفير مستلزمات تساعدهم على تطويرها بهدف مواكبة الثورة المعرفية والمعلوماتية في هذا العصر. إلا أن المتتبع لأعلام هذه الاحزاب يصطدم بواقع أخر مختلف تماماً عن الأهداف الحقيقية التي تشكل المبررات الاساسية لوجود هذه الحركة، إذ نرى أنه أي الاعلام الحزبي يعمل على نشر اللغة السائدة على نطاق لا يمكن مقارنتها بما ينشر باللغة الكوردية، لا بل البعض من مسؤوليهم يفتخرون بكُتابه وبكِتاباته بغير الكوردية، وثمة من ينظر الى اللغة الكوردية كلغة متخلفة أو لهجة محكية لا تعيرها أية أهمية أو أية اهتمام. وما المنشورات الكوردية النادرة هنا وهناك إلا من قبيل الدعاية الحزبية والتظاهر بالقومية الكوردية أمام القلة من المدافعين لقضية اللغة الكوردية. فالجريدة المركزية التي تصدر بشكل شهري أو نصف شهري هي باللغة العربية والمجلة الثقافية إن وجدت هي باللغة العربية. أما ما هو منشور باللغة الكوردية لا يتعدى مجلة واحدة لا تتجاوز عدد صفحاتها الخمسين، وتصدر مرة واحدة أو مرتين على الأكثر في كل سنة أو كل سنتين، أو لا تصدر اطلاقاً لدى البعض منها. بالإضافة إلى أن هذا المنشور الكوردي غالباً ما يكون ضعيفاً بشكله ومضمونه حيث يلد مسخاً، ويعرض عند اللزوم أو عند الطلب وكأن اللغة الكوردية تخضع الى قانون العرض والطلب. هذا الأمر يبدو عادياً وطبيعياً عندما نلتقي بقيادي كوردي وهو يتشدق ويتباهى بإمكانياته في التعبير باللغة السائدة، وبالأخص مقالته الواردة في جريدته المركزية. لو تأملنا قليلاً في عمق المسألة هذه، نصل الى نتيجة واضحة وهي أن هذه الاحزاب بإهمالها لمسألة لغتها القومية تلغي مبررات وجودها إذا ما أستمرت في سياسة التهميش اللغوي، التي ربما تنتج عنها تأثيرات سلبية ومميتة بالنسبة للقضية ككل.
والآن بدأت تظهر ملامح الخطر على اللغة الكوردية وبالتالي على القضية الكوردية حيث نجد أن الطفل الكوردي الذي يعيش في البيئة الكوردية يتكلم لغة كوردية هزيلة جداً إذ تتكون العبارة أو الجملة التي يتفوه بها هذا الطفل على عدد كبير من مفردات اللغة السائدة، والأمر من هذا أن حال القيادي الكوردي ومعرفته بلغة الام ليس أفضل من حال هذا الطفل الذي هو نتاج هذا الأب القيادي. ويبدوا لي أن الجيل القادم سيكون أكثر عرضة لعملية التماهي في بوتقة اللغة السائدة.
والأحزاب الكوردية، رغم كفاحها المضني بالعمل الحزبي، وانشغالها الدائم بالصراعات الجانبية القاتلة، واهتمامها الكبير بالجانب السياسي للقضية الكردية، إلا أنها تتحمل جزءاً كبيراً أو صغيراً من وزر هذه المسؤولية التاريخية. لذا يترتب عليها القيام بمراجعة ذاتية والوقوف عند هذه المسألة على نحو جاد والسعي في ايجاد السبل العملية ووضع البرامج الناجحة لسد هذه الثغرة التي تتوسع وتتفاقم يوماً بعد يوم، وأن تعيد النظر في لغة الاعلام مع مزيد من الاهتمام بالثقافة الكوردية والعمل على نشرها بين الجماهير.
س- ماذا عن موقف المثقف الكردي الى لغته؟
من المعلوم أن اللغة تشكل الوعاء لايديولوجي للأمة لأنها تحمل كل ما هو تراث، وكل ما هو ثقافة، وتاريخ، وأدب، وقصص الأقدمين، وحكايات الإباء، والأجداد. هذه اللغة التي تربينا في كنفها، تحمل تلك الأغاني الفولكلورية التي نطرب ونفرح مجرد سماعها. هذ ه اللغة التي نعتز بها وهي عنوان قوميتنا وتعبر عن تلك الخصوصية التي تميزنا عن الأقوام الأخرى، هذه اللغة باتت الأن مهددة من قبل نوعين من الآعداء: القوى الشوفينية العربية والتركية والفارسية، والقوى السياسية الكوردية وأخص بالذكر السياسيون والمثقفون الكورد السوريون.
لو استعراضنا أو قرأنا مواقف بعض المثقفين وخاصة أصحاب الشهادات الاكاديمية، الجامعية والدكتورا، نشاهد جلياً ما يثير الاستغراب لأنه موقف يخلو من الحس القومي الكوردي، فها هو المثقف الذي يستطيع أن ينفق ساعات طويلة على دراسة وتعلم اللغات القديمة أو اللغة السائدة، أما أن يقف ولو لمدة نصف ساعة في اليوم على لغة والديه، فهذا أمر غير مقبول، وهو أمر يثير على السخرية من وجهة نظرهم لآنهم لا يرون فيها ما يحقق الشهرة والصيت اللازم من جانب، ولا ينفع مصالحهم الذاتية من جانب أخر. تصور أن أحدهم وهو صاحب ديوان شعر باللغة العربية قام برمي مجلة كوردية في الزبالة لأنها أي المجلة ترمز الى التخلف وتقلل من قيمته (العلمية) ومستواه الثقافي (الكبير)، وعندما يتعاظم دور المسألة الكوردية على الساحة الوطنية، تراه يسارع ويسبق الاخرين ليحتل مكاناً يليق به كمثقف وطني قدم الكثير وناضل من أجل قضايا شعبه. أما إذا قرأتَ ديوانه الشعري سوف تتعرف على طبيعة الحب والهيام وهو يبحث عن عشيقة تروي ظمأه الجنسي، وفي المجالس يقدم نفسه بطلاً لا يهاب المنايا ولا الضنايا. ومثقف أخر يصرح بملئ الفم أنه لا يعرف من اللغة الكوردية سوى حروف العطف وبعض حروف الجر. وهناك مثقف كوردي لا يعرف من الكوردية بشيئ سوى الشتائم والكلمات البذيئة.
في الختام رغبت أن أقدم صورة حقيقية مما يجري في الواقع من أجل تقديم رؤية واضحة للقوى الثلاثة من اللغة الكردية: السلطة والحركة الكردية والمثقف الكردي من أجل أن نعمل معاً يداً واحدة في مواجهة هذه التحديات الموضوعية والذاتية التي تعيق من نمو وتطور لغتنا.
س- ما الجديد الذي سنقرأه للباحث برزو محمود ..؟!
لا أستطيع أن أحدد الموضوع بدقة، ولكنها دراسة لغوية تدور في موضوع الكلمة الكردية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *