الرئيسية » مقالات » في الذكرى الثانية لاستشهاد الخزنوي : لا تقتلوا الشيخ مرتين

في الذكرى الثانية لاستشهاد الخزنوي : لا تقتلوا الشيخ مرتين

غني عن القول والتأكيد أنه ومنذ اللحظات الأولى من اختطاف الشيخ الشهيد معشوق الخزنوي ومن ثم اغتياله منذ عامين بتلك الصورة البشعة على حصول ما يشبه اجماع وطني سوري عام وقومي كردي بصورة خاصة بالاضافة الى اشارات من منظمات عالمية مثل – الأمنستي انترناسيونال – حول مسؤولية سلطة الاستبداد الكاملة في تلك الجريمة النكراء وفي اطار حربها على المعارضة الديموقراطية في الداخل والخارج وعلى من لا يسير في ركابها بكل السبل بما فيها الاغتيالات التي تسجل عادة على – فاعل مجهول – كما يحصل باستمرار من جانب نظام بلادنا المستبد صاحب السجل الحافل بالشواهد منذ عقود , ومن المفيد هنا أن نلحظ أن ذلك التلاقي بين الوطني والقومي والى حد العالمي في قضية الشيخ الخزنوي لم يظهر من فراغ ولم يقتصر على الجانب الانساني والعاطفي فحسب بل انطلق من مفهوم سياسي يرتبط براهنية الوضع الكردي ومعطيات المرحلة الراهنة التي تجتازها سورية وتتلخص في احتدام المعركة الفاصلة بين النظام من جهة وتعبيرات الارادة الشعبية الوطنية السياسية منها والثقافية وفي مقدمتها مجموعات المعارضة الديموقراطية من الجهة الأخرى وأمام تلك الحقيقة الموضوعية الماثلة يخطىء من حاول أو يحاول طرح قضية الشيخ الشهيد خارج هذا الاطار القومي – الوطني المتكامل والشامل والشديد الوضوح .
فالجانب القومي من قضية الشيخ يتمثل في ظهوره المبكر وهو مازال في ريعان الشباب في دائرتين متداخلتين – عائلي خاص وكردي عام – كرجل دين متنور ومثقف متمكن واسع الاطلاع على تاريخ شعبه ومعاناته وشرعية نضاله , فقد ميز نفسه داخل مشيخة آل الخزنوي كممثل للتيار الأكثر قربا من الحركة القومية الكردية والمنحاز الى قضايا الكرد وحقوقهم ونضالهم في مواجهة التيار الآخر القريب من أجهزة السلطة التي باشرت في اختراق الكيانات الدينية والعشائرية الكردية منذ عهود – المكتب الثاني – وخصوصا في السنوات التي ترأس فيها الجهاز في منطقة الجزيرة العقيد – حكمت مينة – انتهاء باالملازم – اللواء محمد منصورة – مدير الأمن العسكري في الجزيرة ومن ثم مسؤول الملف الكردي وذلك كجزء من مخطط التعريب وخنق الحركة الكردية , ذلك التيار القومي المتنور الذي كان قائما داخل أسرة الخزنوي وفي المحيط الأوسع من المريدين منذ نشأة المشيخة في قرية – تل معروف – التابعة لمنطقة القامشلي ولكنه لم يزدهر ولم يتبلور بالكامل الا في عهد الشيخ الشهيد وكشهادة للتاريخ أقول بأننا وبحكم مسؤوليتنا التنظيمية في خليتنا الأولى بقرية – جمعاية – التي قادها الراحل – سيد ملا رمضان برزنجي – منذ بدايات ظهور البارتي الديموقراطي الكردستاني عن مناطق – سنجق – وحتى حدود – الرد – وشورا عمري – بما فيها – تل معروف – التي كنا نتردد اليها بين الحين والآخرلنضع اللبنات الأولى للتنظيم الحزبي ونجري الاتصالات مع عدد من شباب أسرة الخزنوي المتحمسين لقضايا شعبهم بتكتم بالغ خوفا من انكشاف أمرهم والذين كانوا يشكلون غطاء وحماية لنشاطنا وتنظيمنا هناك ومن بين أهم هؤلاء الشباب واحد مازال يسير في الخط ذاته ومن أقرب الناس الى الشيخ الشهيد ويعيش في الوطن حتى الآن , انه لأمر مفهوم أن تتواجد في كل قبيلة وعائلة ومشيخة وعشيرة وقرية ومدينة طبقات وفئات وتوجهات وتيارات واسعة تتناقض وتتصارع فيما بينها كقاعدة موضوعية أزلية في مختلف المجتمعات الانسانية ومن ضمنها المجتمع الكردي وبما يتعلق الأمر با المشيخات الدينية الكردية وتحديدا مشيخة آل الخزنوي فهناك أكثر من سبب واقعي ومصلحي ليكون التيار الغالب فيها منحازا الى الحركة الكردية الناهضة ومنها كون الأغلبية الساحقة من المريدين في سورية وتركيا من أبناء وبنات القومية الكردية وكذلك الانتماء الى الطريقة النقشبندية المعروفة بدورها التاريخي البناء في الحركة القومية التحررية الكردستانية التي أنجبت قادة عظام لثورات الكرد وانتفاضاتهم عبر التاريخ من شيوخ – نهري – وبارزان – و- بالو – وغيرهم والذين ضحوا بالغالي والرخيص من أجل حرية الشعب ورد المعتدين ورفض الظلم والاضطهاد في اطار المجرى العام لحركة التحرر القومي التي تستوعب عادة وبحكم دورها ووظيفتها وقوانينها كل الطبقات والفئات والأطياف والتيارات التي تقف الى جانب قضايا الشعب الكردي وليس من حق أي طرف أو جهة حجب وطنية الآخر القومي والديني والثقافي أو ادعاء الوصاية وتوزيع شهادات حسن السلوك , نحن في الحركة التحررية القومية الكردية شئنا أم أبينا وبغض النظر عن رفضنا أو قبولنا بذلك جزء من نسيج العالم الثالث عالم حركات التحرر الوطني التي كانت رافعتها الأساسية الزعامات التقليدية والقادة الروحيين ومتنورو البورجوازية الوطنية الى جانب الفلاحين والعمال الزراعيين ونواة الطبقة العاملة وفيما يتعلق الأمر بدور رجال الدين الوطنيين وخاصة من فئتي الملالي والفقهاء في المجتمع الكردي وفي حركتنا بالذات فقد كان ايجابيا على الأغلب وكان لهم الموقع المؤثر في جيل الرواد الأوائل حيث كانوا يتصدرون صفوف متعلمي ومتنوري ومثقفي الحركة الكردية لردح من الزمن , أما مثالنا المشخص الشيخ الشهيد فانه ظهر كما أسلفنا في ظروف اسلامية وعربية اقليمية ومحلية شهدت تطورات وتبدلات في المواقع والأدوار حيث تغلغلت الأصولية الدينية في مختلف الأوساط الشعبية ونما بصورة ملحوظة حجم الاسلام السياسي لدى أبناء القوميات السائدة في معظم البلدان التي يتوزع فيها الكرد والذي وقف موضوعيا يأكثريته في خندق الأنظمة الشوفينية والاستبداد وأداة ارهابية وحجر عثرة أمام التغيير الديموقراطي وحق تقرير مصير الشعب الكردي وحقوق المرأة مما دفع الشهيد الى الوقوف ثقافيا ودعاويا أمام موجة الاسلام السياسي وفند توجهاته وعقيدته الشوفينية تجاه حقوق الكرد وفي خضم نشاطه لم يطرح شيخنا البديل كتنظيم اسلامي سياسي كردي معتبرا أن الاسلام الحقيقي يتناقض مع الشوفينية والعنصرية وأن المجتمع الكردي له خصوصياته وميزاته وأن الكرد لن يتخلوا عن طموحهم المشروع في نشدان الحرية رافضا استغلالهم باسم الدين أو حرمانهم من الحقوق القومية باسم الوحدة الاسلامية وكان على الدوام على مسافة قريبة وودية من الحركة السياسية الكردية يعتبرها من المدافعين عن الطموحات القومية ويتفاعل معها بود وصداقة وشفافية له آراءه المستقلة وتقييمه الخاص لتياراتها وقد جاهر في العديد من المناسبات عن رفضه لتسييس الدين أوأسلمة السياسة وهذا ما يدفعنا الى المزيد من تقدير واحترام فكره ومواقفه في الجانب القومي واستهجان ما يرمي اليه البعض في الاساءة الى سيرته تحت عناوين لا تستند الى الحقيقة والواقع وبعيدة كل البعد عن طبيعة ومضمون الصراع الفكري والسياسي الرئيسي الدائر داخل الحركة القومية التحررية الكردية حول الحقوق والموقع والدور والمصير وبشأن المعارضة والموالاة أو بينها من جهة والشوفينية العنصرية الأصولية من الجهة الأخرى .
أما في الجانب الوطني فقد كان سلوك الشيخ امتدادا لنهجه القومي الحاسم في مواجهة الشوفينية والاستبداد ولم يلاحظ انخراطه أو تورطه لا طوعا ولا كراهية في مشاريع السلطة كما فعل غيره على الصعيدين القومي والوطني بل كان أقرب الى المعارضة الديموقراطية ومحسوبا عليها ومتهما بها من جانب أجهزة النظام كما أن اسلاميته لم تمنعه في يوم من الأيام من الانفتاح على أتباع الديانة المسيحية وزيارة كنائسهم والاجتماع بممثليهم الروحيين في المناسبات المختلفة مدشنا بذلك نهجه ورؤيته للوحدة الوطنية والحوار بين مكونات المجتمع السوري كمؤمن متنور منفتح على الآخر سائرا حسب القول المأثور : الدين لله والوطن للجميع .
هذه كانت مواصفات الشيخ الشهيد : رجل دين متنور مثقف قومي ديموقراطي ينطلق من وجود شعب كردي يشكل القومية الثانية يستحق أن يقرر مصيره يرفض مشاريع السلطة ولا ينجر اليها يصادق الحركة الكردية ولا يدعو الى اقامة أحزاب كردية اسلامية بزعامته رغم شعبيته الواسعة التي كانت تفوق بأضعاف على العديد من متزعمي المجموعات الحزبية الذين كانوا يتزاحمون في التقاط الصور الى جانبه أو من خلفه في المناسبات ثم يبدو أن بعضهم قلب له ظهر المجن بعد غيابه وكان الشهيد يحذر من انحراف البعض باتجاه مهادنة وخدمة الاستبداد ويرفض الدكتاتورية بطريقته ويؤيد التغيير , واذا كانت مواصفاته أدت الى قتله مرة من جانب النظام الحاكم فلا أعتقد بأن الشعب الكردي بكل تعبيراته الثقافية والسياسية الجادة والوطنييون السورييون سيتسامحون بقتله مرة أخرى من جانب مخالفي نهجه ومناقضي مواصفاته وفي المقدمة أجهزة نظام الاستبداد ورغم مسعى البعض لتشويه صورته وتزوير الوقائع وخلط الأوراق بهدف تبرئة السلطة من جريمتها على ما يظهر سيبقى الشيخ الشهيد معشوق الخزنوي رمزا للتنور الديني والأصالة القومية والثقافة الديموقراطية الواسعة والتسامح والحوار وأن قمة الوفاء لذكرى الرجل تكمن في مواصلة العمل من أجل تشكيل محكمة ذات طابع دولي للتحقيق في ظروف اغتياله كجريمة سياسية عنصرية مماثلة لسابقاتها في حالات الشهداء في الحركة التحررية الكردستانية ومن ضمنها ساحتنا مثل : – موسى عنتر – وقاسملو – وشرف كندي – ومحمد حسن – وضحايا كل من سينما شهرزاد في – عامودا – والسجن المركزي – بالحسكة – وكوكبة من مئات المناضلين في كردستان العراق , ومحاكمة الفاعلين من المقررين والمشاركين والمنفذين حتى لانقول المضللين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *