الرئيسية » مقالات » کرکوك.. والزمن الجميل لترکيا

کرکوك.. والزمن الجميل لترکيا

مازال السعي متواصل وعلى کافة الجبهات لبقاء الوضع الساخن و المعقد لمدينة کرکوك على ماهو عليه من دون أي تغيير جوهري يساهم في وضع النقاط على الحروف.
ومع کل تلك الضغوط التي مارستها الحکومة الترکية و حکومات أخرى على واشنطن من أجل إتباع سياسة أکثر تشددا فيما يخص مشکلة کرکوك، لکن کل الدلائل و القرائن تشير الى أن الولايات المتحدة الامريکية لاترغب بتاتا في هذا الوقت الحساس و البالغ الاهمية من أن تضيع وقتها وراء مشکلة تعود أساسا”من حيث تفاقمها” لتأريخ إنشاء الدولة العراقية نفسها في بدايات القرن العشرين، وتدرك جيدا أن الاحتفاظ في هذا الظرف الراهن بالعصا الترکية ـ الکوردية من وسطها هو أفضل الخيارات المتاحة لها وأن الاشارة الى أن هناك سياسة أمريکية محددة بإتجاه تدويل قضية کرکوك هو کلام غير دقيق وفي غير محله سيما في الوقت الراهن.
القيادات الکوردية التي تعيش هي الاخرى أجواءا إنفعالية بالغة التوتر من جراء الضغوطات المتباينة عليها ولاسيما دوليا مع ضغط خاص للشارع الکوردي عليها بإتجاه عدم التفريط بکوردستانية کرکوك و حتى إن هناك خطا عاما في الشارع الکوردي يربط بين مستقبل عودة هذه المدينة الى الاقليم الکوردي و بين المستقبل السياسي لهؤلاء القادة وبناءا على ذلك فإن التصريحات الاخيرة لرئيس إقليم کوردستان السيد مسعود البارزاني قد تکون جادة أکثر من تصورات بعض الاوساط السياسية الاقليمية وهي قد تعکس تفضيل البارزاني للخيار الداخلي على الخيارات الاخرى.
وعلى الرغم من أن الجبهة الترکمانية تسعى جاهدة وبکل ماأوتيت من إمکانية”وبدعم قوي کامل من أنقرة” لحرف أنظار الرأي العام على صعيدي المنطقة و العالم من حيث الايحاء بأن الحزبين الکورديين الرئيسيين يحاولان”تعقيد أزمة کرکوك”و خلق مناخات من التوتر بين الشعبين الکوردي و الترکماني وان المشکلة”کما تدعي هذه الجهة”تثيرها سياسات الاحزاب الکوردية، فإن قصور الاعلام الکوردستاني و النوايا السياسية و العرقية التي تکمن خلف الميديا على صعيدي المنطقة و العالم، تساهم في تجاهل الاهتمام الشعبي المتزايد للشارع الکوردي بقضية کرکوك ساعية بذلك أن تجعل المشکلة محددة بأحزاب معينة وهي مسألة مجافية و منافية للواقع بالکامل. لکن مشکلة الجبهة الترکمانية کانت و تبقى الانشداد و اللهاث خلف السراب الذي تثيره ترکيا من خلال سياستها غير المقبولة بالاصرار على التدخل في الشأن العراقي، وهذه الجبهة لکونها لاتمتلك إستقلالية بالمعنى الحرفي للکلمة فإنها مجبرة لتنفيذ سياسة أنقرة بحذافيرها وهو أمر ستثبت الايام إنه لم يکن في صالحها أبدا وإنها کانت مجرد وسيلة لتحقيق أهداف معينة. وإن إصرار الجبهة الترکمانية على ضرورة تأجيل المادة 140 وسعيها للم”مجموعة مؤيدة”لذلك، هو أمر لن تتمکن من تحقيقه إلا على جثث الشعب الکوردي الذي يتطلع عن کثب للمسار الدرامي للاحداث في يتعلق بقضية کرکوك.
ولعل العودة الى إتفاقية 11 آذار عام 1970 بين الحکومة العراقية و القائد الکوردي الراحل مصطفى البارزاني و طلب الحکومة بتأجيل تنفيذ البنود خصوصا مايتعلق منها بمدينة کرکوك تعکس هذه الحقيقة تماما، إذ أن الحکومات العراقية وفي حالات الضعف تلجأ دوما الى سياسة فيها الليونة و التساهل تجاه مشکلة کرکوك لکنها ماأن تسترجع قوتها”تتنکر”لکل وعودها و تکشر عن أنيابها العسکرية کأفضل طريقة لمعالجة المشکلة. وحتى أن صدام حسين نفسه يتحدث عن مبررات”توقيع”الحکومة العراقية لإتفاقية 11 آذار فيذکر أن الجيش لم يکن يمتلك سوى بضعة قذائف وکان لابد من معالجة الموقف!! وبعد أن إستقوت الحکومة العراقية کانت النتيجة إندلاع الإشتباکات بين الجيش العراقي و الحرکة التحررية الکوردية التي إنتهت بأن “إنبطح” صدام للشاه المقبور على أثر إتفاقية الجزائر عام 1975 وباع نصف شط”العرب!!”للفرس(المجوس) مع أراض عربية أخرى في سبيل أن لا يعترف بالحق الکوردي في کرکوك! لکن هذه السياسة الخيانية و الحمقاء دفع صدام حسين و نظامه فاتورتها النهائية في 9 نيسان عام 2003.
إن الذاکرة الکوردية بخصوص مشکلة کرکوك هي حادة و ثاقبة وهي لن تنسى أبدا ثمن تهاونها و تراخيها في لعبات”المماطلة الزمنية”التي ليست في واقع أمرها إلا شراکا و مصائد لآمال و طموحات الشعب الکوردي، وإن الترکيز في الاونة الاخيرة على مسألة تأجيل تنفيذ المادة140 من الدستور العراقي والخاص بتطبيع الاوضاع في مدينة کرکوك، إن هو إلا عودة”حليمة لعادتها القديمة” وهو في کل الاحوال ليس بفأل حسن للکورد، وإن سعي بعض القوى السياسية”الاقليمية” و العراقية للضغط على القوى السياسية الکوردية من خلال الولايات المتحدة الامريکية هو الآخر سعي مشبوه و يجب أن تقبره القيادات الکوردية في مهدها من دون أدنى تريث، وأن النمر الامريکي إذا لم يکن بمثابة”البعبع”للمنطقة فيجب أن لايصير للکورد بمثابة وصي”غير أمين” وأن الکورد وفي کل الاحوال هم أکثر الشعوب تفهما و قربا و حبا و مودة من الولايات المتحدة الامريکية و قواتها المحررة ولذلك فإنهم لن يعادون واشنطن بموقفهم هذا لکنهم سوف يساعدونها بأن لاتعيد مأساة 1975 مرة أخرى.
إن کون مدينة کرکوك کوردية حقيقة تأريخية ثابتة تستند على وثائق و مستندات ترجع الى العهد العثماني وتحديدا الى زمن السلطان عبدالحميد حيث ان خريطة وضعت في 1893 وفيها تقع کرکوك في وسط کوردستان تماما وهي حقيقة تدرکها الحکومة الترکية قبل غيرها وتسعى بناء عليه وبمساعدة أطراف إقليمية و دولية وداخلية لطمسها أو تحريفها وصولا الى مفترق تأريخي آخر لعزل هذه المدينة عن کوردستان. لکن السعي الترکي لن يمر سهلا وبدون مواجهة إذ ان موقف الرئيس الفرنسي الجديد نيکولا سارکوزي من رفض إنضمام ترکيا للاتحاد الاوربي مبني تماما على المسألة الکوردية في هذا البلد، إذ صرح السيد سارکوزي من انه لايرغب بضم مشکلة معقدة کالقضية الکوردية في ترکيا لأجندة الاتحاد الاوربي”في إقرار ضمني واضح بالمشکلة الکوردية في ترکيا”، و هذا الامر يحمل في داخله دلالات عدة أبرزها من أن الوضع الدولي لم يعد کما کان عليه”أيام زمان”وأن”الزمن الجميل”لترکيا لن يعود في خضم مسارات و مستجدات و تداعيات سياسة دولية تسير في سياقات لاتخدم إطلاقا تلك المرتکزات البالية الرثة للمنطق الاتاتورکي الذي أکل عليه الدهر وشرب.