الرئيسية » مقالات » قراءة أخرى في ضوء سراج مجموعة فرهاد شاكه لي الشعرية… هذا السراج يضيء قلبي ويحرق عمري

قراءة أخرى في ضوء سراج مجموعة فرهاد شاكه لي الشعرية… هذا السراج يضيء قلبي ويحرق عمري

فرهاد شاكه لي توطئة تعريفية لعالمه الشعري
الشاعر والأكاديمي فرهاد شاكه لي ذلك الناطق بالشعر، والمسافر رؤىً وعياناً مع حلم كلماته لا يعرف في سفرته الميتافيقية موعداً محدداً للوقوف عند محطات بعينها كي يأخذ قسطاً من الراحة. إلاّ عند مشارف روحه التواقة للقاء ذلك الحبيب الذي تاه وأكتوى من قبله أيضاً لفيف من شعراء الوجد بنار اليقين وللوصول الى كينونة الحقيقة المطلقة. وعلى هدى سراج قلبه المضيء يتمنىفرهاد أن يهمس في حضرة ذلك الحبيب الذي شغل ويشغل سرمدياً كليّة المكان والزمان في صومعته الهادئة. أنه ومن نفس تلك البقعة المضيئة التي بدأت أيضاً حكاية العشق لدي مولويينا عبدالرحيم شيخ شعراء التصوف في تاوكوزي،هاتفاً مع أنفاسه العطرة بأطياف السَحر،هوذا المكان خال وموحش بالظلمة والسكوت.الكل في هذي الساعة العصيبة في غيبوبة وسبات سوى ذلك الجبيب الذي لم يدنيه سلطان الوسن وهو القائل جهاراً أنه لا يأخذه أبداً سِنة ولانوم. بعض من تلك الأرواح المُحلقة بفضاء اليقين لا تتلذذ بطعم الراحة الاّ بالشعر، لكي ُيعّبر شيئاً عن مكنون ذلك العشق.وعلى مصاف عيون الشعر لمسنا الحكمةَ والعِبرَ بدءا بإلاهيات إبن الفارض، وألأحساس بالحياة دفقاً حيوياً في وهم العامة بموت الحلاج وليس أنتهاءاً برباعيات الخيام، وبابا طاهر الهمداني،ولحظة الكشف بالمشاهدة في محراب مولانا النقشبندي وحضرة نالي الخالد. على وحي تلك الفلسفة المحيّرة من أضاع الطريق بين الفهم للسؤال، من أنا؟. ومن أكون؟. وكيف يكون الزاد في وسط لغز من لا يكون في مقدرة الوعي، وهذه زوابع الدهور تعصف بالملوك والأمم ويحيل البقاء للمتوهم الى وَهمٍٍ مُركّبٍ يبقى لايُدرك ولا يحيط شيئاً وماذا بعد الفناء. كل تلك الإحالات والتساؤل والطّواف حول قِبلة القلب المكتوي بنار العشق تراها مزدانة كقصائد بمصباح قلب شاعرٍ خرج من عبثية الجَري وراء سَراب الدنيا من غير مجالس حبيبه الذي لا يغيب. فرهاد يأخذنا معه كي يطلعنا عبر ديوانه الجديد على خفايا هذا السراج وعلى تسميته العرفانية هذا السراج يضيء قلبي ويحرق عمري ، ويوقفنا متأسياًعلى لحظات الموت العياني لقلبه وأحساسه من جديد بالحياة السعيدة وكذلك لروحه التي لاتحّدها جغرافية معينة ولا تمنعها فضاء معين للإنطلاق نحو مداره المألوف. في ديوانه الجديد طعمٌ ومذاقٌ خاص لشعراء أنشدوا من قبل لذلك الغائب بالحب العذري كما أشار د. محمد مبارك في بحثه حول استقبال الشعر في عصور الأدب بالقول 1- بأن الصوفيون الأوائل ألتقطوا هذا المنحى الشعري وحولوه لأغراضهم ((حيث إن الغزل العذري كان إرهاصاً ومدخلاً لرمز المرأة في الشعر الصوفي)). بل إن بعض الباحثين يذهب إلى أن الغزليين من الزهاد كانوا أسبق من العذريين وهذا دليل آخر على عناية الشعر الصوفي ممثلاً بطلائعه من الزهاد بالمتلقي ومحاولة جذبه للتعامل مع النص، ويؤكد على خصوصية اللغة الشعرية بأن -لغة الشعر الصوفي ليست لغة غزل وإن كانت توحي به .. إنها تلتقي به وتفترق عنه في الوقت نفسه، وهذا في الحق مدخل من مداخل منطق الأشياء المبني أصلاً على التناقض والتضاد وقد يجمل بالصوفي أن يعبر نثراً بأجمل ما يكون التعبير عن فكرةٍ ما من الأفكار التي شغف بها الصوفيون مثل فكرة المحبة، قال سمنون المُحب: لا يعّبر عن الشيء إلا بما هو أرقّ منه ولا شيءٌ أرقٌ من المَحبة، فبِمَ يعبر عنها ويقول:

أمسى بخدي للدموع رسوم
أسفا عليك وفي الفؤاد كلوم
والصبر يحسن في المصائب كلها
الا عليك فإنه مذموم.

جدلية الموت والحياة كفلسفة صوفية في بُعدها الآخر
للموت عند شاكه لي خصوصية أنما تتحول من لغز مبهم الى مشروع متدفق بالعطاء كموت الأديم بعد ضربات الشتاء القاسية وأخضراره فيضاًوحيوية في هيئة الربيع الزاهية بألوان الزهور ونسمات الفجر العليلة. ذلك الموت الذي أقضّ مَضجع كلّ حيّ نحو التلاش، ومثلما الشيب كلاهما بقياًعصّيان على التحليل في ضوء العلوم التطبيقية انهما دائين بلا دواء، وهذا الموت نلمسه عند فرهاد في مضمون حواره الفلسفي يلتبس عليه عندما يطرق كيانه بلا إستئذان، يتمنى أن يرافقه كي يرى في طريقه ذلك المشهد الأثيري لجموع عشاقه المنغمسين حَدّ علّو الرّوح بومضات النقاء وبأدراكات خارج الحِسّ المادي وهو مع الريح والمطر صنوان، وهذا هو بورتريه الموت لدي شاكه لي الشاعر:

أذاك هو الموت أم الريح
تتفقد هذه الاحياء واحدة تلو الأخرى
وتقرع أبواب البيوت؟
أذاك هو الموت أم زخات مطر
تهطل وتملأ بأتربة التهديد والوعيد
أوعيتي و صحوني؟.
لا…
إنه لا الموت ولا الريح،
ولا زخات مطرٍ و لا قطيع ذئاب،
إنه رسولٌ، رسول الموت،
الذي يباغتني……. بين فترة وأخرى كي أستعجل
لأدعَ كل مشاغلي وواجباتي
وأكونَ خارجَ البيت.


فهاجس الموت عند شاكلي غير الذي عند الشاعر الراحل السياب في لحظات أيام مرضه وهو يصارع المرض، كاد أن يأخذ بتلابيبه منذ طفولته القلقة. الموت يتقمص المدرار في زخات المطر، وساعي بريد يبلغ بطاقة دعوة لعالم غير مرئي، عالم يعيشه مع تجمع يتوق أن يتجاوز الرؤيا أقرب الى الواقع، السياب هاجسه كان الأنتظار لكي يُكمل المشوار ويختم ديوانه بقصيدة لا تكنى باليتيمة، انه ذاق ذلك اليتم منذ رحيل أمه وقالوا له بأن بينه وبين تلك المقبرة فراسخ وهو يلمح الى تلك الحشود الصامتة شعراً مؤثراً2.

يمدّون أعناقهم من ألوف القبور يصيحون بي: أن تعال
نداء يشق العروق، يهز المُشاش، يبعثر قلبي رمادا… وتدعو من القبر أمي
“بنيّ احتضنّي فبرد الردى في عروقي”
ثم يختتم القصيدة قائلاً:
فيا قبرها افتح ذراعيك…
إني لآتٍ بلا ضجةٍ، دون آه!
وتدعو من القبر أمي
“بنيّ احتضنّي فبرد الردى في عروقي”
ثم يختتم القصيدة قائلاً:
فيا قبرها افتح ذراعيك…
إني لآتٍ بلا ضجةٍ، دون آه!.

