الرئيسية » مقالات » القضية الكردية وتنظيرات “العلاك” عبدالحليم خدام

القضية الكردية وتنظيرات “العلاك” عبدالحليم خدام

في حديثه مع تلفزيون “المستقبل” في 16 / 5 / 2007 ضمن برنامج الاستحقاق الذي يقدمه الأستاذ علي حمادة وردا على سؤال عن وضع الأكراد في سورية والصيغة التي تضمن حل قضيتهم ساوى السيد عبدالحليم خدام نائب الرئيس السوري على مدى عقود وأحد أعمدة النظام التوتاليتاري الجاثم على صدور السوريين منذ أكثر من أربعة عقود ساوى وبكل وقاحة بين الضحية الكردية وجلادها البعثي العروبي فهو يرى أن النظام خلق مشكلة كردية من خلال ممارساته الشوفينية ما خلق في المقابل شوفينية كردية معاكسة وكأن الأكراد هم الذين يمارسون سياسات الصهر القومي والتهجير والتطهير العرقي والاستيطان بحق العرب في سورية في حين أن العكس هو الصحيح تماما وعند سؤاله عن رأيه في حل المشكلة الكردية على أساس الفيدرالية أو ما شابه آنتفض خدام ليغلب طبعه البعثي والعنصري تطبعه الديموقراطي الزائف والكاذب إذ وصف هذه الحلول كالفيدرالية والحكم الذاتي وحتى بعض الحقوق البسيطة والأولية بانها مجرد “علاك” ( وهي تعني باللهجة العامية السورية اللغو من الكلام ) ولا يخفى ما ينطوي عليه هذا الوصف من “احتقار” للقضية الكردية في سورية ومن حقد دفين على الشعب الكردي ورفض مطلق لحق هذا الشعب في تقرير مصيره ولست أدري لماذا قفزت إلى ذاكرتي ولاشك إلى ذاكرة ملايين الأكراد في سورية عندما تفوه خدام بهذه الكلمة النابية صورة الخدام عندما كان نائبا للرئيس في سلطة البعث الانقلابية وشريكا أساسيا في ارتكابات النظام وجرائمه وسياساته الخرقاء والمدمرة داخليا وخارجيا والحارس الأمين للنظام الفاشي والجلاد الذي آنقض بضراوة وشراسة على مثقفي وناشطي ربيع دمشق الموؤد فضلا عن أنه أحد كبار المؤسسين والمساهمين في تكريس وترسيخ ثقافة التسعة والتسعين في المائة بما تنطوي عليه من استبداد وتسلط وتزوير وتزييف وكذب وإكراه ( مع الاعتذار من العزيز الدكتور فيصل القاسم ) وتدشين الجملوكية العربية السورية ( مع الاعتذار من الدكتور سعد الدين إبراهيم ) عبر استلام بشار الأسد زمام السلطة وراثة خلفا لوالده وبقاء خدام نائبا للرئيس بعد رحيل حافظ الأسد .
والحال أن هذا البعثي العتيق المتشرب بالآيديولوجية الفاشية لحزبه الانقلابي والذي خرج على أسياده في دمشق ليس لصحوة ضمير أو تكفيرا عن ذنب ربما يراهن وهو العارف بعمق المآزق التي يتخبط فيها نظام البعث المأزوم والمترنح على كونه بديلا لبشار وكأن خيار السوريين المنكوبين منذ أربعة عقود بالبعث والبعثيين هو إما بشار أو خدام فيا لها من مفاضلة سقيمة وبائسة وهي بالفعل إحدى النتائج الكارثية لحكم البعث التوتاليتاري فهل من نتيجة أسوأ من أن يكون البديل الموعود للسوريين بعد كل هذه المعاناة والمكابدة المريرتين في ظلال الفاشية البعثية هو شخص كخدام وما أدراك ما خدام إنها حقا نتيجة طبيعية لمصادرة المجتمعات وتأميمها وأدلجتها وإفراغها من كل طاقاتها ووأد قابلياتها في التطور والتقدم شأنها شأن الاجتماعات البشرية الحرة غير المكبلة بقيود آيديولوجيات فاشية وظلامية على غرار الآيديولوجية البعثية الساقطة .
والواضح أن خدام يعتبر أي طرح لحل القضية الكردية وفق ما يرتأيه الشعب الكردي أكان على أساس الفيدرالية أو الحكم الذاتي بعيدا عن طرحه المبهم السخيف المسمى الحل الوطني للقضية الكردية في سورية فأي طرح مغاير ومخالف لهذا الحل الوطني المقدس ليس سوى شوفينية كردية وعليه فالرجل يعتبر والحال هذه الجهر بالحق الكردي والتوكيد عليه محض عمل شوفيني يستوجب الإدانة ويستدعي إطلاق العنان لسلاطة اللسان التي إن دلت على شئ فإنما تدل على المستوى الوضيع لخدام وهو يعتبر كل حديث عن القضية الكردية في سورية وحق الشعب الكردي في تقرير مصيره ونيل حقوقه القومية والوطنية المشروعة على قاعدة كونه شعبا يعيش على أرضه التاريخية في كردستان الغربية قبل قيام الدولة السورية في 1946 بآلاف السنين فأي تأكيد على هذه الحقائق البديهية هو في نظر “المخلص الوطني” ( نسبة إلى جبهة الخلاص الوطني التي هي ثمرة زواج المتعة بين العروبي البعثي عبدالحليم خدام والأصولي الأخواني علي صدرالدين البيانوني ) خدام مجرد كلام فارغ أو”علاك” بحسب اللغة السوقية البذيئة لصاحبنا ولاغرو في ذلك فكل إناء بما فيه ينضح فماذا نتوقع من شخص له كل هذا التاريخ الأسود فذاكرة الشعب السوري بعربه وأكراده ليست ضعيفة كي تنسى حقيقة دور خدام وإسهامه المحوري في تمكين الاستبداد البعثي وتكريسه كأمر واقع بقوة الحديد والنار بوصفه الخادم الوفي لرأس السلطة الاستبدادية حتى الأمس القريب .
والواقع أن الحل الوطني السحري الذي يطرحه خدام للقضية الكردية والذي لا ملامح له ولا لون ولا طعم ولا رائحة هو مجرد شعار أجوف وفضفاض فليكن خدام جريئا وصادقا ولو لمرة وليعلن أن هذا الحل الوطني الغامض مجرد كذبة وتلاعب بالكلمات التي غدت مبتذلة بفعل الاستخدام والتوظيف البعثيين لها وعلى رأس هذه الكلمات والشعارات تأتي الوطنية بمعناها البعثي فالبعثية وخدام بالتعريف بعثي قح مناقضة جملة وتفصيلا للوطنية السوية بما هي نتاج تضافر جملة عوامل مؤسسة للوطنية كمبدأ وممارسة فالوطنية بمعناها الديموقراطي الحداثي المركب وليس البسيط القائم على التغني بشجر الوطن وحجره هي معمار قوامه التراضي والتعاقد والتكامل والتوازن بين المسؤوليات والواجبات بين المواطنين في ظل نظام دستوري ديموقراطي يكفل حقوق الإنسان والجماعات المتمايزة داخل الوطن الواحد .
أن الحل الوطني الحقيقي هو في الالتزام بحق الشعب الكردي في تقرير مصيره في إطار سورية ديموقراطية فيدرالية بما يكفل للأكراد المساواة والشراكة الحقيقية مع العرب في سورية على أساس اتحادي الأمر الذي يصون الوحدة الوطنية الاختيارية ويعززها بعيدا عن تنظيرات العلاك خدام ومن شاكله من ديكتاتوريين صغار يتحينون الفرصة للحلول محل معلمهم وسيدهم الديكتاتور القابع في قصر المتاجرين مع الاعتذار من السيد سعد الحريري والطامة الكبرى أن خدام يتحدث وكأنه الوصي على الشعوب السورية عامة وعلى الشعب الكردي خاصة والا فكيف نفسر تحديده لما يحق وما لا يحق للأكراد ووصفه للحقوق والمطالب الكردية المشروعة في الفيدرالية والحكم الذاتي بانها مجرد “علاك” وكما أسلفنا فان هذه المواقف ليست غريبة على خدام الذي كان ركنا ركينا في الطغمة البعثية المتسلطة على سورية وشريكا أساسيا في كل الجرائم والارتكابات والسرقات التي حولت صعاليك ومتسلقين كخدام إلى أثرياء يملكون مليارات الدولارات المنهوبة من قوت الناس والمضحك اعتقاد خدام أن خروجه المتأخر جدا وبعد خراب البصرة على أسياده في دمشق سيجعله يفلت من المحاسبة والمساءلة والمحاكمة على ما اقترفته يداه بوصفه أحد أعمدة النظام الفاشي على مدى أربعة عقود فليتواضع خدام قليلا وليكف عن تعجرفه المضحك ويلتزم الأدب والوقار عند حديثه عن شعب مكافح كالشعب الكردي في سورية والذي فشل خدام وأسياده منذ انقلابهم الأسود الذي أوصلهم إلى السلطة وعبر تنفيذ سلسلة من المشاريع والسياسات العنصرية التعريبية الشرسة كالحزام العربي والإحصاء الاستثنائي في كسر إرادته في الحياة كشعب قائم بذاته يعيش على أرضه التاريخية كردستان .
ويبدو أن الخدام قد تناسى أنه كان يشغل منصب نائب الرئيس عندما آنتفض الشعب الكردي في آذار 2004 ضد المجزرة البعثية المفتوحة بحق المدنيين الأكراد الأبرياء في القامشلي وغيرها من مدن كردستان سورية فهو أيضا بحكم الموقع الذي كان يشغله آنذاك ملطخة يداه بدماء عشرات الأكراد المسالمين الآمنين ممن ذهبوا ضحية الحقد البعثي العنصري وأما المحاولة السخيفة من خدام لتصوير القضية الكردية وكأنها محض مشكلة مجردين من الجنسية فالحال أن الإحصاء الذي حرم بموجبه مئات آلاف الأكراد من جنسياتهم ليس إلا حلقة في سلسلة المشاريع التعريبية الاستيطانية والسياسات العنصرية القذرة التي كان يرسمها وينفذها ويتفاخر بها خدام وغيره من خدم البعث الفاشي وسدنة النظام العسكري والأقلوي العلوي والواقع أن خدام يبدو كمن يذهب إلى الحج والناس عائدة فهو يطرق أبوابا ويسلك طرقا أكل الدهر عليها وشرب في محاولاته الخبيثة لطمس القضية الكردية في سورية وتمييعها وفي هذا الصدد كم هي مضحكة ومبتذلة إشارته البلهاء إلى أن الأكراد غير مضطهدين بدليل وجود رؤساء جمهوريات من أصل كردي في سورية معددا لنا بعض الأسماء الكردية في التاريخ السوري ونحمد الله على أنه لم يعد بنا إلى حقب زمنية قديمة في التاريخ الإسلامي كأن يتحفنا باكتشاف آخر من اكتشافاته الخارقة في بلاهتها كأن يخبرنا مثلا بكون صلاح الدين الأيوبي كرديا والراهن أن هذه الطريقة المطروقة مرارا وتكرارا للالتفاف على القضية الكردية عبر الحديث عن التاريخ المشترك والأخوة ومعارك التحرير والتوحيد والنضال ضد الاستعمار الغربي وغيرها من أيقونات ( وأخر هذه الأيقونات هي المعزوفة الخدامية الجديدة ومفادها أن العرب والأكراد شركاء في الوطن والمصير ما يذكرنا بالشعار البعثي التوأم لهذا الشعار السخيف الذي كان يرفعه خدام وسيده الأسد عن وحدة المسار والمصير بين سورية ولبنان ) ما عادت مجدية في التغطية على القضية الكردية وطمس وتسفيه حق الشعب الكردي في تقرير مصيره على أرض وطنه كردستان ولعل اختزال خدام لشعب بأكمله في بضعة شخوص متحدرة من أصول كردية لعبت أدوارها في التاريخ السوري في الغالب الأعم كشخوص مستعربة لا علاقة لها بالمطلق بالأكراد وقضيتهم العادلة لدليل ساطع على مدى ضحالته وغباءه الذي يحاول عبثا التغطية عليه عبر الإمعان في التذاكي الخبيث ولتبين مدى سخف وتفاهة هذه المراهنات السلطوية العروبية القائمة على نفخ الروح في الشخوص الكردية المستعربة حتى النخاع والمنبوذة كرديا وتقديمها كنماذج كردية صالحة لتبين تهافت هذه المراهنات السقيمة حسبنا إلقاء نظرة عابرة على بعض قوادي السلطة الحاليين أمثال محمد مروان الزركي ومحمد سعيد رمضان البوطي وصلاح كفتارو وغيرهم من النكرات .
أما قول خدام أن الأكراد موزعون على جزر معزولة عن بعضها في محاولة لتصويرهم كمجموعة جاليات متناثرة هنا وهناك أي كشعب بلا أرض فهو يهدف من وراء هذا الكلام المنحط إلى سلخ الأكراد عن أرضهم التي هي جزء لا يتجزأ من كردستان فكردستان الغربية ( كردستان سورية ) والتي تضم مناطق الجزيرة – كوباني – عفرين هي الحاضنة الجغرافية التاريخية للشعب الكردي منذ آلاف السنين والسؤال الذي يطرح نفسه هنا على البعثي العروبي عبدالحليم خدام : هل كون الضفة الغربية وغزة منطقتان منفصلتان جغرافيا يطعن في عدالة القضية الفلسطينية وأحقية الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وهل ينسف توزع الفلسطينين على جزيرتي الضفة وغزة ( إذا ما استعملنا المنطق الخدامي ) قضية العرب الكبرى والأولى والمركزية … الخ التي لطالما تاجر بها خدام وأمثاله من القتلة والمجرمين ممن قفزوا إلى السلطة على ظهر الدبابات باسم الذود عن فلسطين وتحريرها في سورية والعراق وغيرهما من الدول العربية التي ابتليت بوباء الفاشية القومية البعثية خصوصا .
أن القضية الكردية هي بالتعريف قضية أرض وشعب وأي محاولة للقفز على هذه الحقيقة والالتفاف عليها لن يكتب لها النجاح أبدا وفي هذا الصدد فقد كان حزب يكيتي وهو أكبر الأحزاب في كردستان سورية سباقا في التأكيد على هذه الحقيقة الملموسة في مؤتمره الأخير حيث طالب بجعل المناطق الكردية في الجزيرة وكوباني وعفرين منطقة إدارية واحدة في إطار لا مركزي سياسي أي بعبارة أخرى في إطار اتحاد فيدرالي بين الإقليمين العربي والكردي في إطار سورية ديموقراطية تعددية على أنقاض سلطة البعث الاستبدادية التي شيدها الأسد وكبير خدمه عبدالحليم خدام . 

كاتب كردي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *