الرئيسية » مقالات » محاضرة عن العملية الديمقراطية في العراق للدكتور خالد يونس خالد بمدينة أوميو السويدية

محاضرة عن العملية الديمقراطية في العراق للدكتور خالد يونس خالد بمدينة أوميو السويدية

في مدينة أوميو السويدية، عاصمة مقاطعة شمال السويد، ومركز جامعة الشمال المعروفة، نظمت الجمعية الكردستانية لقاءً لنخبة من السويديين في سمينار عن العراق بتاريخ السادس من أيار/ مايو 2007. وبدعوة من الجمعية المذكورة ألقى الدكتور خالد يونس خالد محاضرة باللغة السويدية بعنوان “العملية الديمقراطية في العراق” بعد سقوط نظام البعثصدامي الدكتاتوري الذي حكم العراق خمسة وثلاثين عاما بالمقابر الجماعية والأسلحة الكيمياوية. حضر المحاضرة عدد من السويديين، منهم المحافظ السابق للمدينة، وكذلك عدد من الكرد والعراقيين القادمين المقيمين في بلدية المدينة. كانت المحاضرة والحوار باللغة السويدية.

عرض موجز عن المحاضرة مترجمة إلى اللغة العربية مع بعض التعديلات والإضافات
بدأ ذي بدء ينبغي القول أن المحاضر لا ينطلق منطلقا قوميا في هذه المحاضرة، إنما يريد أن يكون محايدا، كشخص أكاديمي يبحث وينقد موضوعا مهما يحكم العراق من أقليم كردستان إلى البصرة، وهو يريد التحرر للشعب العراقي بكل أطيافه على أساس التقدم والسلام والمساواة بعدالة.

تحدث الدكتور خالد يونس خالد عن التعريف الكلاسيكي المعروف للديمقراطية ” حكم الشعب من الشعب”، وقال بأن هذا التعريف الاغريقي ليس واقعيا في عالمنا المعاصر الذي يقوده نظام القطب الإستراتيجي الواحد، المتجسد في هجمة القوى الكبرى على الدول الضعيفة والصغرى لغرض استغلالها بفرض الديمقراطية الشكلية من الأعلى، دون أدنى اعتبار لوعي الجماهير في القاعدة الشعبية، وتقبُل الشعب للديمقراطية بالعنف، وممارستها بحرية ومسؤولية. بل حتى عدم فسح المجال للشعب بممارسة الديمقراطية على أساس حكم “سيادة الشعب”. وقال الدكتور خالد أن الديمقراطية بالمفهوم المعاصر تعني “سيادة الشعب” في دولة مستقلة حرة غير خاضعة للأحتلال الأجنبي. والديمقراطية بمفهوم “سيادة الشعب” لاتمارس إلاّ في حالة السلم الأهلي، لسبب بسيط وهو أن الديمقراطية والسلم متلازمان لا ينفصلان.

إذن كيف يمكن للشعب أن يملك السيادة في دولة محتلة؟ وكيف يمكن للشعب أن يمارس الديمقراطية بغياب السلم في أجواء الإرهاب والعنف والقتل الجماعي والميليشيات المسلحة التي تحكم البلاد عمليا؟

العراقيون والدستور بين النظرية والتطبيق
كثيرا ما يسمع العراقيون أقوال البعض يقول أن القوانين والدساتير العراقية تؤكد نظريا على الديمقراطية والفيدرالية والحريات الفردية والحريات العامة دون أي تفكير بأن هناك فرق بين ما يُكتَب في الدساتير وما يمارس على الأرض في المحك العملي في دولة تفتقد لثقافة ديمقراطية، حكمها نظام البعثصدامي الدكتاتوري خمسة وثلاثين عاما بالفكر الاستبدادي المتخلف.

إشكالية الخلط بين النظرية والتطبيق في العراق عند البعض هي ليست فقط في عدم التمييز بين مبادىء الدستور على الورق والممارسة المخالفة للدستور على أرض الواقع، إنما عدم التمييز أيضا بين ما يُكتب في الأنظمة الداخلية للأحزاب السياسية والمنظمات المهنية الخاضعة لتلك الأحزاب، بأسم الدين يوما وبأسم ماتسمى الإيديولوجية والعلمانوية الشرقية الاستبدادية البعيدة عن الديمقراطية يوما آخر، وبين التطبيق الفعلي في المحك العملي لتلك الأنظمة الداخلية. وهذه الأمراض متفشية في الأحزاب الدوكماتية الإسلاموية والعلمانوية الكاريكاتيرية التي تحكم بلدان الشرق الأوسط. وكل هذه الأحزاب تدعي بالديمقراطية، وتصل أحيانا إلى السلطة بأسم الانتخابات الديمقراطية واللاديمقراطية كوصول هتلر إلى السلطة في ألمانيا الديمقراطية عن طريق الانتخابات لنسف الديمقراطية من جذورها وتأسيس الدولة النازية.

جاءت في المادة الأولى من الدستور العراقي الذي أجري الاستفتاء عليه في 15 أكتوبر 2005 مايلي: “جمهورية العراق دولة مستقلة ذات سيادة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي إتحادي”.
وجاءت في المادة الأولى من مشروع دستور أقليم كردستان لعام 2005 مايلي: “اقليم كوردستان من أقاليم الجمهورية الفيدرالية العراقية، ويكون نظامه السياسي جمهوريا برلمانيا ديمقراطيا تعدديا”. كما أن مشروع دستور أقليم كردستان المطروح للمناقشة منذ سبتمبر 2006 يؤكد في المادة الأولى بوضوح أكثر “إقليم كوردستان إقليم اتحادي ضمن دولة العراق الاتحادية نظامه السياسي جمهوري برلماني ديمقراطي يعتمد التعددية السياسية وتداول السلطة سلمياً ومبدأ الفصل بين السلطات”.
ولكن هل يعني أن العراق دولة ديمقراطية في المحك العملي؟ هذا التساءل يطرحه المحاضر على حضراتكم في هذا السمينار أو هذه المحاضرة لمناقشته.

السؤال الكبير الذي يطرح نفسه، ويلح أن يطرح نفسه هو: هل أن العراق دولة ديمقراطية إتحادية؟ وهل تطبق شروط الديمقراطية في العراق عمليا وليس نظريا كما جاء في الدستور؟
لايمكن فهم الديمقراطية كما لايمكن ممارستها في غياب السلام؟ فالحرية كما نفهمها تعني غياب العنف وليست ممارسة العنف، لأن المواطن لايستطيع أن يمارس الحرية في إطار المسؤولية الفردية والقانونية والاجتماعية بدون أن يشعر المواطن بمواطنته، أن له حقوقا يمارسها مقابل واجبات يؤديها. والحقوق والواجبات توأمان لاينفصلان في إطار القانون الذي يحمي الحريات الفردية والحريات العامة في دولة القانون وفي أجواء السلم الأهلي، وليس في دولة العنف والإرهاب.
التساؤلات المطروحة تدفعنا إلى إشكالية فهم “العراق الإتحادي” الذي لايحكمه الدستور في المحك العملي، وهو في الحقيقة ليس عراقا إتحاديا. فلا يوجد مجلس إتحادي فيدرالي ولا مجلس قوميات في البرلمان العراقي، إنما مجلس واحد كأي دولة بسيطة. والحكم بيد توجه سياسي واحد. فالحكومة والميليشيات المسلحة والأحزاب الحاكمة تخرق بنود الدستور وقدسية الدستور بحجج واهية. فلا قانون يحكم، ولا قوة إلزام تلزم أحدا من القابضين على السلطة. وقد عبر رئيس الوزراء العراقي الحالي نوري المالكي بقوله: “ليس لديَّ السلطة أن أحرك كتيبة عسكرية واحدة في العراق”. السبب واضح وبسيط، وهو أن بعض الأحزاب القابضة على السلطة بالانتخابات تتدخل لحماية بعض الميليشيات المسلحة، لأنها أداة عسكرية لتلك الأحزاب في مجتمع العسكرة. في حين أن الديمقراطية تتطلب بناء مؤسسات مدنية في المجتمع المدني، وتجريد الميليشيات من السلاح ليتمكن المواطن من ممارسة الحرية في أجواء ديمقراطية.
هذه الإشكالية على مستوى العراق ككل بما فيه أقليم كردستان.

أقليم كردستان العراق وتجربته الديمقراطية
التجربة الديمقراطية في أقليم كردستان العراق تجربة غير ناجحة نسبيا بالمعايير الديمقراطية الليبرالية، وهي اليوم أكثر من أي وقت مضى تراوح في محلها، رغم مرور خمسة عشر عاما على حياتها. هذه التجربة الديمقراطية فشلت أن توجد حكومة موحدة لأقليم كردستان عمليا، رغم وجود حكومة موحدة بالأسم فقط. والحقيقة المُرة هي أنه لو وجدت حكومة كردستانية موحدة بالفعل، فإن عقرب الساعة ستعود إلى سنين الحرب الأهلية الكردية الكردية كما كانت بين أعوام 1994- 1998، لأن الصراع الخفي لازال قويا نسبيا بين التوجهات السياسية المختلفة في الأقليم.
أتأسف أن أقول بمرارة حقيقة لايمكن نكرانها، أن قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني اليوم، لاتمثل تراث البارزاني الخالد، بل تجعل من هذا التراث مطية لمصالحها. أنا مستعد أن أواجه السيد الرئيس مسعود البارزاني، والسيد رئيس الوزراء نيجيرفان بارزاني في حوار أثبت لهما بالأدلة والبراهين أن تراث البارزاني الخالد بريء من ممارسات غالبية عناصر قيادة الحزب مستثنيا منهم بعض المناضلين الذين يستحقون الاحترام والتقدير.
الحزبان الكبيران لايقبلان بعضهما بعضا من القاعدة إلى القمة، وتبادل القبلات بين قياداتهما مسرحية هزلية. لقد بلغ الفساد المالي أشده أيضا، كما أن خرق حقوق الإنسان هناك في أدنى مستوى لها. وقد ذكرت وزارة الخارجية الاميركية في تقريرها السنوي المنشور في الثاني عشر من مارس/ آذار هذا العام (2007) بوجود معتقلات في بعض مناطق أقليم كردستان تشهد انتهاكات كبيرة لحقوق الانسان من قبل أجهزة الأمن، هذا إضافة إلى أعمال خطف واعتقالات واحتجاز في معتقلات غير قانونية وسرية تجاوزت في ممارساتها الخطوط أو الحدود المرسومة لها، وتمخضت عنها أعمال قتل وسفك دماء. وخلص التقرير الصادر عن الخارجية الاميركية الى القول أن أشخاصا أعتقلوا بتهم أمنية، بينما كانت دوافع اعتقالهم سياسية وطائفية وعرقية.
من المؤسف أن يقول المراقب السياسي أنه توجد اليوم آلاف الكرد العراقيين في المهجر لا يفكرون بالرجوع إلى أقليم كردستان الديمقراطي نسبيا. ولازالت الهجرة الكردية إلى الخارج على قدم وساق. الاستياء على أشده، والحفلات كثيرة والرقص في أعلى المستويات على شاشات التلفاز الكردستاني. صور مرسومة تحجب الواقع عن الأنظار، والواقع يتكلم ويصرخ هل مغيث؟ لو فتحت الأبواب في أقليم كردستان، لهاجر 70% من الكرد إلى الخارج. وقد يشعر الجيل الجديد من الكرد أن المستقبل مظلم، وإن لم يكن مظلما، ولكن هذا الشعور له عوقب سلبية على النضال الكردستاني حين يواجه الأقليم هجمة معادية.
آلاف مألفة من الكرد المهاجرين الجدد ينتظرون الموافقة على قبولهم لا جئين في الخارج. ففي السويد وحدها تنتظر تسعة آلاف وثلاثماءة مهاجر كردي جديد قدموا إلى السويد في السنة الأخيرة فقط، وهم قلقون من خشية أن ترفضهم السلطات السويدية. وفي أوربا بشكل عام أضعاف مضاعفة من الكرد، باعوا كل ما عندهم ليعيشوا في الغربة. وحكومة أقليم كردستان ترفض قبولهم في كردستان وكأنهم تمردوا على السلطة. مَن المسؤول عن كل هذه الهجرة؟ لماذا هذه الهجرة بعد أن ناضل الشعب الكردي سنين طوال من أجل الحرية والديمقراطية والحقوق القومية؟ هل من إنسان يريد أن يهرب من الحرية والديمقراطية؟ وهذا هو التساؤل الكبير، هل يوجد أمان واستقرار في أقليم كردستان؟ وهل توجد حرية فيهرب الكرد من هذه الحرية؟ هل توجد عدالة فيبحث الإنسان عن الغربة في عالم لا يرحم أحدا؟
تعيدني الذاكرة إلى السوسيولوجي الكبير (أريك فروم) في كتابه Escape from freedom حين يقول، الفردية قضت على الطمأنينة، والحرية التي جاءت بفعل الفردية جعلت من الفرد يبحث عن الطمأنينة. مَن يدافع عن الشعب الكردي وكردستان إذا أصبح الشعب الكردي شعبا مهاجرا؟

لا مصالحة وطنية في غياب الديمقراطية
العراقيون يعرفون أن الحكومة عاجزة أن تتخذ الإجراءات بحق كثير من قيادات الميليشيات المتناحرة لأنها مدعومة من أحزابها القابضة على السلطة في البرلمان والحكومة. ومن جهة أخرى هناك خلافات بين الجانبين الكردي والحكومي فيما يتعلق بكركوك والفيدرالية، ومخاطر العودة إلى نقطة الصفر بسبب الخلافات في تفسير وتطبيق بعض بنود الدستور.

إشكالية عدم التوافق والتفاهم عميقة بين الجهات المتناحرة سياسيا في الحكم، والجهات المتناحرة الموجودة خارج الحكم وداخله. وإشكالية أخرى تحكم العراق بالعنف، ليس من جانب الإرهابيين فحسب، بل من جانب الحكومة والأحزاب المشاركة في البرلمان من عرب وكرد وأقليات أيضا. لا احترام لحرية المواطن، ولا حماية لحقوقه الفردية، ولا أمن ولا سلام. حقوق المواطنة معدومة إلى درجة الصفر للمواطن العادي. الإشكالية الثالثة هي الفساد المالي والإداري إلى درجة الانحطاط الفكري.

إذن نشدد مرة تلو مرة أن هناك إرهاب على ثلاث جبهات عراقية. جبهة الاقتتال الأخوي بين العراقيين أنفسهم لعجزهم أن يفهموا المعادلة الوطنية. وجبهة الفساد الإداري والمالي في العراق من أقليم كردستان إلى البصرة، وهي أشد وأخطر من الارهاب المسلح. وجبهة فقدان الثقة بالنفس وبالآخر. بين هذه الجبهات الثلاث، تمرح أمريكا وبعض دول الجوار ويمرح الارهابيون الوافدون من خارج الحدود. والسؤال الكبير هنا، لماذا فشلت اللعبة الديمقراطية، ولا أقول النظرية الديمقراطية؟

يتساءل العراقي الواعي، لا أعني هنا أولئك الذين يقرأون فلا يفهمون، والذين يحكمون فلا يقرأون، هل أن العراق دولة القانون؟ هل هناك دستور يحمي هذه الحقوق والحريات في العراق وأقليم كردستان كجزء من العراق؟ مَن يملك القانون؟ هل السلطة موزعة بين القوى الوطنية في السلطة والقوى الوطنية الضعيفة كالقوى اليسارية والأقليات القومية والدينية أو أنها مركزة بين أيدي الذين يمتلكون الأغلبية بحرمان المعارضة البرلمانية من السلطة، ولاسيما حرمان الأقلية الوطنية الديمقراطية غير البرلمانية؟
من أجل أن نفهم العملية الديمقراطية في العراق، لابد من فهم الحالة السياسية التي تحكم العراق في غياب السلم أو تحقيق السلم، لكي نفهم أيضا العراق الإتحادي البرلماني التعددي وإمكانية تحقيق الوحدة العراقية في إطار العملية الديمقراطية.

لقد أجرِيَت انتخابات برلمانية في العراق في الثلاثين من يناير عام 2005، واختار الشعب 275 ممثلا له في البرلمان. وفي السادس من أبريل عام 2005 أُنتِخِبَ أول رئيس لجمهورية العراق وهو الكردي مام جلال الطالباني. وفي الخامس من يوليو عام 2005 بدأ البرلمان يهيىء مشروع مسودة الدستور العراقي. وأجري الاستفتاء عليه في الخامس عشر من نفس العام. وأكد الدستور على فيدرالية أقليم كردستان، وحقوق الأقليات القومية والدينية والحريات العامة والحريات الفردية نظريا، ثم جاء تغيير دستوري، أو إضافة مبدا دستوري جديد فاز بأغلبية الأصوات في البرلمان، يقول بفيدرالية الجنوب. ويتساءل المرء لماذا فيدرالية الجنوب لأغلبية عربية شيعية تحكم العراق أصلا؟ لقد أخطأ التحالف الكردستاني في البرلمان العراقي خطأ استراتيجيا بالموافقة على مقترح الكتلة الشيعية بإيجاد فيدرالية في الجنوب العراقي. هذه هي إشكالية القيادات الكردستانية التي تتجاهل قراءة سيكولوجية القوى العراقية على مر الزمان. وليعلم التحالف الكردستاني أنه لن يفلح في إقناع الكتلة الشيعية بإجراء أي استفتاء في كركوك، لأن سنوات الحكم الأخيرة أثبتت عدم احترام الجعفري ومن بعده المالكي للدستور العراقي. فلا الكتلة الشيعية ولا التوافقات السنية ولا القيادات الكردستانية تفهم معنى الحريات العامة والحريات الفردية للمواطن، لا في العراق ولا في أقليم كردستان العراق في عراق جريح يبحث عن الأمان.

السؤال الكبير الذي يلح أن يطرح نفسه من جديد بصدد موضوعنا “العملية الديمقراطية في العراق” هو هل أن ماورد في الدستور قد طبقَ في المحك العملي؟ الجواب لا لم يحدث ذلك، ولا سيما فيما يتعلق بالكرد والتركمان والكلدو آشور والكرد الفيلية والأيزيديين والمندائيين ووو. وهنا نفهم بوجود إشكالية بين أطراف المعادلات العربية- الشيعية والعربية- السنية والكردية والكردية السنية والشيعية والأقليات العرقية والدينية الأخرى.
أسطورة المصالحة الوطنية فشلت، وحكومة المالكي غير جادة لأي مصالحة وطنية في العراق. بل أن المصالحة الوطنية الكردية الشيعية ستفشل هي الأخرى. وسيفشل رئيس الوزراء الحالي السيد نوري المالكي كما فشل رئيس الوزراء السابق إبراهيم الجعفري، والذي سبقه السيد أياد علاوي في حكم العراق. سيصبح الكرد قوة في الظل، وستنقسم القوة الكردية إلى قوى صغيرة وضعيفة، لأن الحزبين الكبيرين، الديمقراطي الكردستاني بزعامة البارزاني، والإتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الطالباني يحتكران السلطة الفعلية، سياسيا وعسكريا وماليا.

المال عند بعض القيادات العراقية أصبح كالأصنام. والأصنام كانت عند أبي جهل الوثني، عبادة وتجارة. عداء ضد الدين الإسلامي، وتشويه للإسلام في العراق أجمع، حرب طائفية ضد الإسلام، والإسلام براء منهم. فلا مصالحة وطنية في العراق، ولا مصالحة وطنية في أقليم كردستان أيضا. أقرؤوا على كركوك السلام، وصفقوا لآلاف القصور الذهبية التي بنيت على أشلاء الشهداء، حجارتها جماجم الأطفال والنساء. سحقا لنظام البعثصدامي المنهار، النظام الدكتاتوري الفاشي. وتبا لأولئك الذين يتاجرون بدماء الشعب العراقي عربا وكردا وأقليات.
يريد الحكام دولة عراقية موحدة بعيدا عن المصالحة والحرية والديمقراطية. كيف يمكن ذلك، والعراق مهدد بالانقسام؟ ومنظمات الاستفتاء الكردية المنتشرة هنا وهناك تريد دولة كردستانية، ولكن كيف يمكن بناء دولة كردستانية على الرمال ياسادة؟ راجعوا حساباتكم أيها العراقيون إذا أردتهم أن تعيشوا أحرارا.
كيف؟

إذن كيف يمكننا أن نفهم الديمقراطية؟
يؤكد روبرت دال بضرورة توفر شروط معينة في دولة ما لتكون ديمقراطية وهذه الشروط هي:
1. انتخاب ممثلي الشعب الذين يقبضون على السلطة بأسم الشعب
2. انتخابات حرة ومحايدة
3. حق التصويت العام
4. حق كل مواطن أن يرشح نفسه في الانتخابات
5. حرية الرأي وحرية التعبير
6. بدائل لمصادر المعلومات
7. حرية التنظيم وتشكيل المنظمات

لكن توفر هذه الشروط وممارستها ليست إلاّ صورة للديمقراطية، ويجب ألاّ نفهم الديمقراطية بهذا الشكل الصوري بمعزل عن السلم وربطهما بما تسمى “دولة القانون” أي حكم القانون وليس حكم الفرد أو الحزب أو الدين أو القومية أو الطائفية.

يشير كثير من الباحثين، ومنهم على سبيل المثال الباحثان السويديان في قضايا السلم الديمقراطي (ايفن سميث) و (أولوف بيترشون) في كتابهما بعنوان:
Konstitutionell demokrati som begrepp och som ideal, i Petterson & Smith (red) Konstitutionell demokrati, SNS forlag, 2004
إلى عدم تضاد النظام السياسي مع دولة القانون، أو بعبارة أدق ضرورة توافق النظام السياسي في دولة القانون مع دستور الدولة لأن الدستور في كل دولة ديمقراطية هي مجموعة مباديء تنظم السلطة وتبين كيفية استخدام أو عدم استخدام السلطة الرسمية بدون تغيير الجوانب الهامشية من الدستور.
يجب أن يحمي الدستور الحقوق المدنية، وحريات الرأي التي تتضمن حرية الرأي، التعبير عن الرأي، حرية المعلومات، حرية التجمع، حرية المظاهرة وحرية الدين. ولايمكن للدستور أن يكون فاعلا ليحمي هذه الحقوق والحريات إلأ إذا كانت السلطة الحاكمة سلطة القانون، وليست سلطة الفرد أو الدين أو القبيلة أو الطائفة أو المذهب. ولكن كيف يحمي الدستور الحقوق المدنية وحريات الرأي؟
في دولة القانون طبعا.

إذن ماهي شروط دولة القانون؟
يشير الباحثان السويديان ماتسون وأولوف بيترشون في دراستهما القيمة بعنوان:
Makten over politikens spelreglar, 2004
إلى ضرورة توفر ثلاثة شروط أساسية في الدولة الديمقراطية لكي تكون دولة القانون، وهذه الشروط هي:
1. يجب أن يتمتع مواطنوا الدولة بالحقوق الأساسية والحريات العامة، وأن يكونوا متساوين أمام القانون.
2. يجب ممارسة السلطة الرسمية بشكل يتوفر شرط ضمان تطبيق القانون وحكم القانون (وليس حكم الفرد أو الطائفية أو المحاصصة).
3. يجب أن تنظم السلطة طبقا لمبدأ تقسيم السلطات والفصل بينها، ومشاركة قوى الشعب فيها. (من قوى الأغلبية وقوى الأقلية، وليس حرمان الأقلية من المساهمة في السلطة، طالما أن الديمقراطية هي سيادة الشعب، وليس سيادة الحزب أو الفرد أو الطائفة أو المذهب).

قضية الديمقراطية من جديد
أيها الأخوة. أقول لكم بصراحة أن العراقيين لن يفلحوا، ولن ينجحوا في قضية الديمقراطية في عراق فيديرالي أو غير فيدرالي بمعزل عن السلام. لن يكون هناك سلام في مجتمع الإرهاب والطائفية والقومجية، طالما ينعدم الحد الأدنى من الأتفاق بين أبناء الشعب العراقي.
يجب الإتفاق على قاعدة تفاهم مشتركة بين جميع الأطياف العراقية القومية والدينية الديمقراطية كحد أدنى على نقطة الارتكاز الأساسية وهي الوطنية الحقيقية. هذا شرط لا مساومة عليه للحفاظ على الكرامة العراقية، وكل ماعدا الكرامة الوطنية شوائب تتفرع من الانعزالية والطائفية والشوفينية والمذهبية والمصالح الشخصية والعشائرية والتناحرات الإيديولوجية. المنافسة السياسية مقبولة ولكن على أسس ديمقراطية سلمية فقط وليس على اسس قبلية أو طائفية أو مذهبية. فإذا استوعب العراقيون هذه المعادلة فإنهم يستطيعون ممارسة العملية الديمقراطية والتفنن بحرية في اللعبة الديمقراطية، بفسح المجال أمام بعض القوى الديقراطية التي تعتبر اليوم خارج المعادلة كالقوى اليسارية التقدمية والأقليات الدينية والقومية بسبب المحاصصة الطائفية والقومية، بالتقدم إلى الأمام للمساهمة في الممارسة الديمقراطية.

هل الجهل السياسي لبعض القادة الذين يحكمون العراق اليوم هو سبب البلاء؟ لا إنهم ليسوا جهلاء، لكنهم متقوقعون في دائرة الطائفية والمذهبية والحزبية والقبلية الضيقة، ولا يفكرون بأي حل ديمقراطي سلمي، ويعتقدون أن الحل يكمن في الخطط الأمنية في ظل ديمقراطية كاريكاتيرية لن تجد سبيلا لتحقيق الديمقراطية الحقيقية في العراق بعيدا عن السلام.

العملية الديمقراطية في العراق، في كل تاريخ العراق، لاتخلو من مشاكل. الأغلبية تحكم، والاقلية من قومية أو دينية تجد نفسها على طول الخط خارج اللعبة السياسية، وإن كانت في البرلمان. والأغلبية تتجاهل مطالب الأقلية تحت مظلة الديمقراطية أو القومية أو الطائفية أو الأممية، والأقلية تلجأ إلى ممارسة العنف كبديل عن الممارسة الديمقراطية.

الفيدرالية بمعزل عن الديمقراطية والسلم الأهلي ليست حلا لقضية الشعب الكردي
الديمقراطية الناجحة على أساس السلم الأهلي في العراق ضمان لحقوق الكرد والأقليات القومية والدينية لبناء دولة ديمقراطية فيدرالية برلمانية تعددية. ومن هنا أقول أن الفيدرالية بمعزل عن الديمقراطية والسلم الأهلي ليست الحل للكرد والأقليات العراقية، كما أنها ليست الحل للشيعة في فيدرالية الجنوب.
بعد أن فهمنا إشكالية الديمقراطية، لابد من فهم إشكالية السلم في العراق. وهنا أقتبس بعض المفاهيم من الباحث السياسي ليونس في كتابه:
Transforming the Institutions of War: Postconflict elections and the
reconstruction of failed states, in, Rotberg, 1., When States Fail: Causes and
Consequences, Princeton 2004, 293/94.

يؤكد ليونس بضرورة وجود أجندة مشتركة لنزع سلاح الأطراف المتحاربة، (وليست أجندة فردية لوقف إطلاق النار)، ليست أجندة فردية كالتي بين الكرد والشيعة في أغلبية برلمانية وعزل القوى الوطنية كالقوى اليسارية وقوى الأقليات القومية والقوى الديمقراطية المعارضة عن المعادلة العراقية. الأجندة المشتركة، شرط أساسي لبناء دولة المؤسسات الديمقراطية المترابطة بعضها ببعض، وليست منعزلة ومتصارعة مع بعضها البعض. ويؤكد ليونس أيضا على بناء جسور في إطار ديناميكي داخلي بين الأحزاب. والأهم من كل ذلك تحول السلطة تدريجيا من العسكر إلى المجتمع المدني.

إذن التأكيد على الأجندة المشتركة، وأقول مرة أخرى الأجندة المشتركة، شرط أساسي لبناء عراق ديمقراطي. والديمقراطية الناجعة شكل من اشكال حل الأزمات سلميا مثل حالة البوسنة. وفي حالة الحرب الأهلية أو ما تشبه الحرب الأهلية، فإنها تقضي على الديمقراطية مثل حالة لبنان في سنين الحرب الأهلية، ولا زالت لبنان تئن من الجراح والتفرقة والتشرزم رغم انتهاء تلك الحرب الأهلية التي دامت بين أعوام 1975-1990. ممارسة الديمقراطية في المجتمع المدني توحد الشعب، لكن لايمكن أن تكون هناك ديمقراطية يتيمة في حالة العراق اليوم، لفقدان السلم وسلطة القانون.
الديمقراطية والسلم توأمان لاينفصلان في دولة القانون. والديمقراطية والسلم يسيران بخطين متلازمين لمحاربة الفساد المالي والإداري ومحاربة الإرهاب، ولن يتحقق ذلك بمعزل عن وحدة المجتمع الديمقراطي وسلطة القانون.

لا يحتاج المرء إلى تعليقات كثيرة أكثر من أن يقول أن العراق ليس دولة قانون، وبالتالي لا ديمقراطية بدون سلطة قانونية تعطي الحكم للشعب، ولايمكن أن تعيش الديمقراطية بدون سلام، ولن تكون هناك فيدرالية بمعزل عن الديمقراطية والسلم في دولة القانون.

ما العمل بعد أن فشلت القوى الشيعية كما فشلت القوى السنية في حكم العراق
تحت مظلة الديمقراطية الكاريكاتيرية العراقية، فشلت قوى الأغلبية الشيعية والكردية في حكم العراق بعد سقوط نظام البعثصدامي الاستبدادي. وقد ذكرنا أسباب الفشل أعلاه. ولا حاجة أن نكررها. فالديمقراطية ليست شكلية وصورية ووضع ورقة التصويت في صندوق الانتخابات ليرجع الناخب عبدا كما قال منظر الديمقراطية المفكر الفرنسي جان جاك روسو.
الديمقراطية الحقيقية شيء عقلاني في النهاية كما قال غاندي، وهي تربية وممارسة واحترام للعقائد وعلاقة الله بالإنسان، واحترام للذات الانسانية بالتعبير عن الرأي بحرية مفعمة بالوعي والمسؤولية، وبشكل يتلاءم مع المجتمع، بعيدا عن العنف، وفي إطار القانون الذي يحمي المواطن الذي يعتبر نفسه جزءا أساسيا في اللعبة الديمقراطية، له حقوق مقابل واجبات، كعضو كامل النمو في المجتمع، وليس عضوا من الدرجة الثانية أو الثالثة لكل مَن هو خارج توجه ديني سياسي معين كما كانت الحال في حكم البعثصدامي السني، وكما هو الحال في حكم الميليشيات الصدرية والحكيمية الشيعية اليوم.
فشل الكل في حكم العراق. وسيفشل الذين يأتون من بعدهم من أحزاب سنية وشيعية داخل وخارج البرلمان العراقي بكل توجهاتها الكاريكاتيرية الإسلاموية والعلمانوية، من أياد العلاوي الذي جرب الحظ مرة ففشل، إلى الذين يلتفون حوله اليوم من سنة وشيعة وكرد إذا لم يتعلموا من تجاربهم الفاشلة، ومن التجارب الفاشلة لتاريخ العراق السياسي الدموي في عمر العراق القومي الحديث الذي تأسس عام 1921. وحينذاك لن يجد المجتمع الدولي بديلا للأستقرار في العراق والمنطقة إلاّ بتقسيم العراق إلى أجزاء وأقسام. وحينذاك يعُظُ الظالم على يده، لأنه ظلم العراق كما ظلم نفسه. وهنا أعني القادة العرب والكرد على السواء. فالظلم لايعرف العرق والدين، حين تكون المتاجرة بأسمهما.

لا أدخل التفاصيل في هذا الموضوع أكثر مما تقدم، لنتجنب التكرار، ولكن أريد أن أوضحها بطريقة أخرى من منطلق آراء بعض الخبراء السويديين في محاضرات قَيمة بوزارة الخارجية السويدية حضرها الدكتور خالد يونس خالد باحثا أكاديميا ضمن وفد للباحثين السويديين. فإلى تلك الآراء أدناه.

محاضرات بوزارة الخارجية السويدية
حضر الدكتور خالد يونس خالد مع بعض الباحثين الأكاديميين من جامعة أوبسالا محاضرات خاصة بوزارة الخارجية السويدية بتاريخ 19 نوفمبر عام 2005. وهناك ألقى عدد كبير من الخبراء السويديين محاضرات قيمة نشير إلى مقتطفات منها.
ألقى السفير السويدي (بير سالاند) المسؤول عن قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالوزارة محاضرة قيمة عن الديمقراطية. تساءل بوضوح: هل تتحقق الديمقراطية من الداخل أو من الخارج؟ وأجاب تساؤله، يجب أن توجد أرضية شعبية لقبول الديمقراطية. لايمكن للديمقراطية أن تحظى بثقة الشعب إذا تُفرض هذه الديمقراطية على الشعب من الأعلى بالقوة. وقال أيضا، من غير الممكن تحقيق الديمقراطية في دولة يحكمها أكثر من نظام، وكان يعني ذلك، نظام في نظام، أو بعبارة أدق في ترجمتنا من اللغة السويدية، وجود جماعات ضغط مسلحة تقف ضد العملية الديمقراطية.

وفي محاضرة ثانية بوزارة الخارجية السويدية، ألقى محاضر آخر هو (بيير نورستروم)المسؤول عن ملف أمريكا اللاتينية بالوزارة، حضرها الدكتور خالد، قال: إن من أكبر عوائق تطور الديمقراطية هي الفساد المالي. فالفساد المالي يقضي على الثقة لدى المواطنين بالنظام وبالذين يحكمون البلد. لابد من وجود ثقة بين الحكام والمحكومين.

وفي محاضرة أخرى حضرها الدكتور خالد، ألقى (بو هدبري) رئيس قسم القانون الدولي وحقوق الإنسان بزوارة الخارجية السويدية، قال: “يجب احترام حقوق الإنسان في كل بلد يدعي بالديمقراطية. لا ديمقراطية بدون احترام حقوق الإنسان في المحك العملي وليس على الورق فقط. فحقوق الإنسان والنظرة إلى هذه الحقوق يجب أن تشمل جميع نواحي الحياة في المجتمع”. (والنقطة الأهم من كل ما تقدم، وهذا ينطبق على حالة العراق) قال المحاضر (هدبري) أن احترام حقوق الإنسان يجب أن يشمل أيضا الاعتبار الخاص للثقافات الأثنية والدينية المتباينة في المجتمع. وأكد على المساواة في التعامل كميا ونوعيا.

وفي محاضرة رابعة للخبيرة (ألريكا ساندبري) بعنوان “الديمقراطية والتطور العالمي” في الوزارة المذكورة، قالت “يمكن للمجتمع الدولي مساعدة العملية الديمقراطية في بلد ما إذا توفرت شروط معينة لنجاح الديمقراطية، وذلك من ناحيتين أساسيتين: الناحية الأولى : حقوق الإنسان، والناحية الثانية: الفقر، بمعنى الدعم والمساندة لإيجاد وسائل للعمل من أجل التطور. وأشارت السيدة (ساندبري) إلى نقطة مهمة جدا وهي أن الديمقراطية وحقوق الإنسان والتطور متلازمة على مستوى عالمي وليس مجرد محلي. وقالت: لاتوجد نظرة عالمية واحدة للديمقراطية في العالم، ولكن لاتوجد ديمقراطية بدون احترام حقوق الإنسان بكل توجهاتها الإنسانية.
وأخيرا، وفي الوقت المخصص للحوار طرح الدكتور خالد سؤالا عن كيفية التعامل مع الإرهاب؟ فأجاب المحاضر السويدي بوزارة الخارجية: لابد من وجود وسائل وأدوات ديمقراطية لمكافحة الإرهاب، ومن هذه الوسائل احترام حقوق الإنسان، حتى يشعر المواطن بمسؤوليته. وحينذاك لايجد الإرهابي أرضية يتحرك عليها. كما ينبغي العمل من أجل تبلور الوعي الجماهيري لتقبل الوضع الديمقراطي، والمشاركة في صنع القرار السياسي من خلال السلطة ومؤسسات المجتمع المدني.

الديمقراطية العراقية إلى أين؟
ماذكرنا أعلاه يقودنا إلى تصريحات (رامسفيلد) وزير الدفاع الأمريكي السابق: أمريكا تقاتل على جبهتين في العراق، جبهة الإرهاب، وجبهة الفساد المالي والإداري. والجبهة الأخطر هي جبهة الفساد المالي والإداري. أما (ستيوارت بوين) المفتش العام الأمريكي لإعادة إعمار العراق فذكر أن الفساد المالي تأتي في المرتبة الأولى من الخطورة قبل الإرهاب على العراق.

الرئيسان جلال الطالباني ومسعود البارزاني والسيد نوري المالكي يصرحون مرة تلو أخرى بإدخال البعثيين غير الصداميين في المعادلة السياسية العراقية في إطار المصالحة العراقية، في حين يهملون القوى العراقية الوطنية كالكرد الفيلية والأقليات الدينية والعرقية الكردستانية والعراقية والقوى اليسارية الكردية والعربية المعزولة عن المعادلة العراقية الديمقراطية، ضمن برنامج المصالحة الوطنية. ولكن لابد من الإشارة إلى أن المصالحة الوطنية لاتعني مصافحة الإيدي وتبادل القبلات، إنما ضرورة مشاركة القوى الوطنية الديمقراطية العراقية في صنع القرار السياسي، وإيجاد جبهة شعبية لمقاومة القوى المضادة للديمقراطية من الإرهاب والبعثصداميين إذا أردنا بناء الوطن الديمقراطي الموحد وتحقيق السلام والأمن والاستقرار للجميع.

اللعبة الأمريكية
اللعبة في النهاية هي أمريكية في الأصل، والقرار النهائي للولايات المتحدة الأمريكية، في العراق المحتل. فلا سيادة للشعب العراقي في الديمقراطية. الشعب يلوم القيادات العراقية والكردستانية؟ والقيادات لاتلوم أمريكا، طالما تسمح لها أن تأخذ من أموال الشعب بالمليارات. المصلحة مشتركة، والشعب يئن من الجراح، وكأنه يبحث عن الظمأ على سواحل دجلة والفرات وشط العرب. وباباكركر تحترق، وقوافل اللاجئين تطول في الداخل والخارج هربا من المستقبل، وكأن الناس خسروا الحاضر أيضا بعد أن ظُلِموا وعذِبوا في الماضي.

وعدَت أمريكا بقبول خمسة عشر ألف لاجىء عراقي. و يوجد في سوريا اليوم أكثر من نصف مليون عراقي، لاجئون فقراء عاطلون عن العمل. ومؤخرا وبأسم دعاية أمريكا بقبول اللاجئين، بدأ العراقيون ينسون أحزانهم، ومنهم الكرد أيضا من اقليم كردستان الديمقراطي، يسجلون أسماءهم، فبلغ المسجلون إلى مايقارب مئة ألف عائلة عراقية (حوالي نصف مليون فرد إضافة إلى الموجودين أصلا في سوريا اليوم، والمجموع حوالي مليون عراقي) للسفر إلى الخارج. وأمريكا قد لا تأخذ سوى خمسة عشر ألفا، ولكن سوريا تريد منهم أن يقولوا أنهم جميعهم يعيشون على الأرض السورية، لتستلم المساعدات من الدول الأخرى.

الشعب العراقي واعي والعراقيون ليسوا أغبياء
أريد أن أتجنب الخطاب السياسي، بل ألح أن أتجنب هذا الخطاب في محاضرة للسويديين وبعض الأخوة الكرد الحاضرين هنا من جميع أجزاء كردستان. وأريد أن أستمع إليكم فيما تبدونه من آراء حول الديمقراطية، لأتعلم منكم كيف يمكن أن نفهم الاختلاف لحل الخلاف، حيث الآراء المختلفة في هذه القاعة. أقول بصراحة أن أصْل فهم اشكالية الديمقراطية في العراق تكمن في إساءة ممارسة الديمقراطية بمعزل عن السلام. يجب أن نعالج الأسباب بدلا من معالجتنا للنتائج، لأن بقاء الأسباب ستنتج عنها نتائج تكون أخطر من سابقاتها، وهذه الحال نعايشها في حالة العراق اليوم من إرهاب ودمار. أما طرح خطط أمنية فهي ليست أكثر من صب الزيت على النار من قبل الميليشيات العسكرية في السلطة وخارج السلطة. الإشكالية هي سياسية، في حين أن المشكلة الأمنية نتيجة للإشكالية السياسية، وعليه لايمكن حل الإشكالية بمعالجة النتيجة دون السبب؟
العراقيون ليسوا أغبياء ليستوعبوا معادلات طائفية وقومجية في ظلال خطط ديماجوجية. والعراقيون لن يجدوا أبدا حلا لهذه المعادلات في غياب الديمقراطية بأسم الديمقراطية، وفي غياب كامل وكلي لمؤسسات المجتمع المدني التي هي الشرط المهم والأساسي للحياة الديمقراطية. قد تقولون بوجود منظمات المجتمع المدني في داخل العراق وخارجه. منظمات مهنية بأسم الطلبة العراقيين وبأسم الكتاب العراقيين وبأسم المعلمين العراقيين، وبأسم النساء العراقيات وبأسم وبأسم وبأسم، وما أكثر الأسماء. أقول لكم بصراحة، لا أتفق معكم بوجود مؤسسات المجتمع المدني في الداخل والخارج. وقد تعارضون هذا القول وتعتبرونه من باب المعارضة. فأقول لكم أنا لست متحزبا سياسيا، إنما مواطن مستقل، لذلك فإنني لا أستطيع أن أخدع نفسي، كما قال غاليلو بكروية الأرض، فعارضوه وقتلوه. الحقيقة ستبقى هي الحقيقة. لاتوجد اليوم مؤسسة عراقية واحدة للمجتمع المدني، لا داخل العراق ولا خارج العراق، لا داخل أقليم كردستان ولا خارج أقليم كردستان إلاّ وهي مؤسسات بأسم المجتمع المدني، لكنها خاضعة لحزب سياسي يساري أو يميني أو ديني أو قومي.
الشعب العراقي شعب واعي، وهذا الوعي يجعله لا يقبل إلاّ بالحرية الحقيقية، لا بالأوهام ولا بالمراوغة. وهذا هو أحد الأسباب الحقيقية للعنف في العراق. العراقيون لا يكذبون على أنفسهم ولا على الناس، ولكنهم، حين ينفردون في مؤتمرات نفسية مع ذواتهم يشعرون بالاحباط. وهذا الاحباط سبب آخر من أسباب العنف في العراق. وسبب مهم لرفضهم الأنظمة الدكتاتورية منذ تأسيس العراق وإلى اليوم.
الشعب الذي لايقهر، شعب عاطل عن العمل بأغلبيته، والحكام لايجدون للعاطلين عملا يسدون به رمق أطفالهم، لأن هذا الشعب يرفض الخطط البديلة بأسم الدستور وبأسم الديمقراطية، حيث القتل والإرهاب والتشرد والهجرة.
الهجرة الجماعية بمئات الآلات، بل ربما بالملايين. إنها مأساة حقيقية، خوف من الخوف، وشك في الشك، وعجز عن الفهم في صحراء التقاليد الميتة. شعب حي لايموت، بل يُضطَهد كل يوم بأسم الدين والإيديولوجية. وهذا هو السبب المشجع لأمريكا أن تبحث عن مصالحها في العراق باعتبار أن العراق بشعبه وفسيفسائه يكون العمود الفقري للاستقرار أو الاضطراب في الشرق الأوسط، والأساس الإستراتيجي في سياسة الأمن القومي العربي، والإسلامي والشرق أوسطي. بعض العراقيين يخدعون أنفسهم بالشعارات الطائفية والمذهبية والإيديولوجيات، والمساومات اليمينية واليسارية على حساب الشعب، فيضربون بعضهم بعضا لتحقيق إرادة أمريكا وبعض القوى الأقليمية.
هناك مَن يعتقد أن الحل بيد القوى العلمانوية القومية، وهناك مَن يعتقد أن الحل بيد القوى الشيوعية، وهناك مَن يجد الحل عند الإسلامويين، وهناك مَن يقول أن الحل بيد دكتاتور يحكم العراق بالنار. هذه أساطير إيديولوجية تافهة لا تستند إلى الواقع. فجميع هذه القوى جرََّبت حظها في العراق دون أن تجعل من العراق بلدا ديمقراطيا آمنا. الحل بيد الشعب كله، في حكم “سيادة الشعب”. وقد شرحنا بالتفصيل معنى “سيادة الشعب”.

لنا مثال ناجح في حكيم العرب الشيخ الراحل زايد بن سلطان رحمه الله وطيب ثراه
لنا مثال ناجح في الإمارات العربية المتحدة. فجميع قادة العراق عربا وكردا وأقليات هم في مستوى أقل من الذكاء والدهاء وحب الشعب من أجل الشعب من حكيم العرب المعاصر، الراحل الإماراتي الشيخ زايد بن سلطان الذي جعل من الإمارات ذو نخلة واحدة في أرضها إلى بلد يتوق السائح أن يزوره، بلد الخمسة ملايين نخلة، بلد الرفاه والاستقرار والسلام وأكثر بلدان العالم أمانا للمواطن والسائح. دخل الفرد السنوي فيه ما يقارب الأربعين مليون دولار طبقا للإحصائيات. إنها الحكمة والسلم الأهلي وإتفاق الشعب على قبول القيادة، وقناعة الشعب بالسياسة الحكيمة التي تمارسها القيادة. عرف الراحل زايد بن سلطان الذي لُقِبَ بأب الشعب، كيف يبني وطنه بالتكاتف مع شعبه، بعيدا عن المساومات اليسارية واليمينية والأحزاب التي يتشدق بها العراقيون. بينما العراق الغني بالنفط، العراق الذي يحتفظ بأكبر إحتياطي النفط في العالم، هو عراق الحرب والاستبداد، يموت المواطن فيه عربا وكردا وأقليات من الجوع، ويهرب منه إلى الخارج من خوفه من المستقبل. شعب مهاجر فقير، والقادة عربا وكردا يعيشون في قصور المرمر بين أكياس الدولارات.

الباب مفتوح للمناقشة. هنا نختار بعض الأسئلة للإطلاع فقط.
السؤال الأول من مواطن سويدي من حزب اليسار.
أين دور مؤسسات المجتمع المدني العراقي؟
الجواب: لاتوجد مؤسسات المجتمع المدني بالشكل الذي يمَكِنها القيام بدور فعال في المجتمع. نعم توجد مؤسسات بالأسم، ولكنها خاضعة لإرادة الأحزاب السياسية.
مداخلة من زميل مرشح للبرلمان السويدي قال: لاتستطيع أي مؤسسة مدنية العمل بدون مساعدات مالية، ولا يمكن الحصول على هذه المساعدات إذا لم تكن خاضعة لحزب سياسي.
أكد السائل السويدي أنه لايمكن نجاح الديمقراطية في أي مجتمع بدون مؤسسات المجتمع المدني. وشدد على ضرورة إيجاد مثل هذه المؤسسات وتقويتها لتقوم بدورها في اللعبة الديمقراطية بعيدا عن العنف والتحزب.

سؤال: كيف يمكن تحقيق الديمقراطية من فوق، في العراق المحتل؟
الديمقراطية تأتي من القاعدة، وهي تربية وممارسة، ولايمكن أن تُفرَض من فوق. في حالة العراق، لايمكن للشعب أن يمارس سيادته لأن الحاكم الأول هو أمريكا. فئة تحكم بأسم الأغلبية، والمعارضة الديمقراطية محرومة من صنع القرار السياسي.

سؤال: الإرهاب، كيف نواجهه؟
الحدود مفتوحة، وقد أصبح العراق مركزا لتصفية الحسابات بين الدول المجاورة وأمريكا. وهناك تدخل دولي وتدخل أقليمي في العراق. إيران وسوريا عاملان من عوامل الاضطراب إلى جانب دور الولايات المتحدة. هناك عدم إتفاق بين العراقيين انفسهم؟ هناك تفرقة وتشرزم وخوف من الآخر. ميليشيات عسكرية لها دور كبير في السلطة، وميليشيات إرهابية تعود لنظام البعثصدامي، وميليشيات أجنبية بأسماء دينية وقومية مختلفة. .

سؤال: ماذا عن الديمقراطية؟
لاتوجد أرضية خصبة للديمقراطية في العراق بسبب خوف بعض الفصائل والعشائر والمذاهب من فقدان السلطة القبلية. وهناك أيضا رفض ديني من أن الليبرالية تؤثر على الدين. انعدام حقوق المواطنة من الناحية العملية، وبالتالي انعدام الشعور بالمسؤولية للقيام بالواجبات. المشكلة أيضا أن الكثير من الناس لا يفهمون الديمقراطية والليبرالية بمعنى التحرر وقبول الآخر، واحترام الأديان والآراء والتعبير عن ممارسة الإرادة الحرة في إطار القانون. وهناك سوء فهم للخلط بين الليبرالية السياسية والأقتصاد بالمفهوم الإيديولوجي لبعض التوجهات السياسية اليسارية. السلطة الحقيقية بيد طائفة أو توجه وحيد الجانب. العراق ليس دولة القانون، والعراق يفتقد للسلم والاستقرار. تفشي الفساد المالي والإداري، إضافة إلى البطالة المتفشية بين الشباب إلى درجة كبيرة جدا. هذا إضافة إلى انعدام مؤسسات المجتمع المدني لكسب الشباب وتدريبهم وتوعيتهم وجعلهم يمارسون نشاطات اجتماعية ومهنية ورياضية وفكرية مفيدة لصالح المجتمع، للشعور بأن المواطن عضو فعال في المجتمع.

وردت اسئلة كثيرة عن أهمية مؤسسات المجتمع المدني. وأكد مواطن سويدي يساري متحمس أكثر من مرة، في القاعة، وفي حوار خارج القاعة مع المحاضر وبعض الزملاء بضرورة العمل على بناء مؤسسات المجتمع المدني بشكل مستقل بعيدا عن الأحزاب السياسية. وتحدث عن أهمية ما يمكن لهذه المؤسسات عمله لإيجاد أرضية صلبة للديمقراطية وفهم الديمقراطية وممارسة الديمقراطية مع الوقت. وأكد على نقطة جوهرية وهي أنه لايمكن ألقول بالديمقراطية بدون مؤسسات المجتمع المدني. ولايمكن لحزب أن يدعي أنه ديمقراطي بدون تشجيع ودعم مؤسسات المجتمع المدني بشكل مستقل عن توجهات الحزب، طالما ان النشاطات في خدمة المجتمع الديمقراطي.

ملاحظة: ما جذب انتباه المحاضر خالد يونس خالد أن سيدة سويدية كانت تسجل على الورق كل كلمة يتفوه بها المحاضر والمحاورون. وكانت متحمسة وجدية. وبعد ذلك علم المحاضر أنها متزوجة من شاب كردي.
25 أيار/ مايو 2007
• الكاتب باحث ومدير مركز الدراسات بالسويد