الرئيسية » مقالات » قصة قصيرة : حديث الصباح والمساء والحكاية الأخيرة لحسان بن علي القحطاني

قصة قصيرة : حديث الصباح والمساء والحكاية الأخيرة لحسان بن علي القحطاني

صفق الطير الكبير بجناحية وانساب بهدوء يعلو في طيرانه تلاحقه بقية الطيور وهي تطير معه بنفس الروح العالية والهدوء والاتزان، ومن بعيد لاحت مصابيح الضريح تلمع فتنعكس أشعتها على صفائح الذهب التي تغطي القبة الجميلة . وجد نفسه يطير بخفة مع تشكيلة الطيور الجميلة ، بينما تناهت لسمعه أصوات عدة بين تسبيح الملائكة ، وصلوات المريدين داخل الضريح الذي يطير فوقه . وخرج سادن الضريح وهو يشمر عن ساعديه للأعلى وصوته يملأ الآفاق : اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك .
وعلا دعاء المريدين وهم يرددون : (اللهم إنا نرغب اليك بدولة كريمة تعز بها الإسلام و أهله و تذل بها النفاق و أهله )، بينما رفيف أجنحة الطيور تتناغم مع طيرانها ، وبين الفينة والفينة يرتفع بكاء صامت حزين .
ولان الحضور هو الصفة المضادة للغياب ، فقد أحس بأنه يعيش حالة التقلب بين الصحو والسكر الإلهي ، فالحضور دائما كما يقول الأقطاب هو للقلب وليس للجسد ، ولأجل ذلك قال أبو الحسين النوري :
إذا تغيبت بدا … وإن بدا غيبني
وهو موجود لذلك يحس بجسمه الذي أصبح هلاميا يتوسط سرب الطيور الطائرة ، وبدت له كل الكائنات متناهية في الدقة والصغر . ويوم رآه الجمع يتأبط مسدسه ويشد حزامه على بدلته الزيتوني ، وهو يخطو بتيه وتكبر ، رغم صوت جارهم الشيخ الذي ردد من ورائه بخشوع : ( إن الإنسان ليطغى ) . وردد آخر وبصوت غير مسموع :
قوم لهم في كل مجد رتبة … ’علوية وبكل جيش موكب
ولطالما شوهد وهو يختال ببدلته الزيتوني ، متمنطقا بمسدسه الحزبي قبل أن يطلق على نفسه لقب بروفا ً وهو ’جنبْ كونه ارتكب الكثير من الدنس والآثام مما يستحيل تطهيره منها حتى بماء البحر ، ولأنه يحتاج في أول أمره لتطهير روحه وليس تطهير جسده . وهو يدرك أن القول يجب أن يكون مقرونا بالعمل وهو ما فعله عمر بن عبد العزيز عندما رفض تجديد أساطين الجامع الأموي لان المساكين أحق بالمال . وهو نفس طموح عبد القادر الجيلي أو الكيلاني الذي كان يفكر بإطعام الطعام للجياع لذلك كان يقول : ” أود لو إن الدنيا في يدي لأطعمها الجياع ” . لكنه كان ورهطه دائما يتبخترون وسط الطلبة في الجامعة ببدلاتهم الزيتوني ، والمسدسات تتدلى من وسطهم . وعندما عظه الجوع سرح مع من سرح ليستقبله ” رفيقة : صاحب السدارة في مدينة الزرقاء ويحتفي به بذبح خروف للتعبير عن حبه له وتقديره إياه .
واستمر بالطيران وسط السرب الكبير والطائر الكبير يصدر اصواتا غريبة لم يعد يميزها بعد أن تناهت له عدة أصوات تراءت لسمعه وكأنها قادمة من آخر الدنيا .
وصاح الطير الكبير : كل شئ سوف تكشفه الملفات المركونة في هيئة اجتثاث البعث ومع الناس الطيبين ، ولن يمنعنا مانع بعد اليوم ” فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم ” ، وصفق طير آخر بجناحيه فوق احد فنادق مدينة عمان ، بينما تعالى صوت السادن من جديد وهو ينشد بصوت عال : ” عرف الحبيب مكانه فتدللا ” . وتهادت صبية جميلة وهي تحمل باقة من الآس والنرجس والبنفسج ، وتراءت له الدنيا مضببة غائمة ، وانشد احد السدنة :
كم وعظ الواعظون منا .. .. وقام في الأرض أنبياء
وانصرفوا والبلاء باق .. .. ولم يزل داؤنا العياء
وظهر خط طويل من ضنائن الله في الأرض يتقدمهم المسيح بن مريم وعامر العنبري وإبراهيم بن ادهم وأبو يزيد البسطامي وأبو العلاء المعري ولينين والحلاج يتبعهم جمع غفير من الفقراء والمعدمين . ولما صفق الطير الكبير بجناحيه ارتجفت له جفون صاحب البدلة الزيتوني وهو بضيافة رفيقة صاحب السدارة في مدينة الزرقاء الأردنية ، وهللت لتكبيرة سادن الحضرة جموع الطيور المتواجدة ضمن السرب الكبير . ولما وجد الشيخ محي الدين بن عربي مبتغاه في جمع الناس على دين واحد ، وتوصل في نهاية المطاف للنتيجة النهائية بـ ( المحبة ) لم يدر في باله إن قوما سيظهرون وهم يتمنطقون مسدساتهم فوق بدلاتهم الزيتوني ، ويسومون الناس سوم العذاب ثم ينقلبون على عقبهم مدعين حب الناس وكان ملفات هيئة اجتثاث البعث وروايات المخلصين من الناس ستخفي كل سوءاتهم لان لا آية أخرى ستتردد وتقول : ” يا نار كوني بردا وسلاما ” ، فقد انتهى عصر الرسالات السماوية ، وظهرت الحقائق مجردة عارية ولن تغطيها أوراق التوت التي قطفت من فنادق العاصمة الأردنية ، ولا موقع صاحب رواية ” شمس الدين المو.. سوي ” ، فقد سبق السيف العذل كما يقال .

آخر المطاف : قال احد الشعراء :
مازال يشربها وتشرب عقله …. َخبلا ً وتؤذن روحه برواح
حتى انثنى متوسدا بيمينه …. سكرا ً واسلم روحه للراح
نهاية القصة : هناك في الجعبة الكثير الذي لم يخرج بعد لـ ” رفيقنا ” بطل القصة و ” رفاقه الأبطال ” وكما ذكرت سابقا فإن هناك من الخيرين الذين يمنعوننا حتى الآن من فتح الجعبة ونثر ما بها من حكايات ” .
وأن كان هناك عتب على البعض ممن كنا نكن لهم الود والتقدير من العلماء والأدباء والباحثين الذين اساؤوا الفهم بالنقد الموجه لبعض ” المتفيقهين ” ممن لا علاقة له أصلا بالثقافة والمثقفين ، وكان هناك فقط عتب وملامة عليهم كونهم شاركوا بأسمائهم القديرة اللامعة من كان لا يستحق المشاركة . لكن أن يأتي شخصية علمية ويردد عبارة نخاف أن نسميها باسمها الحقيقي لأننا نكره النبز بالألقاب ، ولست اعلم للان من قصد بعبارته الممجوجة ( الكتاب الجدد ) لأنني وهو يعلم ذلك طرقت كل أنواع الأدب يوم كان هو في ” قماطه ” ، وقد ترفعت عن ذكر الكلمة الچلفية العراقية ، وترفعت أيضا عن الرد على احد أساتذتي الذين اجلهم وهو يدخل غمار معركة الرد في جريدة ” الشرق الأوسط ” رغم إنني اكبر منه سنا ، وعندما كنا نشارك في صحافة الحزب ، وننشر في بعض صحف ذلك الزمان البعيد ، كان هو كما أظن يلعب مع صبيان المحلة ” چقه شبر ” مذكرا الجميع بالمثل العراقي إن ( الصانع يكون أشطر من استاده) . فلم الزعل وإطلاق تسمية ” الكتاب الجدد ” على كتاب تفاخر معظمهم بكونهم قارعوا الدكتاتورية وكشفوا زيفها ، وفقد الكثير منهم اعزتهم قربانا من اجل الوطن العزيز ، وعانوا الفقر والتشريد على ارصفة المدن ، وتركوا زوجاتهم ونسائهم طعما لنهش القتلة المجرمين من ذئاب وكلاب البعث البائد . يوم كان البعض ممن حضر مؤتمر عمان يمجد بـ
” الحزب والثورة ” ، ويأله قائدها . فرويدكم أيها السادة لأنني حقا لا أستطيع أن أتطاول على العامل البسيط الذي كان له الشرف الكبير يوم رفع سلاحه بوجه النظام الفاشي وقارعه وجها لوجه على ذرى كوردستان العراق الشماء بين أبطال العراق من ” الأنصار ” ، أو ذلك البطل الذي ابدى بطولة فائقة في اهوار العراق ، ولا اصل لقامة المناضل الكوردي من ” الپیش مرگه “الذي قدم الغالي والنفيس من اجل قضيته الرئيسية خاصة والقضية العراقية عامة ، كذلك الكاتب أو المثقف الذي قضى جل عمره ومنذ ريعان شبابه مشردا بين بلدان العالم حتى استقر أخيرا في بعض بلدان اللجوء بعد أن هده التعب والسفر ، ترى ألا يحق له أن يتفاخر على الآخرين ممن كان يعيش حتى لسنوات قليلة تحت كنف النظام ؟؟!!.


* شروكي من حملة مكعب الشين ومن بقايا القرامطة وحفدة ثورة الزنج
www.alsaymar.de.ki

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *