الرئيسية » مقالات » نحن والردى في تذكر سلطان أبو رشا

نحن والردى في تذكر سلطان أبو رشا

ولمن ولىَّ جميل يؤثر
ولمن ولىَّ حديث يذكر
“صلاح أحمد ابراهيم”

العنوان ” نحن والردى” مأخوذ من قصيدة صلاح أحمد ابراهيم وهو القائل في مكانٍ آخر:

لو أن الشعر شواظ لهب
لمضيت أقول الشعرَ
أقول إلى أن تفنيني الكلمات
لو أن القلب يسيل بحار لهب
لعصرت القلب عصرت
إلى أن يفلت من كفي قطرات

مثل هذا الشعر يضع بصماته الى روح وجسد مبدعه، فعصفور أم درمان لم يرحل مبكراً ولكنه صار عليلاً ولم يعمر طويلاً. ولكن ما العلاقة بين سلطان أبا زيد السوري وصلاح أحمد ابراهيم السوداني؟
كلاهما نالا قسطاً وافراً من العلم الرفيع – هذا طبيب اختصاصي وذاك شاعر كاتب، نذرا نفسيهما للعمل السياسي في سن مبكرة في صفوف الأحزاب الماركسية دفاعاً عن المحرومين والبسطاء من أبناء شعبنا الطيبين. هذا يشفي بمبضعه وذاك يحرض بقلمه، كلاهما مثقف عضوي بالمفهوم الغرامشي ،كلاهما عاشا مسارب السياسة وتعرجاتها واكتويا بنارها، من نجاح وإخفاق، من انشقاق وانتهازية الرفاق.
كلاهما خبرا عسف السلطة ومرارة الغربة وأصابهما المرض اللعين وتوفيا في العاصمة الفرنسية. لقد توقف صلاح عن النشاط الحزبي الجماعي لأزمة شخصية لا تهمنا هنا ولكنه لم يتخل أبداً عن مسؤوليته الأخلاقية وتضامنه حيال قضايا وطنه ، أما سلطان فلم تلن له قناة وواصل مساره الحزبي متخطياً كل المصاعب إيماناً بالعمل الجماعي وبأن الوحدة ممكنة مع الاختلاف مدافعاً عن فكره وقناعاته سالكاً الطريق الصعب مضحياً بمساره المهني مقارنة بنا نحن زملاء المهنة الذين اخترنا الطريق الهين اللين وحياة الدعة والراحة ، جمع المال وإنجاب العيال وعاش وهو رقيق الحال.
إنني لم ألتق مع سلطان على الرغم من إننا من سن واحدة ونعمل في نفس المجال – لقد غادرت ألمانيا الديمقراطية إلى برلين الغربية جنة الرأسمالية وبقي هو فيها هناك، عاد بعدها إلى سورية ولوحق فغادرها إلى لبنان ومن ثم إلى الجزائر وحط رحاله أخيراً في باريس مواصلاً العمل السياسي والفكري متفرغاً مع رفاقه لعلاج المجتمع ككل.
تعرفت عليه مؤخراً عند زياراته المتعددة لأصدقائة السوريين في برلين ممن تربطني بهم صداقة حميمة واحترام متبادل – كان يشاركنا النقاش محاضراً أو ناقداً أو معقباً – عن قضايا بلادنا، عن الزمن الرديء والأفق المسدود وأزمة الاندماج في المجتمعات الغربية.
توثقت علاقتي به وعرفته عن قرب ولمست فيه دفء العشرة ، كان يحب السودانيين فعلاً لا مجاملاً ويعرف بعض زعمائه السياسيين.
قال تلفونياً يريد أن يرانا ولم يقل يريد أن يودعنا.
التففنا حوله في برلين، نحن أصدقاءه ورفاق دربه الذين صحبوا أبو رشا في رحلة العمر الحافلة بالعطاء والوفاء، كان اللقاء مفعماً بالحميمية والمشاعر المتأججة والرهبة، كان قد زاد نحولاً مما يذكرني ببيت المتنبي الذي قاله في صباه :
كفى بجسمي نحولاً أنني رجلُ لولا مخاطبتي إياك لم ترني
ولكننا كنا نرى الرأس المتين وتوهج العينين وبسمته الحيوية رغم الوهن وهو يصارع المرض بشجاعة نادرة مع توقع الهزيمة فهو الطبيب العارف بكينونة هذا المرض اللعين.
كان يتكلم بصوت خفيض إنما هادئ وواضح المعاني، كأنه يبعث فينا الأمل ونحن يعتصرنا الألم، وكنت أخشى أن ينهار أحدنا أمامه. وتخيلته ينشد مع السياب شاعر العراق العظيم.
لك الحمد مهما استطال البلاء
ومهما استبد الألم ،
لك الحمد، إن الرزايا عطاء
وإن المصيبات بعض الكرم
ألم تعطني أنت هذا الظلام
وأعطيتني أنت هذا السحر
وافترقنا وسافر الى البلد البعيد البعيد.
ظهر في خمسينيات القرن المنصرم فنان “مغني” سوداني، جاء مثل الوعد الصادق ومر كالبرق وغاب كسحابة صيف وخلد اسمه بأغنية ” كان بدري عليك” كان يؤديها بعنفوان صوته الشبابي الشجي وبنبرته الحزينة الحنونة.
سلطان أبو رشا “يا سلطان”
كان بدري عليك وعلى وداعك
رحلت ولن يخبو شعاعك

د. حامد فضل الله
مايو 2007 برلين