والذي نتحسسه عند شاكلي لشيء مغاير هو وعن طريق مَركب الموت في شوقٍ وتَوقٍ ليوصله الى شيء فيه فناء بمعنى آخر، كذلك العيش الرغيد حسب أبجديات المتوق للقاء الحبيب الذي منه واليه وبه تكتمل الفرحة وتزهر في حضرته الفيافي، وتخّضر الصحارى. إنه رَسول الموت القادم الذي لا يعرف له الآوان. يباغته لتلك النزهة الأثيرية، وربما عينه في رَقدةٍ تسعها اللاوعي وكأنه تجاوزٌ خارقٌ للمعقول وليس حسب قوانين الطبيعة المألوفة. إنه رسول الموت، نعم هو ذاك الذي يباغته بين فترة وأخرى كي يَستعجل الرحيل، يتركَ ويَتركَ وكما هو، أدواته وعَمله وكُراستهَ المفتوحة وواجباته الصّارمة ومواعيده المُهمة ويكونَ خارج البيت في أستقبال ذلك الرّسول، والقادم من مَديات، ومن زمن حيث يتلاشى فيه الزمن نفسه. أهو عَدَمٌ أو وجُودٌ أمام المطلق الخلاّق. فرهاد شاكه لي ألتبس عليه الهيام ومن فرط زحام المتحلّقين حول دائرة المعرفة الحقيقية للوصول الى ذلك اليقين الذي لا يزوّقه هوى النفس والخيلاء ولو لطُرفة عَين. من حَقه شاكه لي أنْ يَكثر من التساؤلات عندما تتعطر الواحة بل كل الواحات بأريج المشاهدة وهي تتقطر عَبيراً وتكتسي الجَلسة حينا بُِسكارى المُحّب والقوارير الفارغة بعبير ملاقاة الأنيس. لا نسمع لشاكلي صوتاً إلاّ همسةً موجزاً رسالته في العشق، حيثما كانَ وكيفما يكون الوقت، أنه خارج جغرافية الرصد، وهو إمّا ثَملٌ لايستفيق بسهولة من نشوة ذكر القلوب المحلقة كنوارس الحب، أو شاردٌ من الصّدمة ليس له صوت ٌ غير همساتٌ للتعبير :
لست تتخلی عن وعيي(حواسي!!!)
ولست تغدو رفيقا لقلبي.
کيف يبرعم الوعي دونک أنت
وکیف یغدو القلب رفیقا؟
إنک أنت السراج
تعال إلی هذه الزاوية الظلماء
روحي حفنة(قطرة) من الضياء،
فحين تتبدد الظلام، أي نفع في الأضواء والسرج؟
أنا الذي کل أيمي ثملة بأسمک وشهرتک،
أي نفع في الصلاة والأدعية
حين يکون القلب ثملا بذکراک؟.

أو نسمعه في همساته الأخرى:

منذ اليوم الذي ولدت الزهرة
بدأت بأرتداء ثياب العبير ،
ونحن بانتظار أن تفعم قوارير وحدتنا الفارغة
بعبير الملاقات مع أنيس،
وأن ينتعش موقد القلب بجمرة حمراء.


مناظرة في الشعر الجمالي والشراب بلذته المنعشة للروح والحانة مكتظة بعطر الأنفاس
فرهاد لا يتذكر من تلك المشاهد المتلئلئة سوى عيوناً مُسهّدةً وبُطوناً ضامرةً، وطوابير من القٌلل المقلوبة ومجموعة أخرى مُهشمة من فرط عطش الأسفار وبجنب شباك نصف مفتوح ثمّتَ بورتريه لشاعر منهمك في ترتيب حروف من اللؤلو وبقلم مختلف الألسن والألوان، ذاك هو قلم شاكلي بلا صرير يكتب قصيدة أشبه بوصية مسافر وكأنه مودع ترف الدنيا ومباهجها:

القلم

لا يتذکر إلاّ کلمةً واحدة،
ولا يکتب إلاّ کلمة واحدة.

أنظر الى تلك الخرقة البالية سوف ترى العَجب من حيرة شاكلي. هذا وما كتبه لقلبه الطائر وهو معلقٌ عند مدخل الحانة. جَمعٌ من شلة الأنس مُحرّم على الغُرباء حتى التلَصلص خَلف السَتائر مَنْ لم يَصلْ به الحَال لبلوغ ذلك المقام:

تجل ذات مرة من خلف ستائر الأسرار
فأنا من الأهل، ولست غريبا.
لا زلت أذکر إلی الآن يومَ کنت فيه خرقة بالية
في مدخل حانة…
يبدو أنني تعربدت، ولذا تشردت إلی هذا المکان،
أنا إلی هناک أنتمي،
أنا لست من هذه الديار.

يسأل في تلك الأحوال عن قدح الخيام وماهية شراب أبن الفارض وعن حبيبة نالي، وعن سهاد عين أبن تاوكوز مولوي ولماذا لونه مخطوف على طول الأيام، وقلبه لا يعرف الأستقرارعلى حال أويسكن قليلا من الخفقان. ليس ببعيد عنهم شاكلي وهو بسراجه المضيء أن ينادي جهاراً- أرسل جمرةَ ذات ليلة الى حُلمي- من فرط تلك الهجير ومن شدة الأحتراق بجمرة الترقب طوال الليالي الطويلة:

أراک في الجَمرة
حرارة و حمرة و لهيباً،
وفي قَر الشتاء کلمةً بيضاء
وفي الأحراش والغابات والمروج
کلَحنٍ أخضر.

في مجمل قصائد ديوان شاكلي تكون وجها لوجه مع تحف شعرية وغزل صوفي وبأدوات لغة عصرية رصينة وعلى غرار شعراء التصوف الأقدمين فقيه طيران وقصة الشيخ صنعان، وملاي جزيري. وعلى رأيء وتحليل الأديب نزار الجاف حول شاعرية شاكلي والصور الواقعية لديه مع تمازج المخيال والفنطازية في قصائده المشبعة بروح الزهد والتصوف- فالصورة الواقعية التي رسمها في موازاة الصورة الخيالية كلاهما تبدوان مقنعتين ومنطقيتين وكأن الشاعر يرسم لوحة ما، وبيده ريشة في منتهىالحساسية، ويبدو التألق لدى شاكلي في أوجه، يقتحم فيافي التصوف بجرأة غير متردد يشعر القارئ وكأنه أمام ناسك متشبث بسجادته في جوف وادٍ مظلم وهو يناجي أسرار الوجود من خلال تجليات ذاته-3. حقاً أنه منذ أمد ليس طويل يشتغل على تبسيط اللغة الصوفية الرشيقة الموشاة بجامع مشترك مع كل اللهجات الناطقة في مختلف ديار بني جلدته، شعره يفهمه الفلاح الكرمياني حيث عُدتّه في الفهم لاتعدوالأساطير والألغاز ويعيه الهورامي في ذرى الجبال في بيارة وطويلة وبيارة،ويستمتع به طالب العلم وهو على مقاعد الدراسة الأكاديمية.

مشاهدات أشبه بالإشادة عبر نوافذ الأنصاف
من خلال الصور الشعرية النظيفة التي تزخر ديوانه لاتريد أن تختم جولتك البصرية بمشاهدها النظرة، قلّما تجَد شاعر ذا عطاء زاخر يجمع بين الأيحاء والغرض وأداء رسالة في تناسق هارموني في تدوين الذاكرة لأمة تليدة وثرية بالعطاء الفكري. والشعراء الكورد المبدعين ومن أمثالهم فرهاد ، يحاولون دائما أن يأتوا بالجديد القوي ويسعون دائما أن يجددوا ويطوروا أدوادتهم الشعرية عبر اللغة المكثفة تجد في كل ديوان من دواوينه السابقة ملامح التجديد جلية في قصائده.وتضج قصائده بالحيوية الدائمة ، بعيدة عن الركود والجمود في شكلية اللغة وكأنها مقولبة في حدود الفهم السطحي لعالم الشعر الرحب. ويجب ان يكون الشعر ذا لياقة جمالية مستوفيا لكل شروط الأبداع ولا يكتفي الأستسلام لضبط القوافي على حساب المعنى وضياع الصورة ذات المشاهد المؤثرة في ذوق المتلقي. نحن مع رأي الناقد علي حسين الفواز في قوله بأن المشهد الشعري الكوردي- محتشد بقوة بكل تجليات المغامرة الشعرية التي أطلق أوراها الرواد المجددون، وحملتها أجيال إنفتحت مواسم شعريتها الدافقة مع فضاءات الحرية التي منحت هذه الشعرية خيمائها المقدس في تلوين الطبيعة القديمة بعطايا الروح المباركة وإخراجها من كمون المعنى الى فصاحة التعبير ومن لغة الوصف الجامدة الى حيوية التشكيل الذي أعطاها سيولة في أن تكون طبيعة خرج لعبة الوصف وداخلة في صيرورة التحول4.
فقراءة ديوان هذا السراج يضيء قلبي ويحرق عمري يحتاج الى كثافة ذهنية مع مهارة في تذوق الشعر ذا النكهة الصوفية بطعمها المألوف لدى جمهرة من المتذوقين لمثل تلك الحالات. عليك أن تبدأ بالسياحة الفكرية قبل أن تغوص في بحار الجودة الشعرية وأن تلّم بتاريخ وأسرار طبقات الصوفية وتمتلك معرفة تامة لمراحل تدرج شعراءها ويجب أن نقرّ واضحاً بأن للشعر السهل الممتنع رونقه الأزلي ومن منّا يعترض على ألمعية وشاعرية المتنبي أو يحجم القول حول ريادة مولانا نالي أو ينسى من روائع مولوي أويفوته ت س إليوت ولا ينسجم غريزياً مع قصائد بيرس، أو لايدمع قلبه قبل عينه لقصيدة أنشودة المطر للسياب الخالد، أولصِدق صُوفية البياتي في بستان عائشته. أنما تعد تلك الرموز من القامات التي لاتهزها رياح التماهي أوالتمويه. تلمس في مجمل قصائد شاكه لي الصدق والدفء والدفق الحيوي من غير تصنع أوتكلّف أو أقتحام لكلمات خارج موضعها لكي تَخّل بالمعنى أو تشوه شيئاً من جمالية قصائد الديون. فالشعر الجيد له رونقه وفتنته وكما جاء في وصف الكاتب مصطفى الغتيري في قراءته لديوان الشاعرة فاطمة الزهراءبنيس لوعة الهروب5 – للشعر رونقه الأزلي، وفتنته التي أبدا لا تخبو حدتها.. دوما في الأفق شعراء وشواعر على أهبة الاستعداد لبذل ذواتهم قربانا لها ، فيستعر أوارها، ويلعلع في الأجواء- بألق- لهيبها الذهبي الوامض.من بعيد ترمقه الفرشات الشاردة ، فتيمم وجهها شطره .تتهادى نحوه برفرفات ناعمة يحسبها الرائي واهنة، لا قدرة لها ولا حيلة على تحمل شواظه اللافح .وإذا بها وقد استنفرها عبق الربيع وانفلاته-.
السراج الذي أضاء قلب شاكلي وأحرق عمره، من مشكاة خاصة أهل العرفان، والأحتراق مجاز لرؤية تلك الهالة التي لم يتمكن عبر ديوانه وبقصائده الناطقة ببعض سر تعلق الحبيب بمحبّه في كل الفصول ، فذاك حال أهل الجذب في المطر والبرد وفي هبوب سموم القيظ، وفي خارج نطاق الوصف المكاني. مثل أولئك النبهاء من العبث النيل من مقامهم،والذين ينظرون بفراستهم لملكوت الخلق والخالق.فرهاد شاكلي في سراجه أخذنا الى عمق مواضيعه الأنسانية انه صاحب نظرة وستايل عرف به مثلما عرفناه في بواكير شاعريته في بداية السبعينات كشاعر مجدد للشعر الكردي الحديث وسبق الكثير من الشعراء الذين نادوا بالثورة على التقليد والركود في بنية كتابة الشعر الكردي، واليوم يعتبر رائداً في ميدان الشعر الصوفي المعاصر، وانه يكتب الشعر لطبقة واعية وبلغة شفافة وكما وصفه زميلنا الناقد والأديب جلال زنكابادي6 ومن خلال: – قراءة متمعنة في أشعار شاكلي تبين لنا غنائيته الفياضة النازعة نحو الملحمية وكما أن الصوفية – العرفانية تطغى على العديد من قصائده فغالبية أشعاره تزخر بفرط من الأنوار والأضواء والإشراقات عبر حساسية جمالية عالية تجعلها نماذج للتجربة الروحية في عالم مليء بالصخب والأنهيارات-6. وقبل أن ننهي هذه القراءة علينا أن ندون في سجل ديوانه عبارات للإشادة الى أبداع شاعرنا شاكلي بانه امتعنا دون أطراء لأعتبارات أخرى.ويجب القول جلياً الى مكانة النصوص المبدعة،وبأبداعها تفرض نفسها عليك. ولابدّ من تذكر ملامحها المطبوعة في ذاكرتك كلما تلاقت عينك نصوصاً أخرى أقل جودة منها. الشاعر المجدد شاكلي نتمنى له في ديوانه القادم أبداعات أخرى مزيدة، فمعظم قصائد الديوات تضج بمقومات التوفيقفي تنوعها في صورها ومواضيها رغم محوريتها في النزعة الروحية تحمل بصمات واضحة لنجاح الشاعر التألق في ميدان الشعر الصوفي الكردي المعاصر انها تجربة صعبة قلمّا من الشعراء يرتقون سلّم الأبداع ختاما ملاحظتنا الأخرى حول نوعية خطوط الديوان والتي جاءت خطوطاً ناعمة مؤذية للعين وياحبذا لو جاءت بحجم أكبر، ودونّ في الغلاف الأول للديوان بأنه قد طبع في مطابع وزارة التربية في أربيل في نهاية 2006.

نماذج مترجمة من قصائد الديوان الجديد.


الموت

أذاك هو الموت أم الریح
تتفقد هذه الاحیاء واحدة تلو الأخرى
وتقرع أبواب البیوت؟
أذاك هو الموت أم زخات مطر
تهطل وتملأ بأتربة التهديد والوعيد
أوعیتي و صحوني؟.
لا…
إنه لا الموت ولا الریح،
ولا زخات مطرٍ و لا قطیع ذئاب،
إنه رسولٌ، رسول الموت،
الذي يباغتني……. بين فترة وأخرى كي أستعجل
لأدعَ كل مشاغلي وواجباتي
وأكونَ خارجَ البيت

.
هذا الیأس صرةٌ من اللآليء

لسنا نستطیع التخلي
عن صریر الریاح و خریر الجداول الناعسة…
لسنا نستطیع العثور علی جمال
یکون اکثر لمعانا
واعذب عبیرا
واشدی لحنا
من جمال الوطن.
هذا هو تأویل الرؤیة في لیالي المنافي،
هذا هو ترجي الوتر الذي لازال
یتطلع طوال اللیل إلی لمعان سحابة
تتغنی، أوان المخاض، بأسماء البحیرات والانهار.
منذا الذي یسائل النسیم صباحا
لیعرف في أي مکمن قضی لیله؟
متی سنعید قراءة تأریخ الجراح،
دون ان نستشیر الدماء و ساحات الوغی
والسجون؟

القلم

لا یتذکر الا کلمة واحدة،
ولا یکتب الا کلمة واحدة.

لست أدري

لست أدري إن کان عادلا ام غیر عادل؟
صحیحا ام خطأ؟
کان لزاما علي أن أسلک الطریق الذي
ذا خریف يوصلني إلی هذه الدیار الصخِرة.

کنت خرقة بالیة

تجلّ ذات مرة من خلف ستائر الأسرار
فأنا من الأهل، ولست غریباً.
لا زلتُ أذکر إلی الآن یومَ کنت فیه خرقة بالیة
في مدخل حانة…
یبدو أنني تعربدتُ، ولذا تشردتُ إلی هذا المکان،
أنا إلی هناک أنتمي،
أنا لست من هذه الدیار.


أرسل جمرة ذات لیلة إلی حلمي

أراک في الجمرة
حرارة و حمرة و لهیبا،
وفي قرّ الشتاء کلمة بیضاء
وفي الأحراش والغابات والمروج
کلحنٍ أخضر.
أعلق روحي کخرقة ٍوسخة
علی مسمار صديء
وأترکها
علها بفضل الأمطار والوَدَق والریاح
تعود إلی طریقها القدیم.
إبعثْ ذات لیلة جمرة إلی حلمي
لتشتعل النیران في أیامي.

فأنت السراج

لست تتخلی عن وعیي(حواسي!!!)
ولست تغدو رفیقا لقلبي.
کیف یبرعم الوعي دونک أنت
وکیف یغدو القلب رفیقا؟
إنک أنت السراج
تعال إلی هذه الزاویة الظلماء
أر روحي حفنة(قطرة) من الضیاء،
فحین یتبدد الظلام، أي نفع في الأضواء والسرج؟
أنا الذي کل أیامي ثملة بأسمک وشهرتک،
وماذا ترجو في الصلاة والأدعیة
حین یکون القلب ثملاً بذکراک؟ .


کأنک من الریح تعلمت أن تکوني عدیمة اللون


لست في المتناول
کأنک تعلمت من الریح تبدين عدیمة اللون،
حین ترقصین أوراق الخریف الذابلة،
ومن النجوم تعلمت التخفي…
کأنک تلونین کل أحاسیسک وآمالک ورغباتک
بلسان طائر وحشي طلیق…
في الليالي
تصاب النوافذ باليأس في هذا الدیر المظلم
حین لا تدعین حزمة الضیاء
أن تتحول إلی منارات في قلوبها.
أقرأ وجهک آناء اللیل، کل لیل…


کتاب عشقک الشبیه بالمطر


لا الشمس
تجعل منک نهرا من الأضواء العبقة(!!!)
ولا القمر یحولک إلی إهتزاز في بحیرة التلألؤ.
أنت وإن تحولت إلی ورقة في غابة،
ستسقطین ذات خریف وتذبلین.
لأي موسم تدخرین نفسک، لیأتي ویذهب بک؟
الشتاء، حین تهطل الثلوج، یغلق الأبواب والشبابیک
بسلاسل فضیة،
من ذا الذي یفتح،كوة آنئذ،؟.


هذا الظلام لا یدعني أراک من بعید
لست تعرفین کم اشتاق إلی أن ینتهي هذا الذي أسمیه الفراق(التنائي). أعرف أنني عینت، دونما تفکیر، نجمة في أعالي السماء وأسمیتها لؤلؤة فریدة. رغم بعادک، فأنت قریبة من خیالي الساري الشبیه بالنسائم. رغم أنني أنیس لک، تسلمیننی إلی لیلة غریبة دون نجوم. أرنو إلی شعلة تنیر حواشي(أطراف) السماء في هذه اللیلة الظلماء، وتمطر حفنة من الضیاء والدفء علی هذا الدریب(!!!) الذي یغدو أکثر ظلمة آنا بعد آن وینجلي من لامکان. تصبحین غیمة و تجعلینني أرض الجفاف، ولست تکلمینني، ذات مرة فی منتصف اللیل، بلسان المطر. ولست تأتین ذات فجر لتوقظیني ببرق.

حین أکون بأنتظارک

حین أکون بأنتظارک
لا النهار یبدأ بالفجر
ولا اللیل یجلس بجانب نجومها،
إلی أن یغلبهم النوم.


لم لا تقترفین إثما؟

حالک و مظلم هذا الطریق الذي یبدأ من هنا، من خیالی أنا، و لیس یصل ألی قلبک. إنه نار ثملة إشتعلت فی عمري، تحولني أحیانا إلی رماد، وأحیانا أکون مشعلا في الطرقات، في أزقة هذي المدینة أو تلک، أضيء أقدام جسدي المصلوب. تحولني الوحدة إلی شجرة یابسة، لا الریح تستطیع أن ترقصها ولا المطر یترک في جسدها قشعریرة.
خلف هذه الجدران المتصدعة ثمة حلم کأنه مطر ربیعي يرش الأزقة والحارات، وينفذ عبیره إلی روحي القلقة. لم لا تقترفین إثما؟ علقي علی جدران خیالي، مثل لیلی، صورتک العاشقة.

المصادر
————-
1- د. محمد مبارك ، حول أستقبال الشعر في عصور الأدب، الموسوعة الأسلامية2005.
2- د. حجـــــــــــر أحمــــــــــــــد حجــــــــــــر البنعـــــــــــــلي ، معاناة الداء والعذاب في أشعار السياب موقع الصحة.
3- الأديب نزار الجاف، عريشة بوجه العواصف بحث منشور في مجلة أفق الثقافية يونيو 2005.
4- الناقد علي حسين الفواز، حول الشعرية الكوردية موضوع منشور في موقع الحوار المتمدن ع1834 2007.
5- الكاتب مصطفى الغتيري، لوعة الهروب قراءة لديوان الشاعرة فاطمة الزهراء بنيس مجلة واتا العدد12007.
6- الأديب والناقد جلال زنكابادي.أوتار التنائي أو حزن حبة رمل في زوبعة، من الشعر الكردي المعاصر ط1 دار الحصار للنشر والتوزيع سوريا دمشق 2004.
7- فرهاد شاكه لي ، هذا السراج يضيء قلبي ويحرق عمري، 2007 اربيل مطبعة وزارة التربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *