الرئيسية » مقالات » ماذا وراء عودة مقتدى الصدر إلى العراق؟

ماذا وراء عودة مقتدى الصدر إلى العراق؟

يتساءل الكثير من الناس عن أسباب بروز ظاهرة مقتدى الصدر, وكأنهم لم يتعرفوا عن الأسباب التي ساهمت قبل ذاك في بروز ظواهر مماثلة لها في المجتمع العراقي على امتداد تاريخه الطويل, سواء أكان ذلك في تاريخه القديم أم في تاريخ الدول الإسلامية في العراق أم في العراق الحديث والمعاصر, وسواء أقترن اسم هذا الشخص أم ذاك باسم أسرة سلالية أم عشيرة أم حزب أم دين أم جماعة مذهبية. ورغم التفاوت في الزمان, فأن السلوكية التي تميز بها هؤلاء كانت على العموم واحدة, ويبدو أنها لم ولن تتغير, مع فارق محتمل بين أصحاب هذه الظاهرة المتماثلة يرتبط ببعض السمات الخاصة التي تميز هذا المستبد بأمره أو ذاك واتجاه مزاجيته وقسوته, والتي تتجلى في تصرفاته اليومية والقضايا التي حاول أو يحاول التستر خلفها ليحقق ذات الأهداف التي سعى من ماثله قبل ذاك على تحقيقها خلال المسيرة الطويلة للعراق التي تتجاوز خمسة ألاف سنة, وأعني بها طبيعة الهيمنة على الحكم وفرض الاستبداد بأي اسم كان وتحت أي واجهة كانت.
استخدم جميع من حكم العراق أو أغتصب السلطة وحكمه أو من حاول الوصول إلى السلطة القوة والعنف وتميز بإصابته بعدد من العلل النفسية والعصبية التي تكفي واحدة منها للإساءة الشديدة للمجتمع وتمريغ كرامته بالتراب, أي أن جميع هؤلاء الحكام, والاستثناءات محدودة جداً, قد تميزا بعلل النرجسية المرضية والسادية وجنون العظمة والشيزفرينة والشكوكية المغالية بالآخر, وأحياناً اتسموا بالشعبوية, التي قادت وتقود أصحابها في المحصلة النهائية إلى طريق ونهاية لا تحمد عقباهما.
للتو خرج العراق من مصيبة أو مصائب وكوارث عظمى ألمت بالشعب كله طيلة 40 عاماً, وللتو بدأت محاولته لتنفس الصعداء والحركة الحرة غير المقيدة بصرامة, ولكنه للتو أيضاً اصطدم بمن بدأ بتقييد حريته ومنعه من كل ما يعتبر بحكم من يماثل هذه الظاهرة حراماً. لقد برزت الظاهرة الخطرة من جديد وفي أكثر من واحد يتنافسون على السلطة, ولكن بشكل خاص لدى واحد منهم يمكن, أن تسنى له الحكم, أن يقود الشعب إلى مصيبة بل مصائب أعظم, أدهى وأمر مما عاشه في سابق الأعوام والأيام, ما لم يتداركها المجتمع ويرفض العيش مجدداً ولأعوام طويلة لاحقة تحت وطأتها.
كل الدلائل التي تحت تصرفي تشير بما لا يقبل الشك إلى أن المجتمع العراقي, أفراداً وجماعات, كقاعدة عامة وليس الاستثناء, ضعيف الذاكرة جداً وينسى ألامه وأحزانه بسرعة فائقة لا يحسد عليها بأي حال ومستعد لأن يخدع أكثر من مرة دون أن تظهر عليه علامات الندم والجزع. وهي ظواهر سلبية بطبيعة الحال, رغم ما فيها من جوانب إيجابية أحياناً, ولكن يضعف جانبها الإيجابي إلى حد الاختفاء ويزداد جانبها السلبي جداً بسبب مستوى الأمية الفكرية وضعف الوعي والتخلف الحضاري الذي يعيش فيه المجتمع منذ قرون كثيرة.
كل الحكام الذين أذاقوا الشعب سوء العذاب هم من وسط ومحيط وحضارة هذا الشعب, ولا يختلف عنهم إلا في كونه قد استثمر الفرصة التي أتيحت له ليصل إلى موقع ممارسة السلطة على الشعب وضد الشعب مستفيداً من جهل الشعب الذي هو جهله أيضاً. ولكي يبقى الجاهل حاكماً يرفض رفع الجهل عن الشعب الذي يحكمه, بل يسعى إلى تكريسه بمختلف السبل والوسائل, ومنها التهديد والوعيد والجزرة والعصا في آن. ويمكن أن نتابع هذا لدى من وصل إلى السلطة أم من يسعى إليها بذات السبل التي وصل إليها قبله. وهو ما يسعى إليه مقتدى الصدر أيضاً مستخدماً الدين واسم عائلته الصدرية واستشهاد ثلاثة أعلام منهم هم السيد محمد باقر الصدر والسيدة بنت الهدى والسيد محمد صادق الصدر على يد طاغية ومستبد بأمره, هو صدام حسين.
رحب مقتدى الصدر بسقوط النظام على أيدي القوات الأمريكية, ولكنه لم يرحب بمن جاء إلى العراق حال سقوط النظام الدكتاتوري. وعدم الترحيب هذا قاد إلى موت السيد عبد المجيد بن ابو القاسم الخوئي بصورة دراماتيكية مرعبة اتهم أتباع مقتدى الصدر بها والذين شكلوا فيما بعد مليشيا جيش المهدي. وتوجه الاتهام صوب مقتدى الصدر ذاته باعتباره من أصدر قرار قتل السيد عبد المجيد الخوئي, إذ كان الرجل يريد أن يحل محل الخوئي المغدور لدى القوات الأمريكية في العراق, وكان يتصور أن السيد عبد المجيد الخوئي عميلاً للأمريكان أو منافس له. وحين لم يستطع الحلول مكانه, بدأت المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية وظهر شعار خروج أو جدولة خروج القوات الأجنبية.
لا أحتاج إلى إعادة الشريط السينمائب لما حصل في العراق وفق تصورات ورغبات ونهج مقتدى الصدر ومرجعيته المعروفة في إيران والمدعو آية الله العظمى كاظم الحسيني الحائري, فأغلب العراقيين يعرفون ذلك جيداً ولكن البعض يؤيد ذلك والبعض الآخر ساكت على ذلك, أما الغاضب منهم فغير قادر على عمل أي شيء ضد ذلك أو غير راغب فيه. لقد مات الكثير جداً من البشر في أعقاب سقوط النظام. وتقف وراء القتلة تنظيمات إسلامية سياسية طائفية متطرفة كثيرة وقوى بعثية صدامية, ومن بينها وأكثرها خطراً مماثلاً لخطر القاعدة هو ميليشيات جيش المهدي, المسلحة تسليحاً عالياً والمدربة تدريباً جيداً والمهووسة بالقتل إلى حين ظهور المهدي, فهم جيشه في الأرض وهم الذين يعاقبون الناس, أنهم الخصم والحكم في آن.
ومنذ أشهر وتحت احتمال تصاعد الحملة ضد جماعة التيار الصدري, وبتعبير أدق, ضد مليشيا جيش المهدي, غادر مقتدى الصدر ومعه جمهرة من قادة جيش المهدي العراق إلى إيران, ثم عاد اليوم إلى العراق وعادوا معه. فماذا حصل خلال هذه الفترة؟ ولماذا عاد الآن؟ وماذا في جعبته؟ ومن يقف وراء كل ذلك؟ وهل ينتظر العراق المزيد من الآلام والكوارث إذا ما واصل الصدر نهجه الراهن, كما بدا ذلك في أول خطبة جمعة يلقيها في مسجد الكوفة بتاريخ 25/5/2007؟
يفترض ابتداءً أن أشير إلى أن التيار الصدري ليس كله وحدة واحدة متجانسة ومتفاعلة في ما بينها من حيث الفكر والممارسة والروح الطائفية أو من حيث الرغبة في ممارسة العنف وصولاً إلى الأهداف المحلية والإقليمية. فهذا التيار يضم في ثناياه أجنحة عديدة وذات اتجاهات مختلفة , ولكن الجناح المهيمن والفاعل والمؤثر على قرارات التيار الصدري عموماً هو الجناح الذي يقوده مقتدى الصدر والدراجي وآخرون المؤمن بالعنف ورفض الآخر وأن الغاية لديه تبرر الوسيلة أو الواسطة التي تستخدم لتحقيق الأهداف السياسية. وهذا الجناح هو الذي يقود عملياً ميليشيا جيش المهدي, في حين أن الجناح المعتدل منها ضعيف للعاية وعاجز عن الوقوف بوجه نزق وهوس وعنف التيار الأقوى. ومن هنا يفترض أن نقدر بأن غالبية أعضاء البرلمان وأعضاء مجلس الوزراء الذين انسحبوا من عضويته يأتم رون بأمر مثتدى الصدر وبفتاوى السيد كاظم الحسيني الحائري وأخيراً السيد علي الخامنئي, مرشد الثورة الإسلامية وإمام المسلمين.
إن الإجابة عن الأسئلة التي وردت في أعلاه كانت تستوجب هذا التوضيح لنتبين طبيعة العلاقة التي تربط هذا التيار الشيعي بالتيار الشيعي في إيران, رغم الحديث عن وجود فارق بين شيعة الإمام السادس جعفر الصادق في العراق وبين شيعة إسماعيل الصفوي في إيران.
لقد غادر مقتدى الصدر وقيادته العراق لفترة قصيرة في ضوء اتفاق تم مع قوى الإسلام السياسي الأخرى وإلى حين مرور العاصفة التي توقعها البعض ضد التيار الصدري من جانب القوات الأمريكية والحكومية. ولكن عودته لم يتم تالاتفاق عليها مع أطراف في الحكونة العراقية, وخاصة مع السيد المالكي وجناحه في الحكم. لقد جاءت عودته في ظروف تتميز بظروف ملموسة يمكن تشخيصها فيما يلي:
1. الاعتقاد بفشل خطة أمن بغداد والعراق التي بدأت قبل ستة شهور تقريباً, ورغم أنها لم تنته بعد, إلا أن سلامة مجموعات التيار الصدري وقوى مليشيا جيش المهدي من الضربة الموجعة التي كان البعض يتوقعها, هي التي جعلت من عودته فائدة تتوقعها قيادة التيار ومن نصحه بالعودة إلى العراق.
2. إن تكتيك انسحاب قوى التيار الصدري من الحكومة, أعفى هذا التيار من أي التزام حكومي, وبالتالي, فمن حق التيار ممارسة السياسة التي يرتأيها دون قيود أوشروط, بما في ذلك العمل ضد الحكومة وضد سياستها بحجة الاستقلالية.
3. إن المرحلة القادمة ستكون قاسية على الحكومة العراقية وعلى القوات الأجنبية في العراق, وبالتالي فأن التيار الصدري يريد أن يلعب دوره في خلق تحالف سياسي يطمح بإخراج سريع للقوات الأمريكية من العراق ليخلو الجو له ولقوى إسلامية سياسية أخرى الهيمنة على الشارع والبلاد, ليبدأ الصراع الجديد الذي تدخل فيه كل من إيران وبعض الدول العربية, حيث يعتقد بأن التيار الشيعي سينتصر بحكم دعم إيران لهذا التيار. وهو أمر مشكوك فيه طبعاً وسيكلف الشعب العراقي المزيد من التضحيات.
4. ويبدو أن التيار الصدري سيسعى إلى رفض الإرهاب الذي تمارسه قوى القاعدة وقوى البعث الصداميوسيتحرى عن تحالفات على هذا الطريق بهدف رفع مستوى التفاف الناس حوله وإضعاف قاعدة الحكومة الشعبية والسيطرة على الشارع العراقي وخاصة في العاصمة بغداد.
5. والفترة القادمة ستتميز بتصعيد الصراع بين إيران من جهة, والمجتمع الدولي, وخاصة الدول الصناعية الكبرى, بقيادة الولايات المتحدة من جهة أخرى. وفي مثل هذه الحالة تتطلع إيران إلى دور مهم للتيار الصدري ولكل قوى الإسلام السياسي في العراق لتلعب دورها ضد الولايات المتحدة وتحبط مساعيها لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي. ولكي يكون العراق جسراً لخرق قرارات الحصار الذي يمكن أن يفرض على إيران قريباً في حالة إصرارها على السياسة التي تمارسها في هذا الحقل حالياً.
6. وخلال هذه الفترة والأشهر القادمة سيخوض التيار الصدري صراعات ومعارك عسكرية باتجاهات ثلاثة:
• خوض معارك صغيرة ضد القوات الأمريكية وبقية القوات الأجنبية في العراق بحيث تساهم في إثارة شعب الولايات المتحدة ضد عجز القوات الأجنبية والعراقية على نشر الأمن في البلاد وتحمل خسائر بشرية متزايدة تساهم قوى التيار الصدري زيادتها من جهة, ومحاول إقناع الشعب العراقي بنفس النتيجة من خلال تحميل سكان العراق المزيد من الخسائر البشرية على أيد مختلف قوى الإرهاب, بما فيها قوى التيار الصدري المتطرف؛
• خوض معارك جانبية ضد ميليشيات إسلامية سياسية أخرى في داخل المدن الكبيرة وفي المدن المتوسطة والصغيرة للهيمنة على مجالس البلديات والمحافظات والأقضية وتأمين فرض سياساتها وإجراءاتها على تلك المدن.
• إعاقة تنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي الدائم الخاص بقضية كركوك بالطرق السلمية ودون تعقيدلت إضافية بين القوى السياسية المختلفة, وخاصة مع التحالف الكردستاني. ويمكن أن يقود هذا التوجه إلى إحراج حكومة السيد نوري المالكي ودفعها للاستقالة, مما يتيح فرصة للسيطرة على الحكم من جانب قوى التيار الصدري ومن يتحالف معه من قوى الإسلام السياسي السنية مرحلياً. وهذا الموقف يصب في الوجهة التي تعمل عليها الحكومة التركية منذ فترة غير قصيرة من جهة, وتشدد الضغط على الجطومة العراقية وحكومة إقليم كردستان بشأن حزب العمال الكردستاني في إقليم كردستان تركيا بحجة أنه يعمل ضد القوات التركية من الأراضي العراقية, رغم إصرار حزب العمال الكردستاني على إيقاف العمليات الأنصارية العسكرية ضد القوات التركية والدعوة إلى معالجة المشكلة بالطرق السلمية.
إن التيار الصدري المتطرف يسعى إلى خلق فتنة في العراق لتأجيج الأوضاع بحجة دفع القوات الأجنبية إلى مغادرة العراق ليخلو الجو لإيران لتفعل ما تشاء مع حلفائها في البلاد, تماما كما تمارسه اليوم في البصرة وبقية محافظات الوسط والجنوب تقريباً.
على الحكومة العراقية والشعب العراقي أن يتوقعا تصعيداً كثيفاً ومتواصلاً من جانب الحكومة الإيرانية وبقية القوى الإيرانية للتدخل في الشئون الداخلية العراقية ودعماً لكل القوى الإرهابية المتطرفة بمختلف السبل والوسائل المتوفرة لديها بهدف التضييق أيضاً على القوات الأمريكية والإدارة الأمريكية لإبعادها عن التفكير بتوجيه ضربات عسكرية ضد المواقع النووية الإيرانية أو فرض الحصار السياسي والاقتصادي عليها والذي بدأت عواقبه تظهر على الواقع الإيراني الداخلي. وهذا يعني أن العراق سيعاني من مصاعب جديدة للصراع الإيراني الأمريكي في العراق, وأن التيار الصدري في غالبيته ومليشيا جيش المهدي ستقف إلى جانب إيران وتثير المزيد من الإشكاليات للعراق وللإدارة الأمريكية في العراق وفي الولايات المتخدة ذاتها.
إن المخطط الإيراني الجديد, الذي ينسجم مع السياسة المغامرة للرئيس الإيراني أحمد نجاد, الذي صور الأمر لمقتدى الصدر على أنها الفرصة الذهبية التي يمكن أن يلعبها ليدفع بالأمور بالاتجاه الذي مارسه السيد الخميني في إيران لإسقاط الشاه. وهو أمر, كما يبدو لنا بوضوح, بعيد المنال, ولكن هكذا يبدو المخطط وهذا ما يسعى إليه. ولهذا سيكون الصيف والخريف القادمين شديدي السخونة وكثيري التضحيات, ولكن يمكن أن يكون الفرج الفعلي في الخلاص من الجناح المتطرف في التيار الصدري أيضاً, إذ أن فشله هذه المرة ستكون نهايته الفعلية.
أواخر مايس/ آيار 2007 كاظم حبيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *