الرئيسية » مقالات » وقفة عند بيان “القواعد الشعبية” لجيش المهدي

وقفة عند بيان “القواعد الشعبية” لجيش المهدي

بعث لي عدد من الأصدقاء عن طريق بريدي الإلكتروني بياناً شديد اللهجة، موقعاً من قبل جماعة تسمي نفسها (القواعد الشعبية لجيش المهدي). و(القواعد الشعبية) هذه تذكرنا بـ(اللجان الشعبية) لقائد ثورة الفاتح معمر القذافي. وقد يتبادر إلى ذهن القارئ أن هذا البيان يخص تحرير العراق أو يوجه إنذاراً أو تهديداً للقوات متعددة الجنسيات تطالبها بالانسحاب الفوري، أو لفلول البعث وحلفائهم الإرهابيين التكفيريين لإنهاء محنة الشعب العراقي من الإرهاب، أو مطالبة الحكومة بتوفير الخدمات للشعب المحروم من كل شيء..الخ، كلا عزيزي القارئ، البيان موجه للنساء فقط وبعنوان (الحجاب الشرعي) ويتوعد السافرات من هن بإنزال أشد العقوبات بحقهن في حالة عدم ارتداء هذا “الحجاب الشرعي”. وهذه أقصى درجات الشجاعة والرجولة التي بلغتهما هذه “القواعد الشعبية” بقيادة “القائد الضرورة” السيد مقتدى الصدر، قائد جيش المهدي.

لا شك أن الشعب العراقي كله يعيش في محنة لا نظير لها في تاريخه الحديث، ولكن في المصائب تكون حصة المرأة مضاعفة، لأنها الأضعف عضلياً كما هو معروف، وفي الدول المتخلفة يكون أصحاب العضلات قوامون على النساء!! إذ يمر العراق منذ سقوط نظام البعث الفاشي أو نظام المقابر الجماعية، مرحلة عصيبة تهدده بالانهيار التام مما جعل الكثيرين من الناس وحتى من ضحايا البعث يندمون على سقوطه مرددين قول الشاعر:
رب يوم بكيت منه فلما صرت في غيره بكيت عليه
فكارثة الشعب العراقي كانت كبيرة عندما تسلط حزب البعث عليه، لم يكن أسوأ منها سوى سقوطه.
فهذا الوضع الذي يعيشه العراق الآن يجعل صدام حسين يضحك في قبره، وهو الذي مهد لمثل هذا المصير خلال حكمه وذلك بتخريب الثقافة ونشر الجهل المتعمد وتفتيت النسيج الاجتماعي وتفعيل النزعات الطائفية والعرقية الكامنة، وإحياء الأعراف والتقاليد البدوية، وتنشيط الشراسة والنزعات العدوانية لدى الشباب، ومطاردة المثقفين واضطهادهم وتشريدهم وإفراغ البلاد منهم بحيث أعاد المجتمع إلى وضع غير قابل للحكم (ungovernable) إلا بطريقة صدام نفسه، أي باستخدام العنف والقبضة الحديدية. ولذلك كان يعرف جيداً عندما أطلق قولته المشهورة: “إن الذي يحكم العراق بعده سيستلمه خرائب بلا بشر”.

ولا ننسى أن 85% من الشعب العراقي ولدوا في عهد حكم الأيديولوجية القومية العربية المعادية للديمقراطية وحقوق الإنسان، وحقوق المواطنة الصحيحة منذ تسلط القوميين العرب على الحكم في 8 شباط 1963 الأسود، وخاصة في فترة حكم البعث الفاشي. إضافة إلى تعرض الشعب خلال حكم البعث إلى الحروب المتواصلة والظلم والاضطهاد والحصار والعزلة عن العالم. ولذلك ما أن سقط حكم البعث حتى وانطلقت العفاريت الشريرة من القمقم بالجملة لينشروا البلاء في كل مكان، ابتداءً بالفرهود وخطف الأطفال والنساء وليس انتهاءً بالإرهاب البعثي-السلفي التكفيري الذي يئن منه البلاد وإلى أجل غير معلوم.
لقد أعاد البعثيون الشعب العراقي إلى مرحلة الجاهلية الأولى، وهي مرحلة تفشي الجهل وطغيان الجهلة وشذاذ الآفاق وتسلطهم على مقدرات الناس، فكما يقول الشاعر العربي:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا
تهدي الأمور بأهل الرأي ما صلحت وإن تولت، فبالأشرار تنقادُ

نعود إلى بيان ما يسمى بـ (القواعد الشعبية لجيش المهدي) وتوقيته الذي تزامن مع عودة السيد مقتدى الصدر من طهران بعد “غيبته الصغرى”. إذ يبدو أنه كان في دورة تدريب وإعطائه أوامر وتعليمات مباشرة من أسياده في إيران، خاصة وإن الملالي في عملية المفاوضات المباشرة مع الأمريكان، لذا يجب عليه تطبيق أكبر قدر ممكن من تعاليم النظام الإيراني وخاصة فيما يخص المرأة في العراق، ويجب إرغامهن على لبس الحجاب على الطريقة الإيرانية بمن فيهن غير المسلمات.
يبدأ البيان بقوله تعالى: “ولا تبرجن تبرج الجاهلية..”. وهذا يعني أن كاتب البيان لا يفرق بين التبرج والسفور. فالسيدة مارغريت تاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا السابقة التي ركلت صدام خارج الكويت في حرب الخليج الثانية عام 1991، كانت متبرجة!! وكذلك هيلاري كلنتون المرشحة لرئاسة الدولة العظمى هي متبرجة، والسيدة نانسي بيلوسي رئيسة البرلمان الأمريكي هي متبرجة، وفالنتينا ترشكوفا أول رائدة فضاء كانت متبرجة، والملايين من النساء المثقفات في مختلف مجالات الحياة اللواتي حققن نجاحات كبرى في تسيير أمور العالم هن متبرجات يجب تطبيق محتوى بيان “القواعد الشعبية” العتيد عليهن وأخذ تعاليم الحياة من فقيه العصر والقائد الضرورة السيد مقتدى الصدر!!.

ثم يستشهد البيان بحديث نبوي وقول يسنده للإمام علي ليبرر الهجمة الهمجية على النساء السافرات وفرض حكم طالبان القرقوشي في القرن الحادي والعشرين في العراق. إذ يقول الحديث: “من خرجت من بيتها متزينة بزينة ومتعطرة بعطر فعليها لعنة الله والملائكة والناس أجمعين حتى تعود إلى بيتها ولا تقبل منها فريضة ولا نافلة حتى تغتسل”. طبعاً لم يذكر لنا كاتب البيان مصدر هذا الحديث، وهو مشكوك فيه وركيك في تعبيره. وبعد أن يذكر فتوى الحجاب من السيد محمد محمد صادق الصدر، والد “السيد القائد” يوجه صاحب البيان في سين وجيم وبلغة ضعيفة أيضاً:
س: ما هي عقوبة المرأة الغير ملتزمة (الصحيح: غير الملتزمة) بالحجاب الشرعي؟
ج/ بسمه تعالى: “هي فاسقة بل متجاهرة بالفسق ومحاربة الله ورسوله ومتجاهلة للدين ومهملة له، فماذا ستكون نتيجتها غير جهنم وساءت مصيرا.”
س: المرأة التي تعصي أباها وزوجها أو ولي أمرها بعدم الالتزام بالحجاب الشرعي ما هو الإجراء الذي يتخذه تجاهها؟
ج/ وجب عليهم أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر فإن لم تقبل وجب عليهم هدايتها وتثقيفها دينياً لكي تقتنع فإن لم تقتنع وجب عليهم حبسها في البيت وعدم تعريضها للاختلاط المحرم من الرجال.
وينتهي البيان بالإنذار المشدد موجهاً إلى النساء بمن فيهن غير المسلمات بما يلي:
“ملاحظة: على هذا الأساس شكلت لجان لمتابعة هذا الأمر وقد اعذر من أنذر. – إعداد القواعد الشعبية لجيش المهدي (ع).”

لا نريد هنا أن ندخل في سجال حول شرعية الحجاب أو عدمه في الإسلام، فهذا الموضوع أشبع سجالاً وجدالاً وبحثاً من عدد كبير من المهتمين بهذا الشأن من الكتاب الأفاضل، ولكن يكفي أن أشير إلى بحث علمي واحد قدمه كاتبان إسلاميان وهما الدكتور عبدالله الجبوري والأستاذ رامز سليمان، بعنوان (هل الحجاب شرعة لباس المرأة المسلمة؟). ويقول الباحثان: “لقد وردت كلمة الحجاب في القرآن الكريم في سبعة مواقع نرى من الضرورة التدقيق والتمحص في كل واحدة منها لنرى إن كان هناك أي رابط بينها.” وتوصلا إلى القول: “… أن ليس ثمة من علاقة بينها وبين لباس أو رداء المرأة أو الرجل المسلمين ،” ويستنتجان من البحث ما يلي: “ومما تقدم نرى بكل وضوح أن الحجاب كشرعة لباس لا علاقة له بالإسلام أو بالقرآن الكريم. وبطريقة ما دخلت هذه الكلمة إلى الثقافة الإسلامية لتعني زياً غريباً للمرأة المسلمة ومقيّداً لها نشاهده يغطي المرأة من رأسها إلى أخمص قدمها كسجن متحرك وهذا ليس من الإسلام في شيء كما سبق وأوضحنا في الآيات الكريمة التي سبق ذكرها.” (انتهى).

إن جيش المهدي وجيش محمد وجيش الأنصار وجيش السنة وجيوش أخرى كثيرة ظهرت وعلى غفلة من الزمن، لدليل ساطع على الهوة السحيقة التي انحدرت إليها هذه الأمة التي يسمونها تارة الأمة العربية، وأخرى بالأمة الإسلامية، وكلما تصل إلى هوة تظهر لها هوة جديدة أخرى، ولا ندري أين سيقف هذا الانحدار وربما إلى الانهيار التام.

إن ظهور هذه النماذج المتخلفة في قيادة الجماهير من أمثال مقتدى الصدر والبهادلي ولصخري أو الصرخي (لقد تشابه علينا البقر)، والأخير أقام حفلة عرس مدعياً اقتران شقيقته من المهدي المنتظر!! كلها أدلة على هذا الهبوط السحيق الذي بلغه العراق في عهد البعث المجرم وظهر الآن على شكل قيح متفجر يزكم الأنوف. فالشعب العراقي أعيد القهقرى إلى مرحلة ما قبل نهاية العهد العثماني، إذ بعد تحرير العراق من حكم الأتراك على أيدي الإنكليز في الحرب العالمية الأولى، ظهر مثقفون وشعراء كبار ينادون بالسفور وتحرير المرأة ومنهم الشاعر الفيلسوف العراقي جميل صدقي الزهاوي الذي قال مخاطباً المرأة في إحدى قصائده:
مزقي يا ابنـة العراق الحجابا واسفري فالحياة تبغي انقلابا
مزقيـه أو احرقيـه بلا ريثٍ فقد كــان حارســاً كذابا
زعموا أن في السفور سقوطاً في المهاوي وأن فيـه خرابا
كذبـوا فالسفور عنوان طهرٍ ليس يلقى معرّةً وارتيـابـا
وهو الذي قال: ثوروا على العادات ثورة حانق وتمردّوا حتى على الأقدار

وبعد أكثر من ثمانين عاماً من كتابة هذه القصيدة، يعود العراق القهقرى إلى الجاهلية الأولى بفضل حكم البعث الفاشي الذي كان يمجد البداوة والانحطاط باسم بعث الأمجاد الغابرة. وفي عصر الانحطاط لا مجال للعقلاء والحكماء في قيادة البلد، بل هو عصر الدجالين والمعتوهين من أمثال مقتدى الذين يقودون شعوبهم نحو الهاوية. فمقتدى هذا هو من صنع ملالي إيران الذين استفادوا من جهله وتخلفه العقلي وتضحيات عائلته وسمعتها، فجمعوا له فلول فدائيي صدام وجيش القدس وغيرهم من أيتام البعث وأسسوا له ما يسمى بـ(جيش المهدي) ومدوه بالمال والسلاح والإعلام ليحارب الأمريكان ويزعزع الأمن نيابة عنهم وعلى الأرض العراقية وبدماء العراقيين.

إنها مرحلة التخلف بامتياز، وفي مثل هذه الحالات لا نستغرب أن يكون على رأس القيادات شخصيات معتوهة تقدسها الجماهير. تستشهد المفكرة السورية-الأمريكية الدكتورة وفاء سلطان في إحدى مقالاتها القيمة، بحالة حصلت في سوريا وهي تنطبق على حالتنا العراقية البائسة هذه أيضاً فتقول: “تقول الروايات ـ لست متأكدة من صحتها ولكنني أثق بحكمتها ـ عندما ألقت القوات الفرنسية إبّان الاستعمار الفرنسي لسورية قبضتها على سليمان المرشد الذي ابتدع يومها ديناً جديداً وأقنع أتباعه بأنه ربّهم، أحالته إلى المحكمة فسأله القاضي: كيف أقنعتهم بأنك ربّهم، وردّ بثقة: هم الذين أقنعوني بأني ربّهم!! “.
فما أشبه هذه الحالة بحالتنا العراقية اليوم. لذا فليس الصخري ومقتدى والضاري والزرقاوي وغيرهم هو الذي أقنعوا الجماهير لقيادتهم، بل الجماهير هي التي اختارت هؤلاء لقيادتهم إلى حتوفهم.
رحم الله المتنبي عندما قال: “يا أمة ضحكت من جهلها الأمم”.

ـــــــــــــــ
مقال ذو علاقة بالموضوع
هل الحجاب شرعة لباس المرأة ألمسلمه؟ – الدكتور عبد أللطيف ألجبوري
http://www.sotaliraq.com/articles-iraq.php?id=46246

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *