الرئيسية » مقالات » القضية الفلسطينية ما بين المماطلة والحلول التوفيقية والحل العادل

القضية الفلسطينية ما بين المماطلة والحلول التوفيقية والحل العادل

ماذا يكتب عن القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني أكثر مما كتب عنهما خلال حقبة تاريخية حدثت فيها العديد من الحروب والمفاوضات والاتفاقيات بدون أي تقدم لإيجاد حل عادل ينهي فيه الصراع العربي الفلسطيني الإسرائيلي ويحقق السلام وقيام دولة فلسطينية وفق رؤيا عادلة ومتوازنة ، الكتابة قد تعيد التذكير وتدفع الرؤيا إلى أمام لكنها ستبقى تصطدم بجدران إسمنتية من الممنوعات التي وضعت بالأساس كعازل للحلول العادلة

يدرك الأمريكان والاسرائيلين وأكثرية الحكام العرب جيداً أن المشكلة الأساسية في الشرق الأوسط هي القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني واستمرار إسرائيل في احتلالها لأراضي عربية بالقوة وعدم رضوخها للمجتمع الدولي وتعنتها أمام أية خطة حيادية لتحقيق السلام ووضع النقاط على الحروف

وعندما تطالبها الأسرة الدولية وبعض الدول باحترام المواثيق الدولية من اجل قيام دولة فلسطينية بعد انسحابها من الأراضي التي احتلتها أثناء حرب حزيران 1967 فإنها تمتنع وتحاول تسفيه هذه المطالب وإتباع سياسة الخداع والتضليل وعدم انصياعها للقرارات أو المطالبات بل الاستمرار في سياسة ضم الأراضي الفلسطينية التي احتلتها بعد عام 1967 وبناء المستعمرات على حساب الشعب الفلسطيني

وتدرك الولايات المتحدة وإسرائيل أن حل القضية الفلسطينية بشكل عادل يعني إنهاء الكثير من المشاكل والتعقيدات في المنطقة وهذا لا يخدم مصالحها وتوجهاتها للبقاء على هذه البؤرة المضطربة والمستمرة لمضاعفة وجودها وهيمنتها على موارد هذه البلدان وتهديدها المباشر لاستقلالها وتحررها من الإخطبوط الاقتصادي الاستعماري ، هذا الإدراك الذي هو عن قناعة راسخة استمر طويلاً وفي كل مرة تصل الأمور إلى نهايتها تقريباً يعود حكام إسرائيل للبداية وتفتعل الأزمات والحجج لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع وبالطبع بتأييد مطلق من قبل الولايات المتحدة لا بل تقديم الدعم الكامل لها وتشجيعها لإنجاح مخططاتها.

إذن لنتفق أولا وندرك كما يدرك الأمريكان وإسرائيل أن قضية الشرق الأوسط وبخاصة الفلسطينية هي محور جميع المشاكل والأزمات والاحتقان الاجتماعي وبالتالي هي جذر للحركات القومية والإسلامية منذ البداية لحين تراجع المشروعين وبروز مشروع التطرف الديني الذي توزع ما بين دعوة الرجوع للسلف والأصول أو ربطهما بالقضية الفلسطينية دينياً باعتبار بيت المقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين وهذا التطرف الذي بدأ يتصاعد وينمو لم يكن بمعزل عن السياسة الأمريكية أيام الحرب الباردة ومعاداة الاتحاد السوفيتي واستخدام الدين الإسلامي كسلاح جديد ضد دولة أفغانستان العلمانية بالتحالف مع ابن لادن وتنظيماته وتوجهاته ومدعما بالمال والسلاح والدعم المعنوي لتقويض الدولة الأفغانية العلمانية بحجة الإلحاد واتخاذ الدين الإسلامي والشعور الديني وتأثيراته على المجتمع الأفغاني لا بل على أكثرية المجتمعات الإسلامية لا بل حتى مساعدة وتضامن بعض الدول العربية

والإسلامية وسيلة في القضاء على هذه الدولة وتنصيب قوى إسلامية تحالفت معها بما فيها منظمة القاعدة لكن العرس الدموي سرعان ما انقلب على العروس والعريس فبدأ الصراع الدموي في ما بينهم وانقسمت البلاد بين المليشيات الإسلامية التي تحالفت مع الولايات المتحدة الأمريكية حتى ظهور طلبان المدعوة من قبل ابن لادن ومنظمته وباكستان وبعدما استكملت طلبان سيطرتها أحست الحليفة الكبرى بالخطأ الجسيم الذي ارتكبته وبخاصة عند الإعلان عن الموقف من القضية الفلسطينية والقضاء على إسرائيل ثم انقلبت ضد السياسة الأمريكية لوقوفها بجانب إسرائيل وبالضد من حليفها القديم وتسارعت الأحداث وجاء تفجير المركز في 11/9/2001 لقطع شعرة معاوية حيث بدأت مرحلة جديدة لا داعي للدخول إلى تفاصيلها وبخاصة إسقاط طلبان واحتلال أفغانستان ثم إسقاط نظام البعثصدامي واحتلال العراق.

القضية الفلسطينية هي مشكلة الشرق الأوسط التي أنتجت العديد من الحروب والصراعات الدموية ثم احتلال لأراضي عربية جديدة بعد حرب 1967 وبما أنها بقت بدون حل عادل يحفظ حقوق الجميع استغلت من قبل أكثرية الدول العربية وبدلاً من الالتفات إلى تحقيق قدر من الديمقراطية وحل المشاكل التي توجهها الطبقات والفئات الفقيرة فقد تأسست منظومة من المؤسسات الأمنية القمعية وألغيت الكثير من الحقوق بحجة القضية المركزية حتى الحرب التي شنها نظام صدام حسين ضد إيران 1980 أعلن فيها عن تحرير فلسطين عبر طريق عبادان وجاء احتلال دولة الكويت تحت الشعارات القومية نفسها التي رفعتها الأحزاب القومية وبعض الحكومات وإعلان العداء للقوى الوطنية الديمقراطية ومحاربتها بشتى السبل لأنها طالبت بحل القضية الفلسطينية على أسس عادلة وقيام دولة فلسطينية حرة بجانب دولة إسرائيل وضمان حقوق الشعب الفلسطيني وتحقيق السلام العادل في المنطقة لأن هذه الدول والأحزاب القومية كانت ومازالت تعتاش على عدم حل القضية الفلسطينية وتدرك جيداً أن الحل سوف يخلق ظروفاً جديدة لشعوبها وبالتالي يبدأ الصراع الطبيعي من اجل الحقوق والحريات والديمقراطية والنضال من اجل تحسين أوضاع الجماهير الكادحة وهذا الإدراك تزامن مع إدراك الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل الذي يؤمن بان حل القضية الفلسطينية سيوجه الصراع ضد مصالحهما الاستعمارية الاستغلالية وبالتالي يخلق ظروفاً جديدة للصراع من اجل الحريات وحقوق الإنسان وبالضد من العولمة الرأسمالية وإخطبوط الشركات المتعددة الجنسية.

الولايات المتحدة الأمريكية لم تدرك جوهر الصراع القائم في المنطقة واعتبرته شكلياً وكانت دائماً تراهن على الحكام الإسرائيليين كحلفاء أساسيين أما الدول الأخرى فهي اقل درجة في التحالف الموما إليه لا بل أية علاقة سياسية أو اقتصادية أو عسكرية.. الخ ، مع أن هذه الدول بقيت تخضع لمصلحة إسرائيل بالدرجة الأولى وبعد ذلك تأتي القضايا الأخرى ومن هذا العمى في رؤية التغيرات وردود الفعل في أكثرية المجتمعات العربية والإسلامية التي تعاني الاضطهاد المزدوج ، اضطهاد الدولة وقمع الحريات والتجاوزات على حقوق الإنسان وسوء الأحوال المعيشية والفقر حتى الإملاق ثم السياسة المهادنة على حقوق الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة لصالح إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وعدم حل القضية بشكل عادل ، وبسبب القمع ضد الحريات ومحاربة الرأي الآخر وبخاصة القوى الديمقراطية بدأ التطرف الديني في التوسع الذي انسجم مع الطروحات التي تخص العدالة والاستحقاق في الآخرة والجنة الموعودة واستغلال هذا الاحتقان في قضية الإعلان عن الجهاد الإسلامي ضد ” الكفار والصليبين وحلفائهم ” واستغل الدين الإسلامي كواجهة للتطرف مما أثر ويؤثر على مشاعر الملايين من المؤمنين وانتعشت المنظمات والأحزاب السياسية الإسلامية المتطرفة والمعتدلة على حساب القوى الوطنية والديمقراطية بسبب القمع والملاحقة وحجب الحريات عن الأخيرة وفسح المجال أمام النشاط السياسي الديني الذي استغل في تأجيج مشاعر المسلمين للكسب السياسي إلا أن التطرف الديني أصبح قاعدة للتنفيس عن المعاناة وأداة استغلت من قبل السلفيين الأصوليين بشقيهم ومنظماتهم الإرهابية المتطرفة وهو ما شاهدناه في العديد من الدول كالجزائر ومصر والسودان والسعودية العربية وأفغانستان والعراق وغيرهم وما يجري الآن في العراق ولبنان أخيراً دلالة على ما نريد التوصل إليه وهو أن القاعدة الأساسية للتطرف كانت ومازالت في الشرق الأوسط هي القضية الفلسطينية والحلول التوفيقية الفاشلة التي أدت إلى الإحباط والانكفاء نحو الحلول المسلحة وبالتالي تبني أساليب العنف المضاد الذي هو وليد لعنف الدولة وسياستها القمعية.

ستبقى القضية الفلسطينية عكاز للدول العربية والإسلامية غير الديمقراطية والمنظمات والأحزاب السياسية الدينية والقومية لتمرير سياستها التمويهية واستغلالها من اجل تنفيذ خططتها وهو ما تريده الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لتحقيق اهدافهما بعدم الاستقرار وخلق بؤرة توتر دائمة توفر لهم مستلزمات الاحتفاظ بالأراضي الفلسطينية والعربية من قبل إسرائيل وتحفظ مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائه من الدول الأوربية وفي مقدمتها بريطانيا.

لن تهدأ المنطقة بواسطة الحلول الجزئية والتوفيقية وعلى حساب جهة واحدة إذا لم يكن هناك حل عادل متكافئ للقضية الفلسطينية يقوم على أساس قيام الدولة الوطنية الفلسطينية المستقلة وإعادة الأراضي العربية المحتلة بعد حرب 1967 وخلق مستلزمات حقوقية وإنسانية لقيام علاقات متكافئة بين جميع دول المنطقة بما فيها إسرائيل على مبدأ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون لدول المنطقة واحترام رغبة الشعوب في الحرية والتقدم والبناء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *