الرئيسية » مقالات » سلمان الفارسي وتحريه عن الحقيقة

سلمان الفارسي وتحريه عن الحقيقة

التآخي 

ان في حياة الافراد كما في حياة الجماعات فترات من الحرج والضيق قد يعقبها الفرج فيدرك الناس كم هي عظيمة مشاعر الارتياح وكم هي قيمة احاسيس الابتهاج . كان سلمان رجلا فارسيا من اهل اصبهان ومن قرية يقال لها (جي) وكان ابوه شيخ تلك القرية وحاكمها احبه ابوه حبا فاق كل تصور ولم تزل عاطفته وحبه لولده تشتد يوما بعد يوم حتى وصل بالاب الى ان يحبسه في البيت مثل الجواري وذلك خوفا عليه وحرصا على سلامته .عاش سلمان شبه وحيد في بيته لا يرى امامه الا نارا موقدة لاينطفئ لها لهيب لانها النار المقدسة التي كان يعبدها المجوس فراح يتسلى بخدمة تلك النار عاملا على وقدها باستمرار حتى لاتخبو ابدا وكان يتصور انه كلما زاد في وقودها كلما كان ذلك تعبيرا عن صدق العقيدة التي امر بها اباؤه واجداده .
وتشاء الصدف ان يقوم الاب بارسال ابنه سلمان الى ضيعة كبيرة كان يملكها الاب لبعض شؤونه وعند خروجه من البيت وتوجهه الى الضيعة مر امام مبنى كبير سمع فيه اصواتاً وتراتيل اعجبته فقال لمن معه ماهذا البناء وماذا نسمع فقالوا له انه كنيسة البيت الديني لعبادة النصارى وهم في الداخل يصلون…
تقول كتب التاريخ عن سلمان الفارسي قوله : وقفت اصغي فجذبتني تلك الاصوات بنغماتها وعندها رأيت ان اعرف ماذا يجري في الداخل ووقفت ارقب واسمع ورغبت في المكوث وبقيت حتى غربت الشمس وكنت قد نسيت مابعثني ابي لاجله وشعرت ان دين النصارى خير من دين قومي فسألتهم عن اهل هذا الدين فقيل لي (في بلاد الشام) واتفقت معهم ان يخبروني عندما يجيء اناس من الشام كي اذهب معهم .
وعندما علم ابي قال لي ماالذي اعجبك وليس في ذلك الدين ماهو خير من دينك ودين ابائك الا ان ديننا المجوسية لخير منه .
فقلت له لاياابي بل اجد دين النصرانية خيراً من دين المجوسية .
وامر ابي بحبسي في البيت الا اني بعد فترة استطعت الهروب والتوجه الى بلاد الشام وذهبت الى اسقف في كنيسة واخبرته برغبتي في النصرانية واقمت معه زمنا اكتشفت اثناءها خصال سوء كثيرة فيه اذ كان يأمر اتباعه بالصدقة ويرغب الناس فيها لانفاقها على المساكين والفقراء الا انه كان يفعل العكس فكان يأخذ الاموال لنفسه وعندما كنت اخبره عن أخطائه كان يؤنبني ويهددني بالطرد الا انه لم يلبث ان توفي وعندما اجتمع الناس لدفنه اخبرتهم بحقيقته وأريتهم اين كان يخبئ الاموال وعرفوا ان الاسقف كان محتالا . ثم جاء رجل غيره يقوم على خدمة الكنيسة فما رأيت احدا يصلي افضل منه ولا اشد زهدا في الدنيا فاحببته ولكن ذلك الرجل الطيب لم يعمر طويلا ومرض قبل ان يتوفى وقد سألته ان يهديني الى شخص مثله اتعلم منه فارسلني الى رجل في الموصل .
وذهبت الى الموصل واهتديت الى الرجل واقمت معه ووجدته على خصال جيدة فهو رجل دين وخير وقبل وفاته اوصاني بالذهاب الى شخص اخر في نصيبين لاتعلم منه وبعد وفاته ذهبت الى نصيبين ومن هناك اوصاني بالذهاب الى عمورية في ارض الروم واقمت مع رجل ايمان وهدى وكانت اقامتي هذه طويلة فعملت وحصلت على بعض المال فلما نزل امر الله بالرجل سألته الى من توصي بي وبم تأمرني ؟ قال الرجل (والله مااعلم اليوم احدا من الناس على ماكنا عليه حتى امرك بان تاتيه فقد ذهب من عرفت من اهل البر والصلاة ولكنني اقول بانه قد قرب زمان نبي يبعث بدين الله في ارض العرب ثم يهاجر الى بلاد بين حرتين بينهما نخيل وان في هذا النبي علامات تد ل عليه انه لاياكل الصدقة وياكل الهدية وان بين كتفيه خاتم النبوة فان استطعت ان تلحق بتلك البلاد فافعل). بعدها مر تجارمن بلاد العرب الى عمورية فعرضت عليهم ان يصحبوني معهم لقاء مااملك من مال فوافقني التجار وكانوا من بني كلب حتى اذا وصلوا الى وادي القرى اعتبروني رقيقا فباعوني الى رجل يهودي اشتراني لاعمل في نخيل له وباعني هذا اليهودي الى ابن عم له وهو من بني قريظة ويقيم في المدينة وعندما وصلتها عرفتها من وصف صاحبي لها وفي احد الايام جاء شخص ليقول لليهودي ياابن عمي قاتل الله نبي قيلة (وهو اللقب الذي كان يطلقه اليهود على الاوس والخزرج) والله انهم لمجتمعون الان في (قباء) على رجل قدم من مكة يزعمون انه نبي فاخذتني الرغبة مما سمعت وجاء المساء ولم يهنأ لي مقام فذهبت الى قباء وانا احمل معي بعض التمر وهناك سألت عن مقام (النبي صلعم) وقصدته وقلت له (لقد بلغني انك رجل صالح ومعك اصحاب لك غرباء ذوو حاجة فاردت ان اقدم لكم بعض ماعندي صدقة لاني قلت بانكم احق بها من غيركم ) ولم انس كيف نظر الي رسول الله صلعم وانا اقدم له التمر صدقة ماأبعده عنه ولكن طلب الى اصحابه ان يأكلوا منه ان شاءوا ولم يمسسه بيده ابدا فلما رأيت ذلك قلت في نفسي ( هذه واحدة مما اخبرني بها صاحبي في عمورية) . ومضى يوم فجئت رسول الله وحملت معي هذه المرة ايضا تمرا فلما رأيته قلت اني رأيتك لاتأكل الصدقة فهذه هدية مني اقدمها اكراما لمقامك فاخذ الرسول صلعم بعض التمر واكله وامر اصاحبه ان ياكلوا فقلت في نفسي وهذه الثانية ورمقني بنظرة وقال اننا لاناكل الصدقة الصدقة حرام علينا .
ورحت اتحين الفرص حتى كان الرسول صلعم يوما في تشييع جنازة لاحد اصحابه (ببقيع الفرقد) فاتيته وهو جالس في اصحابه وعليه شملتان ووقفت خلف ظهره متعمدا حتى المح خاتم النبوة ان قدرت .
ويشاء الله سبحانه ان يريني بام عيني ماابحث عنه فالقى الرسول صلعم رداءه عن ظهره ثم توكأ على جانبه فبدا خاتم النبوة عندها انكببت عليه اريد تقبيله وانا ابكي من الفرح وارتميت بين يديه فسألني من اكون ومااريد فاخبرته بقصتي وبالمشاق التي تحملتها وانا اتنقل من بلد الى بلد بحثا عن نبي اخر الزمان حتى جعلتني الايام رقيقا لرجل يهودي بعد ان كنت سيدا ابن سيد في بلدي وارتميت على الرسول الله(صلعم) باكيا ومعلنا اسلامي وقال له الرسول الكريم : كاتب ياسلمان .
وذهب سلمان الى صاحبه اليهودي فكاتبه على ثلاثمئة نخلة يزرعها له وعلى اربعين اوقية من المعدن وعاد سلمان الى الرسول صلعم يعلمه بذلك فقال الرسول عليه الصلاة والسلام لاصحابه اعينوا اخاكم وجاءته المساعدة من الاخوة فلم تمر الا ايام معدودة حتى كانوا قد انهوا زراعة النخيل ثم ساعده الرسول صلعم في دفع المال وبذلك عتق سلمان ومن يومها صار لايفارق رسول الله صلعم حتى شهد معه الخندق وهو حر..
هذه هي قصة سلمان الفارسي كما رواها وهي قصة تحفل باسمى العظات وابلغها اذ يبدو من احداثها ان سلمان هو ذلك الانسان الذي فارق اهله وماله وما عبئ براحة نفسه بحثا عن الحقيقة التي وجدها في الاسلام فآمن بها حقيقة مطلقة خالدة وعمل مجاهدا ومخلصا فاستحق عن ذلك أعلى وسام شرفه به رسول الله صلعم بقوله (سلمان منا اهل البيت) ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *