الرئيسية » مقالات » اصل علمانية اتاتورك وفصلها

اصل علمانية اتاتورك وفصلها

الهجرة الكثيفة لابناء وبنات المشرق الاسلامي نحو القارة الغربية المتحضرة خلال العقدين الاخيرين، بحثاً عن حياة افضل وفي احيان كثيرة هرباً من القمع والظلم السياسي والاجتماعي، حملت معها الحجاب كظاهرة دخيلة غير مألوفة الى بلدان الغرب المسيحي، وبوصول المحجبات الى ارض المهجر تحول الحجاب الى قضية عالمية، واصبح محل جدل واسع في المجتمعات الجديدة الحاضنة لجحافل المهاجرين، ووسائل اعلامها الحر، كما تم طرحه للنقاش والحوار في برلمانات غربية مختلفة .

شكلت فرنسا قلعة الليبرالية والمهاجرين، مسرحاً لنزاع حاد حول مسألة الحجاب في الاعوام القليلة الماضية، لكنها وعلى غرار الدول الغربية الاخرى ظلت مخلصة للقيم الليبرالية، باعتبار الشخص”الفرد” هو محور الفكر الليبرالي، ولايجوز التعدي على الحرية الشخصية للفرد، وكون الحجاب شأن خاصاً بشخص المحجبة دون غيرها، من غير الممكن فرض الحجاب على المحجبة او منعها من ارتداءه في فرنسا، والقوانين الفرنسية المستحدثة بحظر دخول الطالبة المحجبة الى قاعات الدراسة والتعليم، لاتتعارض في الحقيقة والحرية الشخصية للفرد، باعتبار الحجاب مثله مثل الصليب الكبير والصليب المعكوف والقلنسوة اليهودية، من الرموز الدينية والسياسية غير المرغوب بها في سلك التربية والتعليم الرسمي، في بلد علماني تخلص من الثقافة الكنسية الاستبدادية وحلكة القرون الوسطى منذ زمن بعيد، لكن عملية الحظر هذه لا تشمل المدارس الخاصة ولا المرافق الحكومية الاخرى بل تقتصر على المدارس الرسمية فقط، مما يعني الحفاظ على الحرية الشخصية للمحجبة وحريتها في الاختيار، وبالتالي اعتقد ان فرنسا احترمت نفسها في قضية الحجاب باحترامها للحرية الشخصية في التعبير، على عكس ما يذهب اليه البعض .

بالرغم من تحول قضية الحجاب الى قضية عالمية، كما اسلفنا، تبقى تركيا في مقدمة الدول التي تشهد صراعاً مريراً بهذا الخصوص، منذ ظهور نجم كمال باشا اتاتورك على الساحة التركية في العشرينات من القرن الماضي، واعلانه عن ثورته الاجتماعية التي تسمى بالتركية “قيافة دفرومة” اي ثورة القيافة, واطلاقه لمجموعة فرامانات بمنع ارتداء السروال التقليدي وغطاء الرأس “للجنسين”، داعياً الناس لتقليد اهل الغرب شكلاً وروحاً، في محاولة حثيثة منه لعصرنة تركيا الاسلامية الشرقية، تلك الثورة التي بدأها اتاتورك مازالت قائمة دون ان تحسم، ولتصل الى ذروة التصعيد هذه الايام في تركيا، وتعمل عملها في شرخ المجتمع التركي وتقسمه الى قسمين بين مؤيد ومعارض .

للحكم على الصراع الحالي في تركيا حول قضية الحجاب المثير للجدل، لابد من فهم النوازع والدوافع الحقيقية لمسبب هذا النزاع كمال باشا اتاتورك، بكونه الاب الروحي والفعلي للعلمانية التركية، والضابط الذي فرض ارائه على المجتمع التركي والطبقة السياسية التركية بشكل منقطع النظير، وترك ابلغ الاثر في صميم المجتمع التركي لتستمر افكاره ومبادئه الى اليوم بنفس الوتيرة السابقة تقريباً .

التطرف والاعتزاز المفرط بالقومية التركية لدى اتاتورك، امر لا يختلف عليه اثنان، لكن دواعي ذلك التطرف ما تزال محل خلاف واختلاف للاراء، فالرأي القائل بأن اتاتورك قد فقد والده وهو صغير وعاش في كنف خاله، مثله في ذلك مثل صدام حسين، وكل من يمر بتلك الحالة النفسية التعيسة الصعبة المعقدة، عادة ما يصاب بلوثة الاعتزاز القومي وداء العنصرية، هو مجرد رأي غير مقنع في الحقيقة، مقارنة بالاراء الاخرى الاكثر واقعية، فهناك من يفسر ويرجع حالة التطرف القومي لدى اتاتورك الى عظمة التاريخ التركي الحافل بالانجازات، فالاتراك حكموا مناطق واسعة من القارات الثلاث اسيا وافريقيا واوروبا، ووصلوا الى مشارف فيينا قلب الغرب والمسيحية، كما انهم احفاد امبراطورية شاسعة حكمت شعوب عدة لاكثر من ستة قرون متواصلة تكثرهم عددا وعدة، وهم الدخلاء غير الاصلاء على المنطقة، حيث قدموا الى الشرق الاوسط من اواسط اسيا قبل 900 عام فقط، وهذا الرأي رغم واقعيته يتناقض مع ما اقدم عليه اتاتورك بحق التاريخ التركي، ولو صح بالفعل هذا الرأي لما قام اتاتورك بمحو المعالم الاسلامية للسلطنة العثمانية، وكان حافظ على ذلك الارث ودافع عنه بشراسة، والاسلام جزء صميمي من التاريخ التركي بدون ادنى شك، اما الرأي الاخير حول حقيقة الاسباب والدوافع الكامنة وراء التعصب القومي التركي المتعجرف لاتاتورك، يرى في السلطنة العثمانية التي ولد في ظلها اتاتورك وقضى معظم شبابه، المسبب الاساسي وراء تطرف الرجل، فعائلة ال عثمان الحاكمة للامبراطورية العثمانية، اهملت العنصر التركي لصالح الاسلام والمسلمين من ابناء القوميات الاخرى، والتركي لم يحصل على اي امتيازات بالرغم من تركية حكام الامبراطورية وعاصمتها استانة، على عكس باقي الامبراطوريات الاخرى المجرية والروسية والبرتغالية التي درت بالخيرات الوفيرة على شعوبها، كما ان نفوذ ابناء الاقاليم من غير الترك كان متفشياً في بلاط الامبراطورية العثمانية، واكثر بكثير من نفوذ الترك انفسهم، الامر الذي خلق الشعور بالدونية لدى مثقفي تركيا وحتى العامة منهم، ولدى مصطفى كمال اتاتورك بالتحديد، ذلك الاحساس كان الدافع الاساسي وراء النقمة لديه على كل ما هو شرقي ومسلم، وفي نفس الوقت دفعه الى التمسك بالقومية التركية والتوجه نحو الفكر الغربي، الشعار المعروف الذي اطلقه اتاتورك ابان ثورته، “يالسعادة من يجهر بأنتماءه التركي” يعكس مدى الشعور بالدونية لدى مصطفى كمال اتاتورك، التي اكتسبها في زمن الخلافة العثمانية، ويثبت هذا الشعار مدى الاحباط التركي والاضمحلال القومي التركي اثناء الحقبة العثمانية، حتى وصل الامر بالاتراك الى حد الخجل بالافصاح عن هويتهم التركية، هذا الرأي في الحقيقة يعطي صورة اقرب الى الواقع، وتفسيراً عقلانياً مقبولاً لدوافع اتاتورك وتصرفاته تجاه الشرق والاسلام .

“نحن قمنا بثورة كبيرة، حيث أخذنا البلد من عصر إلى عصر جديد” حديث لاتاتورك يعود لعام لعام 1925 ، تأثر اتاتورك الشديد بالغرب الاوربي ليس بالامر الغريب، لكن اسلوبه في تغريب المجتمع التركي امر في غاية الغرابة، وفرضه لطريقة عيش معينة على الشعب التركي، لاشك هو تصرف فاشي يتميز بالسطحية والسذاجة، والفاشية تنسجم وفكر شخصية مثل كمال اتاتورك، لكن السذاجة والسطحية فهي بعيدة عن الرجل ولا تنسجم مع تاريخه وسيرته الغنية بالاحداث والافعال، فما الذي دفع كمال باشا المعروف بذكائه الحاد ليعتقد ان العصرنة والتحضر يتم من خلال التغيير في الملبس والتبديل في المظهر؟ لابد ان يكون له دوافعه الخاصة غير المعلنة، قانون تغيير الزي والغاء غطاءات الرأس الذي صدر عام 1925 ،وقانون استخدام اللقب التركي حزيران عام 1921، وقانون إلغاء الألقاب والعناوين نوفمبر عام 1934وقوانين عديدة اخرى، لم تكن تهدف لاحداث عملية العصرنة والتحديث كما يعتقد البعض، بقدر ما كانت تهدف الى تتريك البقية الباقية من السلطنة العثمانية، وسياسة اتاتورك شكلت حلقة متممة لعمليات تصفية الارمن الوحشية التي بدأت عام 1915 ، ومجمل القوانيين الاتاتوركية اعتمدت على اهداف قومية تصفوية بحتة، لجعل سكان الثلث الكردي من تركيا اتراك جبال واصحاب “شفقة” طاقية لا يختلفون عن الاتراك الاخرين بالملبس وباللقب، وبموجب القوانيين التي صدرت في تلك الفترة تم بالفعل حظر اللغة الكردية والزي الكردي ليس فقط في دوائر الدولة بل حتى في الاماكن العامة .

بعد مرور قرن تقريباً على ميلاد التجربة الاتاتوركية، لم يتحقق ما اراده كمال باشا اتاتورك من صهر لكل من يعيش على ارض تركيا في بوتقة واحدة شكلاً ومضموناً، ومجتمع قومي تركي معاصر على الطريقة الغربية هدف لايزال بعيد المنال، بل على العكس تماماً نشهد اليوم مجتمع يحمل في داخله جملة من التناقضات، بالاضافة الى ذلك، تحمل الذمة التركية دماء الملايين من الابرياء الارمن، وفشل ذريع لتركيا الكمالية في مسيرتها الطويلة والمكلفة للقضاء على الكرد، حتى اختلط الامر على احفاد اتاتورك مؤخراً، لتتحول الاتاتوركية من خلاف تركي ارمني وتركي كردي الى خلاف تركي تركي .

ما تشهده تركيا من صراع هذه الايام، يعتبر محصلة طبيعية لافرازات الثقافة الكمالية من تطرف قومي وفكري وقيمي، وهو صراع نفوذ ومصالح بامتياز اكثر منه صراعاً اسلامياً علمانياً كما يظهر للعيان، واعتقد جازماً ان رفض مرشح الرئاسة عبد الله غول بحجة زوجته المحجبة، هو مجرد هراء وردة فعل شاذة للكماليين الاتراك، على نجاح التجربة المتميزة للحركة الاسلامية المعتدلة خلال السنوات الاربعة الماضية، على غرار ردة فعل جدهم اتاتورك تجاه الخلافة العثمانية، وهذا التصرف من قبل من يسمون انفسهم بالعلمانيين، يشكل اعتداء صارخاً على القيم الليبرالية والعلمانية معاً .

عنصر الاكراه المتوافر في فعل التعدي على الحرية الشخصية في حالة منع الحجاب على الطريقة الاتاتوركية، لايختلف في الحقيقة عن عنصر الاكراه في فرض الحجاب على الطريقة الطالبانية، واحتجاج البرلمانيين الاسلاميين قبل فترة على دخول الوزيرة الكويتية الى مجلس الامة الكويتي بدون حجاب، يشبه تماما رفض العلمانيين الترك لدخول محجبة الى قصر الرئاسة التركي، ورفض العلمانيين الترك لعبد الله غول من حزب العدالة والتنمية التركي كونه اسلامي “معتدل”رغم كفاءة الرجل ونزاهته، لا يختلف عن رفض ملالي ايران لكل من هو غير اسلامي من دخول حلبة السياسة والانتخابات في ايران .

مع احترامي لنيكولو ميكيافيلي وواقعيته السياسية، ليس كل ماهو مفيد ضروري والغاية لا تبرر الوسيلة، والتعدي على الحرية غير مقبول مهما كانت الاسباب والغايات والدوافع . 

كاتب سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *