الرئيسية » بيستون » الكرد الكلهور في كردستان العراق

الكرد الكلهور في كردستان العراق

الجزء الأول

توطئة:
ربما يتصور القارىء الكريم للوهلة الاولى وعندما تقع عيناه على عنوان البحث انه يتناول عشيرة كلهور الكردية، ولكن موضوع البحث يدور حول الناطقين باللهجة الكلهورية وليست العشيرة، بغض النظر عن الانتماء العشائري والقبلي، فهنالك الكثير من العشائر والقبائل الكردية التي سنأتي على ذكرها لا تمت باية صلة الى عشيرة كلهور سوى انها تشترك معها في اللغة فقط.

رغم ان (كوراديتي) الحركة الكردية، كانت متأصلة في نفوس الكرد الناطقين بهذه اللهجة وبصيغتها الاجتماعية البحتة، وليست بصيغتها السياسية العصرية، حيث ان الكردي الذي يتكلم بهذه اللهجة التي نحن الان بصددها في ارياف خانقين ومندلي كان يرى انه هو الكردي الاصيل، والعلامة المرحوم محمد جميل روزبياني ادرك هذه الحقيقة واشار اليها في بحثه الموسوم (مندلي في التاريخ) حيث يقول “يتكلمون باللجهة الكلهورية والفيلية، انما يحسبون انفسهم فقط كردا، ويسمون الكرد الذين يتكلمون باللهجة الكردية الجنوبية جاف” والحركة التحررية الكردية (كوردايتي) بصيغتها السياسية الحديثة قد نمت وانتشرت في صفوفهم في خانقين ومندلي وبدرة بعد تموز 1958 رغم ان الكثيرين من الكرد الكلهور في بغداد كانوا قد مارسوا نشاطاتهم السياسية في الحركة التحررية الكردية قبل هذا التاريخ بمدة طويلة وظهر بينهم قادة امثال جعفر محمد كريم ومحمد حسن برزو وغيرهما. وبعد التاريخ الذي اشرنا اليه ربطت هذه الفئة مصيرها بالحركة التحررية الكردية (كوردايتي) في كردستان العراق ايمانا منها ان الدين والمذهب ما كان يوما من الايام عائقا في طريق التحرر القومي وان كرديتهم سبقت دينهم. ورغم تمسكهم بدينهم الحنيف ومذهبهم وحبهم لاهل البيت الكرام فانهم يعلمون انهم كانوا كردا قبل ظهور الاديان، وان الانسان يتعلم اولا لغته القومية قبل ان يشب ويتعلم مبادىء دينه وان الدين الاسلامي الحنيف هو للبشرية جمعاء بغض النظر عن مللهم وان الاسلام قد اكد على الهوية القومية حيث يقول سبحانه وتعال {وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم} ويقول سبانه وتعالى {ومن اياته خلق السماوات والارض واختلاف السنتكم والوانكم} وان الفرد بين اهله وقومه قوي وعزيز حيث يقول الامام علي (ع) “اللهم اعزني في اهلي” وفق هذا المنظور اختار الكرد الكلهور صفوف اخوتهم في الحركة التحررية الكردية مضحين بالغالي والنفيس من اجل شعبهم الكردي ووطنهم كردستان، وقدموا الكثير من الشهداء في ثورة ايلول وثورة شعبنا الجديدة وبسببها وقع عليهم حقد وغضب النظام الشوفيني البائد حيث تعرضوا لسياسة التطهير القومي (جينوسايد) بترحيلهم من اراضيهم وقراهم في خانقين ومندلي عام 1975 بعد انتكاسة ثورة ايلول اضافة الى السجون والاعدامات بحق الكثيرين منهم، ويكفيهم فخرا بان مسؤول النواة الاولى لثورة شعبنا الجديدة الشهيد خالد جوامير سايمير هو ابنهم البار.
هذا فيما يخص قوميتهم واما بالنسبة لدينهم، فرغم تجني البعض عليهم الا انهم كانوا متمسكين دائما بدينهم الاسلامي ومذهبهم، مذهب اهل البيت الكرام، لانهم يعلمون حق اليقين ان هذا التجنبي هو لابعادهم عن الدين والمعتقد، فهنالك من ينسب الى الامام جعفر الصادق (ع) زورا وبهتانا حديثا ينسب اصل الكرد الى الجن ويوصي بعدم مخالطتهم كما جاء ذلك في كتاب “ما وراء الفقه الجزء السادس، باب مناكحة الاكراد”.
اهل البيت توارثوا العلم عن الرسول (ص) الذي ارسل رحمة للعاملين فلا يعقل ان يحيدوا عن الرحمن والحق وان ما جاء في الكتاب المذكور افتراء عليهم، كما ان المرحوم السيد ابو الحسن الموسوي الاصفهاني ذكر في كتابه “وسيلة النجاة ص 341” في باب النكاح “لا ينبغي للمرأة ان تختار زوجا سيىء الخلق والمخنث والفاسق وشارب الخمر ومن كان من الزنا او الاكراد او الخوزي او الخزر” هذا الادعاء الباطل يخالف الشريعة الاسلامية التي تؤكد على “كلكم من آدم، وآدم من تراب” كما قال الرسول الكريم (ص) والكرد من آدم كما ان المرجع الديني الكبير اية الله العظمى علي السيستاني رد على ذلك في رسالته، بسمه تعالى :هذا الكتاب يحتوي على فتاوى فقيهين وليس كل ما فيه صحيحا وموفقا لاراء بقية الفقهاء وفتوى سماحة السيد مد ظله، ان مستند الحكم بكراهة الزواج من الاكراد ضعيف السند ومخالف للكتاب والسنة ولا يعتنى به ابدا وانه لا فرق بين اصناف البشر من النكاح والعبرة يكون الخاطب مرضي الدين لا غيرها والله الهادي.

ختم اية الله العظمى علي السيستاني
14 شوال عام 1420هـ

وهكذا نرى ان رد السيد السيستاني جاء صريحا وواضحا ومن لدن اعلى المرجعيات ليفحم الاراء الشوفينية المتعصبة التي تريد التقليل من شأن الانسان الكردي والتي كانت تهدف لابعاده عن بني جلدته وكبت احاسيسه القومية واضعافها والايحاء اليه انه بتمسكه بقوميته انما يرتكب اثما لكي ينكر بالتالي هويته القومية ويبقى مذلا منقادا للاخرين، وتعرض الكرد للاهمال حتى من الناحية الدينية، فقبل انتشار المدارس الرسمية في مناطق الكرد الكلهور في كردستان العراق التي تمتد من خانقين حتى قضاء بدرة لا نجد في اريافها جامعا ولا مسجدا اومدرسة دينية لتعليم اولادهم القراءة والكتابة اسوة بما كان يقوم به ملالي اهل السنة في كردستان بافتتاح الكتاتيب لتعليم الاولاد القراءة والكتابة. اما الملالي الشيعة فلم يكن لهم تواجد في المنطقة المذكورة، ولعل البعض يتذرع بكون المنطقة كانت تابعة للدولة العثمانية حيث حيث ان الشيعة كانوا مضطهدين ولو اخذنا بهذا الرأي فما بال مناطق الشيعة في كردستان ايران في ذلك الوقت، لقد كانت تلك المناطق في وضع اسوأ مما كان عليه اخوتهم في كردستان العراق فالملالي كانوا يظهرون في بعض المناسبات لتلقين الاهالي بعض الاحقاد والخرافات التي لا تمت الى الدين بصلة او لابكاء الناس على الامام الحسين (ع) لاجل الحصول على المادة ومن ثم شد الرحال بعد ان تمتلىء جيوبهم دون ان يعلموا الناس ان الامام الحسين (ع) قد ثار ضد الظلم والاستبداد لانقاذ البشرية من التسلط والاستكبار وانه باقتداء الحسين يمكنهم ان يحرروا انفسهم من الاحتلال والظلم الواقع عليهم.
الكرد الكلهور في كردستان العراق ليسوا متعصبين تعصبا اعمى للمذهب وهم يحملون كل الحب والمودة تجاه اخوتهم من المذاهب الاسلامية الاخرى فليس عجبا ان ترى منهم الدراويش والصوفية والمشاركة في حلقات الذكر وهم يقدسون مزارات اخوتهم من مذهب اهل الحق (باوه) وفي نفس الوقت فان اخوتهم من المذاهب الاخرى يحترمون مشاعرهم ويشاركونهم في مناسباتهم.
وبعد انتفاضة شعبنا الكردي البطل في اذار عام 1991 وتحرير مناطق شاسعة من كردستان احتضنت مدن السليمانية وكلار الكرد المشردين والمسفرين من اهالي المناطق التي نحن بصددها وقامت حكومة اقليم كردستان ببناء اروع مسجد وحسينية لهم في مدينة السليمانية. هذه الالتفاتة من حكومة الاقليم وبايعاز من المناضل مام جلال خير دليل على رعاية الحركة التحررية الكردية لجميع شرائح المجتمع الكردي بغض النظر عن الدين والمذهب.

مناطق الكرد الكلهور في كردستان العراق:
تتمركز هذه الفرقة من الكرد في اقضية خانقين ومندلي وبدرة من كردستان العراق ولا يمكن البحث عن هذه المنطقة بمعزل عن اخوتهم في كردستان الشرقية وبالتحديد في محافظتي كردستان وايلام والاقضية التي ذكرناها في كردستان العراق امتداد طبيعي لمناطق الكرد الكلهور في المحافظتين المذكورتين من كردستان الشرقية (الايرانية) وهي امتداد تاريخي للمنطقة التاريخية المسماة حلوان ( هه لوه ن ئه لوه ن) او منطقة (ماسيدان) التي يسميها الجغرافيون والمؤرخون العرب (ماسبذان وحلوان) وهي اليوم محافظتا كرماشان وعيلام.
يورد الاستاذ شوان عثمان مصطفى في كتابه (كردستان وبروسه ى به ئيسلام كردني كورد) عن ابن خرداذبه في كتاب المسالك والممالك ان خانقين هي من مدن الجبال وتابعة لولاية الجبال (حلوان) كما يورد عن كتاب (احسن التواريخ) على ان مندلي التاريخية القديمة (بندنيجين) هي ايضا كانت تابعة لاقليم الجبال، وتعتبر من مدن ولاية حلوان. هذا من الناحية التاريخية اما من ناحية جغرافية السكان فان سكان اقضية خانقين ومندلي وبدرة وتوابع هذه الاقضية يتكلمون اللغة الكردية الكلهورية، وهي نفس اللغة التي يتكلم بها سكان محافظتي كرماشان وعيلام الكرديتين. وان العشائر التي تسكن في الاقضية المار ذكرها هي نفس العشائر التي تقطن المحافظتين المذكورتين منذ الاف السنين وهم بطون من عشائر الكلهور واللك وقليل من اللور.
المناطق التي نحن بصددها كانت تسكنها اقوام (اللولوبيين والكاسيين والكورتيين) قبل ان يهاجر اليها “الماديون” ثم دانت المنطقة للماديين وسكنوها واختلطوا بالسكان الاصليين وسميت المنطقة باسمهم (ماد، ماذسبدان) وكانت ولاية ماسبدان في العهد الساساني تشمل مناطق (ايوان، عيلام، او ما كان يسمى دى بالا، كيلان، هارون اباد، كرماش ان، قصر شيرين خانقين، مندلي) اذن، فهذه المنطقة هي بلاد الكرد الكلهور ويخطىء من يسميها باللور، واللور يسكنون مناطق (بيشكو) أي المنطقة في مواجهة الجبل( ويقصد بالجبل ، جبال زاكروس) أي ان اللور يسكنون ال الشرق من زاكروس وهي منطقة تاريخية كانت تسمة (مهرجان قذق) أي بلاد اللور الصغرى وتشمل مدن (خرم اباد، بروجرد، صيرمه.. الخ) وفي هذه المنطقة تأسست الدولة الاتابكية الكردية وعاصمتها خرم اباد التي سقطت عام 1597م على يد الشاه عباس الصفوي ، يقول اسكندر منشي صاحب كتاب (تاريخ عالم اراي عباسي): تقع اللور الصغرى جنوب العراق العجمي والممتد من همدان وعلي شوكره وخوزستان ومن مدينة بروجرد حتى بغداد، وتمتد بمسافة مائة فرسخ ومدنها (خورماباد، الشتر، صيمره، خاوارهزمين).
بعد ان اسدل الستار على امارة اللور الصغرى (الدولة الاتابكية) على ايدي عباس الصفوي كما اسلفنا انتقل احفاد شاهويردي اخر امراء اللور الصغرى الذي قتله هو وعائلته عباس الصفوي انتقلوا الى مناطق بشتكو وانشأوا امارة بشتكو في قرية (دى بالا) عيلام الحالية وقد حكم هذه الامارة تسعة ولاة كان اخرهم غلام رضا خان حيث سقطت الامارة على ايام رضا شاه بهلوي عام 1928م وفر الوالي المذكور الى بغداد.
اما من الناحية الجغرافية فان المنطقة التي نحن بصددها في كردستان العراق امتداد طبيعي لمناطق الجبل (حلوان ـ ماسيدان) التاريخية، وتضاريسها هي نفس تضاريس تلك المناطق في محافظتي عيلام وكرماشان.

العشائر الكردية التي تتكلم الكلهورية في كردستان العراق
1 ـ عشيرة الاركوازي: تنتشر قرى هذه العشيرة في ضواحي خانقين وخاصة على ضفاف نهر الوند الى الشرق من المدينة، ضمن مقاطعات (خانقين وحاجي قره) وقريتان تقعان ضمن الحدود الادارية لناحية قوره تو. ولهذه العشيرة (14) قرية فيما عدا الذين يسكون داخل المدينة ومصفى الوند (السابق) وفروع العشيرة هي (كاره شه وانى، قيتول، ملكشه وه ن، تويلاوى، شيرك).
2 ـ عشيرة السوره ميري: كانت هذه العشيرة تتكلم اللهجة اللكيه ولكنها تحولت الى اللهجة الكلهورية اواسط القرن المنصرم، وتتوزع قرى هذه العشيرة في مقاطعة علياوه غرب المدينة (خانقين) وبعض قراها تقع الى الضفة اليمني من نهر الوند في مقاطعة حاجي قره، احدى فروع العشيرة تسكن قضاء شهربان ولهذه العشيرة حوالي (11 قرية) وفروعها (توتك، قيتول، عنتر، خيولي، مامه جانى، تاماس، كلهوري).
3 ـ عشيرة ملك شاهي: وتسكن قرى ملك شاهي في مقاطعة خانقين عرب المدينة وعلياوه زوراب في مقاطعة علياوه وقرية ميخاس وتوله فروش في مقاطعة حاجي قره ويسكن قسم اخر منهم في مندلي وناحية زرباطيه.
4 ـ عشيرة قره لوس: كبرى العشائر الكردية الناطقة باللهجة الكلهورية في كردستان العراق وتمتد مناطق سكناهم من جنوب الحدود الادارية لقضاء خانقين حتى الضواحي الشمالية لمدينة مندلي ومن الحدود الايرانية العراقية شرقا حتى وادي ( جه مى نه فت ـ آب نفط) غربا ولهذه العشيرة حوالي (60) قرية وتتكون من اربع قبائل (الجرموندي، القيتول، الكجي، النفطجي).
5 ـ عشـــــيرة الهواسي: وتسكن هذه العشيرة ضواحي مدينة مندلي في قرى (كبري، جاريه، هواسي العليا، هواسي السفلى، سه رئاسياوه).
6 ـ عشيرة الباولي: ويسكنون مركز مدينة مندلي وفي قرى (كبري، جاريه، وفي بعض مناطق عشيرة قره لوس).
7 ـ عشيرة الزركوشى: تنتشر قرى هذه العشيرة في ضاحية قزره باط(السعدية) في المنطقة التي غمرتها مياه بحيرة حمرين، وهم اليوم يسكنون السفح الشرقي لجبال حمرين المطل على البحيرة المذكورة في مجمع سكني كبير على الطرف الشمالي للطريق القديم المار بسلسلة جبال حمرين الى شهربان وكانت لهذه العشيرة حوالي (13) قرية في المنطقة التي غمرتها مياه بحيرة حمرين، وهم يتكلمون الكلهورية ممزوجة ببعض من اللهجة اللكية كما ان احدى قرى هذه العشيرة تقع في منطقة (طرسق) في ناحية قازانية.
8 ـ عشيرة الخالدي: وهم يسكون ناحية قزره باط (السعدية) في محلة (جولك) ولغتها كلهرية لا تختلف عن لغة كرد مندلي وكرماشان.
9 ـ السياسيا: وهي من بطون عشيرة الكلهور ويتكلمون باللهجة ذاتها ويسكنون الطرف الجنوبي لناحية السعدية ويجاورون الجولك ويسكن البعض منهم في مندلي وخانقين.
10 ـ عشيرة وه رفريار: ويسكنون قرية ورفريار في ناحية زرباطية اما الذين يسكنون (قرية محمود قجر) في ناحية قوره تو يتكلمون بلهجة الجاف.
11 ـ عشيرة شوهان: ويسكنون مركز ناحية زرباطيه وبعض قرى الناحية.
12 ـ عشيرة ملختاوي: ويسكنون مركز قضاء بدرة.
ومع هذه العشائر التي مر ذكرها تسكن عوائل ومجموعات من بطون عشائر الكلهور مثل (خزل، كوله با، كلاواي، جلي، قوجمي، قوليه وه ند.. الخ).
عشيرة (الدلو) رغم انها تتكلم اصلا لهجة الجاف (اللهجة الكرميانية) الا انهم في خانقين وبحكم اختلاطهم في خانقين مع الاخرين يتكلمون بلهجة مختلفة بين لهجتهم الاصلية واللهجة التي نحن الان بصددها.
أما عشيرة (باجلان) فأنها كانت تتكلم اللهجة الباجلانية التي هي فرع من لهجة الكوران إلا أنها تركت لهجتها الأصلية وأصبحت تتكلم بلهجة أهل خانقين وكذلك نفس الشيء يقال بالنسبة لعشيرة (كاكايى) الذين يسكنون مرتفعات (ئاخ داخ) من ناحية قوره تو. وبعض قرى مركز قضاء خانقين تركوا لهجتهم الأصلية وأصبحوا اليوم يتكلمون اللهجة الكلهورية.

نبذة تاريخية عن مناطق الكرد الكلهور قبل الإسلام
قبل هجرة الماديين الى المنطقة التاريخية التي ذكرناها كانت أقوام عديدة منها (اللولو، الكاسي، الكوتي) تسكنها، وبعد وصول الماديين واختلاطهم بالسكان الأصليين وبمساعدتهم تمكنوا أن يؤسسوا الإمبراطورية المادية الكبيرة بحدود عام (2000 ق.م) وشملت دولتهم (أذربيجان وكردستان والعراق العجمي ومناطق ماسيدان) ويقسم الجغرافيون القدماء بلاد الماد الى بلدين، ماد الكبيرة والتي تعرف بالعراق العجمي، وماد الصغيرة والتي كانت قديما تطلق على أذربيجان، يشمل العراق العجمي كردستان الحالية (سنندج وهمدان وكرماشان وقزوين وآراك وأصفهان ونهاوند وري وحتى دربندخزر (الباب) والتي كانت تفصل بلاد الماد عن بارت.
يقول هيروديت ان الماديين هم الأقوام الآرية التي سموا (الماد) ويقال أنهم كانوا ست قبائل وهي (بور، بارتاكون، استروخان، آريازانت، بودين، موغ) وكانت المنطقة التي نحن بصددها في بحثنا هذا في ظل الماديين ولاية من ولاياتها القوية.
وبعد امبراطورية ماد حكمت المنطقة الدولة الهاخامنشية البارسية، وهم من الأقوام الآرية أيضا، استقروا في حدود عام (700 ق.م) على الجانب الأيسر من نهر دجلة واستفادوا من ضعف الدولة العيلامية ليستثمره هاخامنش لتأسيس دولته.
استطاع كورش الكبير القضاء على الحكم المادي سنة (550 ق.م) ويرى هيروديت ان البارس يتكونـــون من ست قبائل أيضا وهم (بارس كاد، مرفى، ساسبيان، بانتالي، دروزى، زرمــــن) ومن قبائل أخرى من سكنة بيوت الشعر وهم (ساكاريت، مرد، دروبيك، داران).
بعد موت الاســكندر، استطاع أحد قادته (سلوكس نيكاتور 312ـ 280 ق.م) تأسيس الدولــــة السلوقية واستطاعت هذه الدولة إخضاع بلاد فارس ونواحي الجبال وأهواز.
البارثيون كانوا يسكنون شرقي بحر قزوين، استطاعوا بعد انقراض الدولة الهاخامنشية تأسيس الدولة الاشكانية عام (250 ق.م) ويشكل البارثيون مع الماد وبارس الأمة الآرية الكبرى.
وفي عام (214 ق.م) استطاع اردشير بابكان تأسيس الدولة الساسانية، استطاعت هذه الدولة إخضاع مناطق إيران وبضمنها مناطق (حلوان وماسيدان) وفي هذا العصر أصبحت ولاية ماسيدان من الولايات المهمة في الدولة الساسانية، حيث أصبحت المنطقة السياحية للأباطرة الساسانيين وعاصمتهم الصيفية، سقطت الإمبراطورية الساسانية على أيدي الجيش الإسلامي الذي كان يقوده الصحابي سعد بن أبي وقاص، وبذلك دخل الدين الإسلامي الى مناطق وادي الرافدين وإيران وشهرزور، أنظر كتاب (جغرافياي تاريخي ايوان غرب) (ايوان كلهور) ـ آيت الله محمدي ص 7-23.

الفتح الإسلامي ودخول الكرد في الإسلام
بعد أن أنتصر المسلمون على الجيش الساساني في المدائن، انهزم كسرى يزدجرد الى مدينة (حلوان ـ هلوان) لإعادة تنظيم جيوشه للتصدي للجيوش الإسلامية الزاحفة نحو الشرق، طلب كسرى من ولاته أن يعدوا جيوشهم في جلولاء. أعدوا جيشاً قوامه (80 ألف مقاتل) وبأمرة (مهران رازي) ومشاركة (مهران بن يزدجرد) و(هورمزيان) وقد كان معظم هذا الجيش من الكرد، لأن معظم الأقاليم التي أعدت هذا الجيش فيما عدا (الري) هي أقاليم كردية. وعندما علم سعد بن أبي وقاص بهذه الاستعدادات كتب الى الخليفة عمر بن الخطاب (رض) يخبره بتلك الاستعدادات، فأوعز الخليفة الى سعد بأن يعد جيشاً قوامه (12 ألف مقاتل) بأمرة هاشم بن عتبة على أن يكون القعقاع بن عمرو التميمي في المقدمة ومسعود بن مالك في الميمنة وعمرو بن مالك في الميسرة. وفي الوقت نفسه كان الجيش الساساني يحكم تحصيناته في جلولاء، من حفر الخنادق، وإقامة مواقع دفاعية وأسلحة.. الخ. وكانوا مصرين على قتال العرب لانهم كانوا متيقنين بأنهم لو خسروا هذه المعركة، فأنه يستحيل عليهم اعداد جيوش أخرى بهذه الكثافة للوقوف بوجه العرب، ولذا فقد كانوا يستميتون في الدفاع عن مواقعهم، وقد شن المسلمون (80 هجوما) استطاع الجيش الساساني صدها جميعا وإنزال خسائر فادحة بالجيش الإسلامي، خاصة رماة السهام الساسانيين المهرة الذين استطاعوا أيضا إيقاع إصابات كبيرة في صفوف المسلمين، وقد دامت هذه الحالة حوالي شهرين، وفي نفس الوقت كان يزدجرد يرفد الجبهة بالمقاتلين والأسلحة والأموال، كما أن أقاليم الجبال كانت تمد الجبهة بالمقاتلين. أما النساء والأطفال وأموال المقاتلين فقد كانوا في خانقين. وبعد شهرين من القتال المستميت استطاع العرب المسلمون اختراق دفاعات الجيش الساساني، وبعد قتال دموي شديد قل نظيره في التاريخ، استطاع القعقاع بن عمرو الانتصار على الجيش الساساني والاستحواذ على غنائم كبيرة وعدد هائل من الأسرى والسبايا من النساء والأطفال، خاصة من الأميرات ونساء النبلاء من قادة الجيش الساساني. وقد تم توزيع هؤلاء النسوة والفتيات بين المقاتلين المنتصرين.
مهد انتصار المسلمين في جلولاء الطريق أمام الجيوش الإسلامية للزحف نحو الشرق وقد خلف هاشم بن عتبة قائد الجيش الإسلامي في جلولاء، حرير بن عبدالله البجلي مع قوة من الفرسان لكي تكون عقبة بين المناطق التي سيطر عليها الجيش الإسلامي وحدود الدولة الساسانية، توجه بعدها هاشم بن عتبة بنفسه الى (بابل مهرروز) واستطاع إخضاعها ثم توجه الى مدينة دسكرة وتمكن إخضاعها بعد قتل دهاقنتها ثم توجه نحو مندلي (بندنيجين) ولم يستطع إخضاعها، لذا صالحهم وأتفق معهم على اداء الجزية، على أن يضمن المسلمون لهم سلامة أموالهم وأرواحهم، واستطاع جرير بن عبدالله البجلي من القضاء على بقايا الجيش الساساني في خانقين، وبهذه الصورة دانت لهم المنطقة. وقد كان فراغ الجيش الإسلامي من جلولاء عام (16 هـ) أنظر كتاب: (كردستان وبروسه ى به ئيسلام كردنى كورد) الأستاذ شوان عثمان مصطفى ص 149- 176 وأنظر (فتوح البلدان ـ أبو العباس أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري).

دخول الجيش الإسلامي ماسيدان
استعدت الجيوش الساسانية في ماسيدان تحت أمرة القائد (آرين بن هورفران) لقتال المسلمين، وعندما علم سعد بن أبي وقاص بذلك اخبر الخليفة عمر بن الخطاب (رض) فأمره أن يرسل جيشاً بقيادة (ضرار بن خطاب) لمحاربتهم على أن يكون (عبدالله بن وهب الراسي) على ميمنة الجيش وابن الهذيل الأسدي في المقدمة، (والمضارب بن فلان العجلي) في الميسرة، فأنتصر المسلمون على الجيش الساساني وأسر آزين بن هورفران، وعندما رفض دخول الإسلام، ضرب رقبته ودخل الجيش الإسلامي ماسيدان سنة 16هـ ودعوا الناس لدخول الإسلام فأسلم البعض، أما الذين رفضوا الإسلام فرض عليهم الجزية، وهناك رواية أخرى تقول بأن أبا موسى الأشعري هو الذي فتح ماسيدان سنة 21هـ قبل فتح نهاوند، أما الرواية الثالثة فتقول أن هاشم بن عتبة هو الذي فتح ماسيدان سنة (18هـ)، وأما الرواية الرابعة فتقول أن حذيفة بن يمان هو الذي فتح ماسيدان سنة 22هـ، أما الرواية الخامسة فتقول أن سعد أبن أبي وقاص قد أرسل مكشوح المراوي على رأس جيش قوامه (10 آلاف) مقاتل لفتح ماسيدان وتم له ذلك.
يرجح البعض سبب اختلاف الروايات عن فتح ماسيدان يرجع الى هذه المنطقة قد تمردت على العرب وارتدت عن الإسلام عدة مرات مما دعا القادة العرب لشن تلك الحملات على المنطقة (أنظر المصدرين السابقين).

دخول الجيش الإسلامي مدن حلوان وترمسين (كرماشان ودينور)
يقول البلاذري في فتوح البلدان (لما فرغ المسلمون من أمر جلولاء الوقيعة ضم هاشم بن عقبة بن أبي وقاص الى جرير بن عبدالله البجلي خيلا كثيفة ورتبه بجلولاء ليكون يبن المسلمين وبين عدوهم، ثم ان سعدا وجه إليهم زهاء ثلاثة آلاف من المسلمين وأمره ان ينهض بهم وبمن معه الى حلوان، فلما كان بالقرب منها هرب يزدجرد الى ناحية أصفهان، ففتح جرير، حلوان صلحا على أن يكف عنهم، وأمنهم على دمائهم وأموالهم، وجعل لمن أحب منهم الهرب ان لا يعرض لهم، ثم خلف بحلــــوان جريـــرا مع عزرة بن قيس بن غزيه البجلـــي. ومضى نحو دينور فلم يفتحها، وفتح قرمسين (كرماشان) على ما فتح عليه حلوان، وقــدم جلولاء فأقام بها والياً عليها الى ان قدم عمار بن ياسر الكوفة، فكتب إليـــــه يعلمه، أن عمر بن الخطاب (رض) أمره ان يمد أبا موسى الأشعري سنة 19هـ، أرسل أبو موسى الأشعري، النعمان بن مقرن فمر بدينـــــور فأقام عليها خمسة أيام قوتل منها يوما واحدا. ثم ان أهلها أقروا بالجزية والخراج وسألوا الأمان على أنفسهم وأموالهم وأولادهم، فأجابهم الى ذلك، وخلف بها عامله في خيل ثم مضى الى ماسيدان، فلم يقاتله أهلها وصالحه أهل سيروان على مثل.
وبهذا دانت المنطقة الكردية، بلاد الجبل ماسيدان وحلوان للإسلام، ودخل الكرد طوعاً أو كرهاً الدين الإسلامي، رغم وجود بعض الطوائف الدينية الأخرى في المنطقة، كاليهود، ومن ثم ظهور مذهب أهل الحق.
 


الجزء الثاني
 

المنطقة بعد الاسلام
بعد دخول الاسلام الى المنطقة صارت تدار في عصر صدر الاسلام والعهد الاموي وجانبا كبيرا من الحكم العباسي من قبل العمال المرتبطين مع مركز الخلافة. وفي اواخر العهد العباسي ظهرت امارات ودويلات مستقلة او شبه مستقلة في المناطق الايرانية والكردية. ومن الدويلات التي ظهرت في هذا العهد الدولة الصفارية ففي اواسط القرن الثالث الهجري ثار في منطقة سيستان يعقوب ليث واعلن استقلال ايران قيام الدولة الصفارية وقد دامت هذه الدولة بين سنوات (253 ـ 296 هـ ) وفي سنة (261 هـ) عين الخليفة العباسي المعتمد، مضر بن احمد بن اسد حاكما على بلاد ما وراء النهر واخوه اسماعيل حاكما على (بخارى) وبعد موت احمد استطاع اخوه اسماعيل ان يسيطر على كل المنطقة باسم الدولة السامانية ودام حكمهم بين سنوات (261 ـ 389 هـ) .

تأسست الدولة البويهية على يد علي بن بويه في مدينة (رى ـ ركا) ثم امتد سلطانها على بلاد ايران والعراق دامت هذه الدولة بين سنوات (323 ـ 389 هـ).

اما دولة آل زيار فقد دامت بين سنوات (323 ـ 513 هـ) وامتد سلطانها الى مناطق (رى، همدان، كنكاور، دينور، بروجرد، قم، كاشان، كلبايكان، اصفهان).

الدولة الخوارشاهية حكمت بين سنوات (470 ـ 528 هـ).

الدولة السلجوقية حكمت بين سنوات 429 ـ 590 هـ وقد بدأت هذه الدولة عندما خطب امام جمعة جامعة (مرو) سنة 429 ـ 1072م مناديا باسم (حفري بك بن داود) وتسميته بسلطان السلاطين، وقد حدثت نفس المراسيم في نيشابور باسم اخيه طغرل وقد ضمت الى مملكتهم السلجوقية مناطق (بلخ وجرجان وطبرستان وخوارزم) وفي سنة 432 هـ ضمت مملكتهم السلجوقية مناطق كرماشان وهمدان وبلاد الجبل ودينور وحلوان واصفهان ايضا. وقد اخضع طغرل مدينة بغداد سنة 447 هـ، الى المملكة السلجوقية.

وفي اوائل شهر ذي الحجة سنة 455 هـ زحف هولاكو على رأس الجيوش المغولية عن طريق كرماشان وحلوان الى بغداد. سقطت بغداد وسقطت الخلافة العباسية وقتل الخليفة عام 1258م واعلن المغول قيام الدولة الايلخانية في ايران ودامت دولتهم هذه حتى وفاة اخر سلاطينهم المدعو (ابو سعيد بهادر) عام 736 هـ حيث تم تقسيم مملكتهم الى عدة دويلات منها الجوبانية والجلائرية وآل مظفر، ثم تعرضت المنطقة الى غزو مغولي اخر بقيادة تيمور الاعرج الكوركاني، وتمكن تيمور هذا اخضاع العراق وكردستان وماردين لسلطانه عام 802 هـ بعد ان قتل الكثير من الاهالي العزل ومن ثم مقاومة الاهالي.

دامت الدولة الكوركانية بين سنوات 782 ـ 912 هـ.

اما الصفويون، فقد حكموا ايران بين سنوات 907 ـ 1135 هـ ازدهرت خلالها منطقة ماسيدان وبلغت اوج قوتها وعصرها الذهبي، حيث تمكن ذو الفقار خان الكلهوري من احتلال بغداد واعلان حكومته في العراق دون الخضوع للسلطان العثماني ولا للشاه الصفوي الايراني.. الا انه وبعد خيانة اخوته والغدر به استطاعت الدولة الصفوية اخضاع بغداد لحكمها. واستطاع خان منصور حاكم منطقة ايوان تقوية امارته واخضاع المناطق المجاورة لسلطانه وشارك مع مقاتليه الجيش الايراني في الحرب على الهند، خاصة في معركة قندهار. ومن الحوادث الشهيرة في هذه الفترة معكرة شميران فين فرسان الكلهور والجيش الصفوي الغازي، ويعتقد ان هذه المعركة قد وقعت ايام الشاه سلطان حسين الصفوي.

وفي العهد الافشاري لم تتعاون عشائر الكلهور مع نادر شاه الافشار (1148 ـ 1160 هـ) ولم تشاركه في حروبه ولذا حقد عليهم. وفي تلك الفترة كان نجف قلي خان حاكما على منطقة ايوان خلالها هجمت العشائر الكردية (الكلهور والزنكنه والكوران) على مدينة كرماشان لتحريرها من النفوذ الايراني، الا ان نادر شاه استطاع قمعهم والتنكيل بهم وسمل عيني زعيمهم نجف قلي خان.
في الفترة الزندية 1163 ـ 1193 هـ كانت حاكمية ايوان في اوج قوتها وعظمتها وقد استطاع حاكمها القوي والمقتدر (علي خان بن نجف قلي خان) بسط سلطانه على معظم مناطق الكلهور من اطراف كرماشان حتى مدينة مندلي، وتمكن من صد جميع الهجمات العثمانية على اراضيهم والانتصار عليهم ويصادف هذه الفترة عام 1162 هـ ، وصول كريم خان الزندي الكردي الى منطقة (هارون اباد ـ اسلام اباد) فخرج علي خان لاستقباله واحسن ضيافته وتكريمه، وزوجه ابنته قدم خير والتي سميت بعد الزواج (شاهبس) وفي هذه الفترة كان اتباع نادر شاه من قبائل (ميش مست التركمانية) لا يزالون يسيطرون على قلعة كرمانشان، ولما كان هنالك عداء بين الكرد من (الكلهور والزنكنه والكوران) وبين محتلي القلعة طلبوا من كريم خان الزند السماح لهم باحتلال القلعة وتطهيرها من اتباع نادر شاه، فسمح لهم بذلك فحاصروا القلعة ولكنهم لم يستطيعوا دخولها، فاستنجدوا بـ (محمد خان الزند) عام 1165 هـ فارسل اليهم اخاه صادق خان على رأس جيش ورغم ذلك لم يتم لهم ذلك بل هزمت القوات الزندية وبعد هزيمة صادق خان، قاد كريم خان بنفسه جيشا قوامه عشرة الاف مقاتل متوجها نحو كرماشان. في هذه الفترة قطعت العشائر الكردية مياه النهر كنكير عن الاراضي التابعة للدولة العثمانية. عليه ارسلت الدولة العثمانية جيشا بقيادة (اكيل) الى الحدود، فاحتلت قصبة سومار وقامت القوات العثمانية بتخريب جميع السدود التي انشئت على النهر المذكور فتصدت العشائر الكردية للجيش العثماني الغازي واستطاعت الحاق الهزيمة به وقتل قائده (اكيل) ومطارته الى داخل الحدود العثمانية ومحاصرة مدينة مندلي، وقد تمادت هذه القوات داخل الحدود مما ادى الى ان يقع قائدهم علي خان في الاسر ونقل الى بغداد مع الاسرى وهنالك تم التعرف عليه وفاوضه (كوبال باشا) والي بغداد فاتفقا على ان يدفع اهالي مندلي مبلغ (500 تومان) لاهالي (ايوان) ليتم تزويدهم بالمياه واطلاق نهر كنكير.

من اشهر واقوى امراء منطقة الكلهور في الفترة القاجارية، خان احمد خان 1307 هـ الذي تمكن من القضاء على منافسيه واعادة والي بشتكو المدعو رضا خان ابو غداره الى امارته بالقوة والذي التجأ الى منطقة ايوان بعد ان ثار عليه ابنه آمان الله خان. كما تمكن من حسم الخلافات بين ايوان وبشتكو. وبعد وفاة خان احمد خان برز داود خان امير اعظيم، استطاع داود خان التصدي لاطماع والي بشتكو في الاراضي التابعة لمنطقة ايوان ، واستطاع اخضاع جميع مناطق ايوان لسلطانه، كما استطاع فرض نفسه كرئيس عام لجميع عشائر ولاية كرماشان. كانت له تطلعات قومية ورغبة في الاستقلال، استقلال امارته. وقد ادى ذلك الى ان يصطدم بالحكومة المركزية. زحفت قواته للتصدي لقوات الحكومة المركزية ولكنه حوصر هو وقواته من قبل القوات الحكومية التي كان يقودها عبدالحسين ميرزا في موقع مجاور لمنطقة (بستون) فانتصرت عليه وقتل داود خان. وبعد مقتله عين ابنه سليمان خان امير اعظم فتآمر عليه منافسوه وقتل فآلت الامارة الى عباس خان قوباديان. وكان لعباس خان هذا طموحات قومية، ففي بداية الحكم البهلوي كان يناضل من اجل استقلال امارته فاصطدم بالقوات الحكومية التي كان يقودها احمد خان اميراحمدي. اجبر هذا عباس خان الانسحاب الى الاراضي العراقية ومن ثم القاء القبض عليه وسجنه في قصر شيرين ومن ثم ابعاده سنة 1939م الى شيراز وبذلك خابت آمالهم في الاستقلال والحق امارتهم بالمركز.


(امارة بشتكو)
بعد سقوط الامارة الاتابكية اللورية (اللور الصغرى) على يد الشاه عباس الصفوي عام 1597م، انتقل احفاد شاهويردي اخر امراء الاتابكيه الى مناطق الكرد الكلهور في بشتكو، حيث قصبة (دى بالا) مدينة عيلام الحالية، واسسوا امارة بشتكو. وفي هذا الصدد يقول المرحوم الاستاذ محمد جميل روزبياني في حاشيته على ترجمة كتاب (الشرفنامه) نقلا عن مؤرخنا الجليل المرحوم محمد امين زكي بك، ان احفاد شاهويردي قد اسسوا امارة صغيرة في منطقة بشتكو وعرف حكامها بـ (الوالي) وقد حكمها بالتوالي تسعة ولاة وهم (1 ـ حسين خان 2 ـ اسماعيل خان 3 ـ اسد خان 4 ـ حسن خان 5 ـ كلب علي خان 6 ـ علي خان 7 ـ حيدر علي خان 8 ـ حسين قولي خان 9 ـ غلام رضا خان).

وفي عهد الوالي الاخير غلام رضا خان احتلت قوات رضا شاه بهلوي هذه الامارة سنة 1928م والحقها بالمركز وعين عليها حاكما عسكريا وهرب الوالي الى بغداد.

كما ان لادمونس رأي اخر حيث يقول: الذين حكموا امارة بشتكو هم: 1 ـ حسين الاول 2 ـ شاهويردي 3ـ منصور 4ـ حسين الثاني 5ـ علي مردان 6ـ منوجهر 7ـ شاهويردي الثاني 8 ـ اسماعيل 9ـ محمد 10ـ اسد الله 11ـ محمد حسين 12ـ محمد حسن 13ـ حيدر 14ـ حسين قولي 15ـ غلام رضا.

وبعد هروب الوالي الى بغداد دون اية مقاومة خرج ابنه علي قلي خان عام 1929م وبمساعدة اخوته اعلن نفسه واليا على امارة بشتكو خلفا لوالده واستطاع ان يجمع حوله قوات عشائرية من قبائل (شوهان، كرد، دينار كوه). استطاعت هذه القوات محاصرة مدينة (دي بالا) التي كان يتحصن فيها الحاكم العسكري للمنطقة المدعو (العميد علي اكبر خان). ثم زحفت قواته نحو منطقة ايوان، الا ان المدعو (علي اغا الاعظمي) حاكم منطقة ايوان من قبل النظام البهلوي. استطاع جمع القوات العشائرية الموالية للنظام البهلوي وايقاف زحف قوات بشتكو على مناطقهم ومن ثم ردهم على اعقابهم حتى قصبة مهران. واستتب الوضع بعدها لنظام رضا شاه واسدل الستار على امارة بشتكو التي حكمت المنطقة حوالي (200) عام لم تكن العلاقة بين امارة بشتكو وحاكمية كلهور جيدة. وكانت قوات الوالي تغير على مناطق ايوان بغية توسيع مناطق نفوذها ولم يكن الهدف من هذا التوسع للقضايا القومية وبهدف توحيد المناطق وتأسيس امارة او دولة كردية قوية بل ان العقلية العشائرية وروح التسلط والاستغلال والتوسع والاطماع الخاصة طغت على تلك الحركات وقد ادت الى نشوب صراعات واطماع بين ابناء الشعب الواحد ولذا وعندما هرب الوالي الى بغداد لم يأسف عليه احد ولم يتحرك احد لنصرته. وعندما ثار ابنه واعلن نفسه واليا على بشتكو كما سبق الاشارة اليه قامت قوات عشائر الكلهور باخماد حركته. والجهل والتخلف وفقدان الوعي القومي في المنطقة سببت فيما آل اليه من تشرذم الكرد واستغلال نقاط الضعف لضرب الواحد منهم بالاخر لكي يتمكن المحتل من السيطرة على المناطق الكردية هناك. فبعد القضاء على امارة بشتكو تمكنت الحكومة البهلوية من القضاء على حاكمية كلهور بسهولة كما سبقت الاشارة اليه.


(اللهجة الكردية الكلهورية)
اللغة الكردية التي يتكلم بها اهل المنطقة هي اللهجة الكردية الكلهورية وهي احدى اللهجات الرئيسية الكردية، ويعتبرها المرحوم شرفخان البدليسي في (الشرفنامه) احدى اللهجات الرئيسية الاربعة للغتنا الكردية الجميلة حيث يقول: تختلف العادات والتقاليد والاداب واللهجات عند العشائر الرئيسية للشعب الكردي، ويمكن تقسيمها الى اربعة اقسام: 1 ـ كرمانج 2 ـ لور 3ـ كلهور 4 ـ كوران.

الاستاذ محمد امين الهوراماني يصنف اللهجات الكردية على الشكل الاتي: 1 ـ الكرمانجية الشمالية 2 ـ الكرمانجية الوسطى3ـ الكرمانجية الجنوبية .. ثم يقسم الكرمانجية الجنوبية الى الاقسام الاتية: 1ـ هوراماني 2ـ لوري 3ـ باجلان 4ـ زازاني . (انظر كتاب 11 زارى زمانى كردي.. محمد امين الهوراماني).. يهمل الاستاذ الهوراماني اللهجة الكلهورية ولا يشير اليها.

اما الاستاذ فؤاد حمه خورشيد فهو يقسم اللهجات الكردية على الشكل الاتي: 1ـ الكرمانجية الشمالية 2ـ الكرمانجية الوسطى 3ـ الكرمانجية الجنوبية 4ـ الكوران ثم يصنف اللهجة الكرمانجية الجنوبية الى الاقسام الاتية: 1ـ اللرية الاصلية 2ـ البختيارية 3ـ المامسانيه 4ـ الكوهكلورية 5ـ اللكيه 6ـ الكلهورية .. أي انه يعتبر الكلهورية احدى فروع الكرمانجية الجنوبية، ويحدد مناطق هذه اللهجة يابتداء من كرمنشاه وحتى مندلي. انظر (اللغة الكردية ـ التوزيع الجغرافي للهجاتها ـ د. فؤاد حمه خورشيد) .

اما الاستاذ كمال فؤاد فأنه وعند تقسيمه للهجات الكردية فانه يهمل اللهجة اللورية ويقسمها على الشكل الاتي: 1ـ كرمانجي شمالي 2ـ كرمانجي جنوبي 3ـ كرد جنوبي 4ـ كوران وزازا.. اغلب الظن انه يقصد باللهجة الجنوبية، اللهجة الكلهورية.

اما الميجر سون فأنه يقسم اللهجات الكردية على الشكل الاتي: 1ـكوران 2ـ كرمانجي 3ـلوري 4ـ زازا .. انظر (زاري زماني كردي.. محمد امين هورماني).

بعض الباحثين واللغويين يهملون اللهجة الكلهورية او يعتبرونها من فروع اللهجة اللورية. ولكنها في الحقيقة لهجة رئيسية عريقة وانها غير اللهجة اللورية وقد اصاب شرفخان البدليسي كبد الحقيقية حين صنفها على انها احدى اللهجات الرئيسية للغة الكردية.

مناطق انتشار هذه اللهجة معروفة وسبق ان تطرقنا اليها بعض مناطقها يغلب عليها طابع اللورية واعتقد ان السبب يعود الى ان احفاد شاهويردي حينما تركوا ديارهم في مناطق اللر الصغرى (بيشكو) وانتقلوا الى بشتكو حيث مناطق الكلهور ليؤسسوا امارتهم في (دى بالا) مناطق الكرد الناطقين باللهجة الكلهورية، جلبوا معهم طابعهم وتراثهم ولهجتهم اللورية وبمرور الوقت غلب عليها طابع اللورية اضافة الى ان المنطقتين لور الصغرى وبشتكو متاخمتين وبسبب الاختلاط والتزاوج فان تاثير اللور ولهجتهم على ايلام اصبح السبب الرئيسي ليتصور البعض ان هذه المناطق لورية.

ويقول اية الله محمدي في كتابه (جغرافياي تاريخي ابوان غرب ص 147) وحسب راي الخبراء والمختصين فان الافستا، الكتاب المقدس للزرداشتيين ، مكتوب بهذه اللغة وباللهجة الكلهورية وهناك تشابه كبير يمكن ملاحظته بين لغة الافستا واللهجة الكلهورية).

هذه اللهجة شأنها شأن اللهجات الكردية الاخرى تختلف في بعض اصواتها وموسيقاها من منطقة الى اخرى وذلك بحكم الحدود والمناطق الجغرافية وتأثير اللهجات المجاورة. فمثلا في خانقين وبحكم كونها تتوسط الكوران والكرمانجية (السورانية) فان تأثير هذه اللهجات وخاصة الكوران واضحة فيها. وتتطابق الى حد كبير لهجة اهالي مندلي وقزره بات وكرماشان اما اهالي مدينة عيلام فان تأثير اللهجة اللورية واضحة في لغتهم.

وتبقى لغة اهل الريف بين العشائر والقبائل تحتفظ على نقاوتها الى حد كبير. فعشيرتي قره لوس واركوازي كانتا حتى قبل ترحيلهما من مناطقهما الاصلية عام 1975 تنطقان اللهجة الكلهورية الكردية النقية وبصورة سليمة. والجدير بالذكر ان تأثير اللغات الاخرى واضحة اللهجة التي نحن بصددها في ايران يبدو تاثير اللغة الفارسية واضحة بالنسبة لتأثير اللغة العربية للناطقين بها في العراق..

تختلف تسمية اللهجة على الكثيرين، فبعضهم يسمونها اللورية كما سبق وان اشرنا اليها والبعض الاخر يسمونها الكردية الجنوبية واخرين يسمونها الفيلية، والحقيقة فان الاخوة الفيلية ما هم الا الكرد الكلهور بغض النظر عن انتماءاتهم القبلية والعشائرية لان لغتهم هي اللغة الكردية الكلهورية رغم تأثير العربية في لغتهم في بغداد او المناطق الجنوبية من العراق. تسمية الكلهورية، تسمية تاريخية قومية تمتد جذورها الى الاف السنين .. بعض الباحثين يذهبون الىان الكلمة مركبة من الكلمتين الكرديتين (ركه ل = الكبير) وكلمة (آهورا = اله الخير عند الكرد قبل الاسلام) وبذلك تعني الاله الكبير. مؤرخنا الجليل شرفخان البدليسي صنف الكلهد، كما سبق الاشارة الى ذلك، على انها احدى اللهجات الرئيسية الكردية، ولم يستخدم اية تسمية او مصطلح اخر، لذا يحق لنا ان نفتخر بهذه التسمية التاريخية.

لهجتنا هذه غنية بمفرداتها وتعابيرها اللغوية، وهي تحتفظ بكنز ثمين من التراث الفلكلوري من شعر وادبيات وحاجي وامثال شعبية وكنايات واشعار غنائية وغيرها، ولا زال الكثير منها متداول بين الناس، وقد دون وجمع البعض منها وهي مبعثرة في الدوريات والمجلات والنشرات الكردية، ولكن القسم الاعظم منها لا زال الناس يتداولونها شفاها. كاتب السطور هذه سبق وان قام بجمع وتدوين ونشر العديد من الابيات الشعرية والاحاجي الفلولكلورية والقصص في المجلات والصحف الكردية خاصة في مجلات (روشنبيري نوى، بيان، كاروان) في فترة الثمانينيات من القرن المنصرم، كما استطاع جمع اكثر من (1300 مثل شعبي) ونشره في كتاب بعنوان (كه ردانه ى ئه لوه ن) نشرتها دار الثقافة الكردية عام 1988 كما ان الاستاذ نصرت علي قام بتأليف قاموس عن هذه اللهجة بعنوان (كه وهه رى كه رمه سير، كردي = عربي) نشرته دار الثقافة الكردية ايضا والّف كتابا اخر عن (قواعد اللغة الكردية الكلهورية) نشر عام 2005 عن وزارة الثقافة لاقليم كردستان. وهناك اخرون في ايران نشروا العديد من نتاجاتهم بهذه اللهجة منهم الاساتذة (الشاعرة الشابه ناهيد محمدي، الاستاذ نعمت زحمتكش، الشاعر اسد جراخي، الدكتور علي اكبر نقي بور).
وهناك الكثير من الشعراء كتبوا اعذب اعذب القصائد بهذه اللهجة قديما وحديثا منهم سيد ياقو وشاكه وخان مه نصور وكرم خان اركوازي وغيرهم ومن الشعراء الشباب الشاعرة الشابة ناهيد محمدي في ايران وسالم خماني في العرق.

جميع المتضلعين بهذه اللهجة مدعوون اليوم لاغناء اللغة الكردية بجمع وتدوين ونشر التراث الكردي الكلهوري لحفظه من الضياع والنسيان.

في مناطق الكلهور التي ذكرناها تعيش مجاميع من الناس يتكلمون بلهجات كردية اخرى في محلة (بازاري بجوك = السوق الصغير) بمدينة مندلي يتكلم سكان هذه المحلة بلهجة يسميها الاهالي (روساي) هذه الكلمة هي (روستا) التي تعنى الريف ويتكلم بها ايضا سكان مدينة بدرة واحدى محلات قصبة زرباطية.. يتصور الكثيرون بان هذه اللهجة فارسية، ولكنها في الحقيقة ليست كذلك، فهي اللهجة الكردية اللورية. وسبق لكاتب السطور هذه وان نشر في الثمانينيات من القرن المنصرم بعض الامثال بهذه اللهجة في مجلة (بيان) التي كانت تصدر عن دار الثقافة والنشر الكردية، فيها اوضحنا انها تختلف عن الفارسية وانها لهجة كردية لورية وتحتوي على العديد من المفردات اللغوية الخاصة بها، كما ان فيها بعض الاصوات لا وجود لها في اللغة الفارسية وقواعدها اللغوية تختلف ايضا عن قواعد اللغة الفارسية.

وفي المنطقة ايضا بعض القبائل الكردية تتكلم اللهجة اللكية بعضها تركت لهجتها واصبحت اليوم تتكلم اللهجة الكلهورية وبعضها لا زالت متمسكة بلهجتها ونفس الشيء يقال بالنسبة لقبائل اخرى كانت تتكلم لهجة الكوران.


(الدين والمذهب)
من المعروف ان الدين الاسلامي قد دخل الى هذه المنطقة والمناطق الاخرى من كردستان بعد الفتح الاسلامي في عهد الخليفة عمر (رض) ثم ظهرت لاحقا المذاهب الاسلامية وبطبيعة الحال فقد كان للمذاهب الاسلامية تأثيرها على المناطق التي نحن بصددها، خاصة مذاهب اهل السنة. اما انتشار المذهب الشيعي في كردستان فلا يتعدى انتشاره قيام الدولة الصفوية في ايران ، عمليا. ولكن قبل هذا التاريخ هنالك اشارة للدولة الحسنوية (359 ـ 439 هـ) لذلك لا بد من ان نلقي نظرة تاريخية على هذه الدولة.

يقول المرحوم العلامة محمد جميل روزبيانى في بحثه الموسوم (تاريخ الدولة الحسنوية) ص 52 برزت شهرة حسين البرزيني بعدعام 350 هـ ويظهر انه كان يترأس عشيرة كبيرة، استطاع ان يقتطع من اخواله امراء (العيشانيه) مقاطعات وقلاع ليؤسس الامارة الحسنوية، ويتخذ من مدينة دينور التاريخية عاصمة لدولته عام 359 هـ . وعندما احتل البويهيون ايران والعراق كان حسنويه ذو نفوذ وسلطات واسعة في مدينة دينور. توفي حسنويه عام 369 هـ واختار عضد الدولة البويهي (بدر) من بين ابناء حسنويه ليترأس الامارة.

سقطت الدولة الحسنوية سنة 439 هـ ولم تكن دولة بالمعنى الحقيقي للدولة، فقد كانت تابعة للدولة البويهية ، الدولة البويهية نفسها رغم تسلطها على الدولة العباسية الا انها كانت تحكم تحت الراية العباسية، وطيلة فترة حكم الدولة الحسنوية في مناطق شهرزور وماسبدان لم تستقر الامور لهم وكانوا في صراع دائم ومعارك مستمرة حتى وصل الصراع والحروب بين الابن وابيه، فقد تمرد بدر على والده حسين وتمرد هلال ـ هليل على والده بدر، وكان بدر بن طاهر بن هلال ابن بدر بن حسين الحسنويه اخر امرائهم على مدينة كرمنشاه . انقطعت اخبارهم سنة 439 هـ. رغم ان الدولة الحسنوية وخاصة امرائها كانوا معروفين على انهم على المذهب الشيعي، الا انه ليست هنالك اية اشارةالى ان هذه العائلة قد قامت بنشر او فرض المذهب الشيعي او حتى التمسك والتعصب له. وفيما عدا دفن جثمان بدر بن حسين الحسنويه في النجف، ليست هنالك اية اشارة اخرى حول النشاط الشيعي لهذه العائلة في مناطق نفوذها .

هنالك ادلة كثيرة على ان سكان الكرد في منطقتي كرمنشاه وعيلام كانوا على مذهب اهل الحق، ولا زال الكثيرون منهم على هذا المذهب. يقول ماكدويل في كتابه (الاكراد) ان عشيرة الكلهور كانت على مذهب اهل الحق حتى عام 1830م حين اسلم رؤساء هذه العشيرة وتمذهبوا بالمذهب الشيعي للتقرب من الحكومة والعرش الايراني الذي كان على المذهب الشيعي. وبعد هذا التاريخ بدأ الناس من الكلهور بترك مذهب اهل الحق والدخول في المذهب الشيعي، وفي عام 1900م دخلت اخر مجموعة منهم الدين الاسلامي على المذهب الشيعي. ومما يؤكد هذا الكلام من ان المنطقة كانت على مذهب اهل الحق، كثرة مزارات (الباوه) فيها ومن المعلوم ان الباوه هي احدى الدرجات الدينية لمذهب اهل الحق. ولا زال الناس رغم دخولهم الدين الاسلامي يقدسون تلك المزارات مثل (باوه كورزين، باوه كورجي، باوه طاهر، باوه محمود، شيخ باوه ..الخ). وتلاحظ هذه الظاهرة حتى في المناطق الكردية السنية حيث مزارات (شيخ باوه، باوه طاهر، باوه محمود، باو شاسوار.. الخ) لا زالت هناك عشائر كردية كبيرة في هذه المنطقة تتدين بمذهب اهل الحق كما سبق الاشارة اليهم مثل (القلخاني، النسجاوي، منشي، كاكه يى وغيرهم).

ترجع بدايات انتشار المذهب الشيعي في هذه المنطقة وبصورة عملية الى بداية سيطرة الصفويون على ايران كما تطرقنا اليه سابقا. فمن المعلوم ان الصفويين قد فرضوا المذهب الشيعي على ايران بالقوة واعتبروه المذهب الرسمي لدولتهم. قاد الشاه عباس الصفوي بنفسه حملة على امارة اللور الصغرى (الامارة الاتابكية) واحتل عاصمتها (مورماوا) واسر اميرها الشجاع شاهويردي، وعندما طلب منه الشاه الخضوع وطلب العفو واجهه بالسباب والشتم فغضب الشاه عباس الصفوي وامر بقتله وقتل كافة افراد اسرته. وبذلك سقطت الامارة الاتابكيه عام 15 التي كانت على المذهب السني. وفي عهد السلطان حسين الصفوي جرت حمله على منطقة ايوان وتم محاصرة قلعة شميران حيث كان المقاتلون الكرد متحصنين فيها، تمكنت القوات الصفوية الغازية اقتحام القلعة وابادة كل من كان داخلها. وبذلك دانت المنطقة كليا للحكم الصفوي (انظر كتاب ـ جغرافياي تاريخي ايوان غرب ـ اية محمدي).

وبعد هذه الحملات بدأ المذهب الشيعي بالانتشار حيث يقول آية محمدي في كتابه المذكور: خلال القرون التي تلت الاسلام وحتى قيام الدولة الصفوية وباستثناء الدولة الحسنوية الكردية التي كانت على المذهب الشيعي فان هذه المناطق كانت على مذاهب اسلامية مختلفة اهمها المذهب السني. ومع قيام الدولة الصفوية واعلانه رسميا مذهبا لايران، بدأ الناس في هذه المناطق بدخول هذا المذهب. وهكذا انتشر المذهب الشيعي في المناطق التي يدور موضوع بحثنا حولها.


(الترحيل وتعريب المنطقة)
بعد الانتكاسة المرة التي لحقت بالحركة التحررية الوطنية الكردية في اذار عام 1975م اثر اتفاقية الجزائر السيئة الصيت بين شاه ايران المقبور والطاغية صدام حسين، تعرضت المنطقة الى ابشع عملية شوفينية في تاريخ العراق الحديث، حيث تم ترحيل مناطق شاسعة من كردستان شملت ايضا قضاء خانقين ومندلي. ثم اخلال جميع القرى الكردية في خانقين ومندلي. اما بالنسبة لمركز مدينة خانقين فقد صدرت قوائم بنقل كافة منتسبي الدوائر والمؤسسات الحكومية في المدينة. حيث شملت عمليات النقل كافة منتسبي الدوائر الاتية (كافة ملاكات المدراس الابتدائية والمتوسطة والثانوية، منتسبي مديرية مصفى الوند وحقول نفط خانقين “نفطخانه” ومستودع نفط خانقين، كافة منتسبي القائممقامية والنواحي، كافة منتسبي البلدية، كافة منتسبي المحاكم، كافة منتسبي المالية، كافة منتسبي المصرف، كافة منتسبي المستشفى والمراكز الصحية، كافة منتسبي السكك ، كافة منتسبي الزراعة والري والاصلاح الزراعي، كافة منتسبي الشرطة الكرد من الشرطة المحلية والكمارك والجوازات والجنسية والحدود وشرطة النفط، كافة منتسبي الاحوال المدنية، منتسبي التسجيل العقاري، منتسبي الكمارك).

نقل جميع هؤلاء الى المحافظات الجنوبية دون ان يراعى حتى مصلحة الدوائر التي كانوا يعملون فيها. فمثلا العمال الفنيين المهرة الذين كانوا يديرون مفاصل العمل والانتاج في المؤسسات النفطية الثلاث بخانقين نقلوا الى دوائر البلديات في مدن الجنوب دون الاستفادة منهم في المؤسسات النفطية الاخرى وعين بدلا عنهم عمال عرب وافدين غير متدربين مما ادى ذلك الى الحاق الضرر بتلك المنشآت، قسم المراجل في مصفى الوند كان يديره ولسنوات طويلة ( 6 عمال فنيين) على ثلاث وجبات عمل على مدار 24 ساعة بواقع عاملين فنيين لكل وجبة، لم يحدث خلال الفترة الطويلة أي طارىء وبعد نقل هؤلاء عين في هذا القسم اكثر من (70 عاملا) عربيا غير متدرب انفجرت المراجل ثلاث مرات.

قوائم نقل العمال والموظفين قد اعدت لها سلفا أي ان تاريخ اعداد قوائم اللذين سينقلون الى المناطق الجنوبية سبقت الاوامر الادارية بذلك بمدة طويلة بدليل ان الاوامر الادارية كانت تحتوي على اسماء موظفين متوفين قبل صدور الامر الاداري باكثر من سنة والدليل على ذلك فان قوائم نقل معلمي خانقين كانت تحتوي اسم المعلم المرحوم خليل باوه خان الذي توفي عام 1974م اما بقية الاهالي من الكسبة والعمال في القطاعات الخاصة والذين لا ينتسبون الى الدوائر والمؤسسات الحكومية فقد كانت تختلق لهم اعذار واهية لاجلائهم عن بلدتهم مثلا كون احد افراد العائلة في صفوف الحركة التحررية الوطنية الكردية، او كون احد افراد العائلة خارج العراق، او كون احد افراد العائلة يشتغل في التهريب الى غيرها من الحجج التافهة ثم يصار الى مصادرة بيوتهم وممتلكاتهم وتمنح للعرب الوفدين بهدف تعريب المدينة.

كانت تنتشر في ضواحي المدينة حوالي (12) معملا لصناعة الطابوق وحوالي (6 معامل) لصناعةالجص تم غلق تلك المعامل البدائية ومسحها بالارض بواسطة الشفلات لكي يحارب الناس في مصادر عيشهم واجبارهم وعلى الهجرة.

اما الذين يتخلفون عن النقل ويتركون الوظيفة، يلقى القبض عليهم ويسفرون مخفورين الى المحافظات التي نقلوا اليها واجبار عوائلهم على مغادرة المدينة. هذه العوائل عانت الكثير من ويلات النقل من اجرة النقل وصعوبة الحصول على السكن.. الخ.

اما الفلاحون المرحلون بل المشردون فقد واجهوا البطالة وصعوبة حصولهم على العمل لانهم لم يكونوا يمتهنون سوى الفلاحة وزراعة الارض او تربية الاغنام، فاضطروا للقيام باعمال عضلية مضنية في سبيل الحصول على قوتهم وقوت عوائلهم وكانوا يرضون بالاجور الواطئة في سبيل الحصول على لقمة العيش. ففي الوقت الذي بدأت العائدات النفطية العراقية بالارتفاع في اواخر السبعينيات من القرن المنصرم وتبذير الحكومة البائدة تلك الاموال حسب اهوائها كان الكردي المسكين المبعد الى الجنوب يعاني من شظف العيش في حين كان الوافدون الى المناطق الكردية المعربة يتمتعون بخيرات اراضي المرحلين هؤلاء الوافدون اغدقت عليهم اموال طائلة باسم تعويضهم، اضافة الى تلك المبالغ منحت كل عائلة جهاز تلفزيون وثلاجة كهربائية وجرار زراعي وسيارة بيك اب وتمليكهم المزارع والبساتين والاراضي المغتصبة كما تم تزويدهم بالمواد الغذائية لمدة سنة مجانا، ثم تم تزويدهم بسيارة ثانية بعد مرور سنة على اقامتهم في تلك المناطق المرعبة، ثم سيارة ثالثة عند نشوب الحرب الايرانية العراقية بحجة صمودهم في المناطق الحدودية، كل ذلك لاغرائهم بالبقاء في القرى الكردية المعربة. اما الفلاحون الكرد فقد تم اسكانهم في صرائف بقرى نائية وفرضت عليهم الاقامة الجبرية وعدم السماح لهم بالانتقال او السفر داخل العراق.

في عام 1978 سمح النظام الفاشي للمبعدين الكرد العودة الى مناطق الحكم الذاتي (محافظات السليمانية واربيل ودهوك) واستثنى من هذا القرار الكرد من اهالي محافظات كركوك وديالى والموصل وصلاح الدين، بهدف تعريب مناطقهم كما اشرنا اليه، وبقي هؤلاء مشتتين بنهاية النظام الدكتاتوري عام 2003 يكون قد مضى على عمليات الترحيل السيئة الصيت حوالي ثلاثة عقود. استقر معظم المرحلين في بغداد وبعض المدن الاخرى مثل الفلوجة والرمادي والحلة وسامراء وبعقوبة وبلدروز وشهربان.. اصبح اغلبهم سكان المدن، رحلت اجيال كانت متمسكة بالارض وجاءت اجيال اخرى ولدوا بعيدا عن موطن الاباء والاجداد لا يتقنون لغتهم الكردية. ضاعت العادات والتقاليد والعلاقات والموروث الثقافي والفلكلوري الاصيل، بمجرد ترحيلهم عن الريف واستقرارهم في المدن اسدل الستار عن اعمالهم الزراعية وحياة الريف، اضاعت الكثير من المهن والصناعات الشعبية مثل صناعة السجاد والمفروشات اليدوية وضاعت بعض الملابس والكالات وصناعة بعض المستلزمات المنزلية والحقلية، ضاع الخزين اللغوي الموروث الذي كانوا يحفظونه في صدورهم من الشعر والاحاجي والقصص الشعبية.. وغيرها من الادب الفلكلوري المتوارث عن الاباء والاجداد، انحل العقد والتماسك الاجتماعي السابق وحلت محلها علاقات وعادات غريبة مكتسبة لا تمت الى (كورده وارى = التراث الكردي) باية صلة ، بل وهي غريبة عليهم وبذلك استطاعت الشوفينية ان تحقق بعض من اهدافها الخبيثة في تعريب تلك المناطق وتعريب الاهالي المرحلين وتدمير المجتمع السابق.

المصادر
1 ـ مندلي في التاريخ ـ محمد جميل روزبيانى
2 ـ جغرافياي تاريخي ايوان غرب ـ آيت محمدي
3 ـ زارى زمانى كوردي ـ محمد امين الهوراماني
4 ـ اللغة الكردية ـ التوزيع الجغرافي للهجاتها ـ فؤاد حمه خورشيد
5 ـ تاريخ الدولة الحسنوية ـ محمد جميل روزبياني
6 ـ كردستان وبروسه ى به ئيلام كردى ـ شوان عثمان مصطفى
7 ـ فتوح البلدان ـ ابو العباس احمد بن جابر
8 ـ وسيلة النجاة ـ السيد ابو الحسن الموسوي الاصفهاني ج2
9 ـ ما وراء الفقه ج4 ـ فصل في مناكحة الاكراد ص 303
10 ـ شرقنامه ـ شرفخان البدليسي ـ ترجمة هزار موكرياني
11 ـ فه رهه نكى له ن ولور ـ حميدي ئيزه د به ناه
12 ـ كورد، تورك، عرب ، ادمونز ـ ترجمة جرجيس فتح الله.

الاتحاد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *