الرئيسية » مقالات » ثقافة عذاب القبر‏!‏

ثقافة عذاب القبر‏!‏

الاهرام المصرية

أرجو ان تصبروا معي علي مواصلة الكلام عن الكتاب المصري‏,‏ فالكتاب المصري ليس مجرد سلعة تهم المشتغلين بها والمتكسبين منها وحدهم‏.‏ ولكنه عمود الثقافة المصرية‏,‏ لانه المجال الخصب الذي يزدهر فيه العقل وتحيا اللغة وتتجدد وتزيدنا صلة بأنفسنا وبالعالم المحيط بنا فصحة الكتاب المصري دليل علي اننا أصحاء‏,‏ ومرضه دليل علي اننا مرضي‏.‏ ولهذا تشتد حاجتنا للحديث عن الكتاب المصري الذي لايحدثنا عنه أحد‏.‏

نحن لانعرف شيئا مؤكدا عن القراءة في مصر‏,‏ كم عدد المواطنين المصريين القادرين علي القراءة؟ وكم عدد القراء الفعليين؟ كم كتابا مؤلفا يصدر عندنا كل عام؟ وكم كتابا مترجما؟ وما هي القضايا والمجالات التي تعالجها وتصدر فيها هذه الكتب المؤلفة والمترجمة؟

ليس لدينا ما يجيب علي أي سؤال من هذه الأسئلة الا الظن والتخمين‏.‏
وفي البلاد الأخري تجري الاحصائيات تباعا‏,‏ وتنشر في التقارير والمجلات والصحف‏,‏ فنعرف منها عدد القراء‏,‏ وعدد الكتب الصادرة والنسخ الموزعة‏,‏ وفي أي العلوم والفنون‏.‏ ونقرأ عن الكتب الأكثر رواجا‏,‏ ونتابع تعليقات النقاد وانطباعات القراء‏,‏ ونعرف مقتنيات كل أسرة من الكتب وطبيعة هذه المقتنيات‏,‏ فنتمكن من معرفة اتجاهات الرأي العام أولا بأول‏,‏ ومايطرأ علي فكره وذوقه ومواقفه من تحولات وتغيرات يستفيد منها كل المشتغلين بالعمل الوطني والمهتمين بالقضايا العامة‏.‏

وإذا كانت معرفة أحوال الكتاب في البلاد الأخري واجبا يؤدي كل يوم بصرف النظر عن مدي الحاجة اليه‏,‏ فمعرفة أحوال الكتاب المصري الان واجب ملح لانستطيع ان نتهرب منه أو نؤجله‏.‏ ويكفي أن أقدم لكم ما قرأته عن معدلات القراءة عندنا وفي أنحاء اخري من العالم المحيط بنا لتدركوا حقيقة ما نحن فيه‏,‏ لا في الثقافة وحدها بل في حياتنا كلها‏.‏

والاحصائيات التي نشرتها منظمة اليونسكو تشير الي ان الفرد الواحد في اسرائيل يقرأ اربعين كتابا في السنة‏,‏ أي أكثر من ثلاثة كتب في الشهر‏,‏ ويليه الأوروبي الغربي الذي يقرأ في المتوسط خمسة وثلاثين كتابا‏,‏ وتنتقل الاحصائية الي افريقيا فتقول ان المواطن السنغالي يقرأ أربعة كتب في العام‏.‏ أما في البلاد العربية ومنها مصر طبعا فهناك كتاب واحد لكل ثمانين قارئا‏,‏ وإذا قدرنا عدد صفحات الكتاب بحوالي ثلاثمائة صفحة تبين لنا ان كل مواطن عربي يقرأ حوالي أربع صفحات كل عام‏!‏

ولو صحت هذه الاحصائيات ـ وهي ليست بعيدة جدا عن الصحة ـ لكان معناها ان الاسرائيلي يقرأ في العام الواحد ما يحتاج العربي في قراءته الي ثلاثة قرون‏!‏

وبوسعنا اذن ان نعرف في أي عصر نعيش نحن‏,‏ وفي أي عصر يعيشون‏.‏ إنهم يتلقفون ما يصدر عندهم وفي العالم المتقدم فيقرأونه ويهضمونه ويستخرجون منه ما يساعدهم علي ملاحقه الزمن ومسابقته‏.‏ أما نحن فنقرأ الكتاب بعد ان يصدر بثلاثة قرون‏,‏ ولان الكتب لاتكف عن الصدور‏,‏ ونحن لانكف عن تأجيل قراءتها يزداد المدي الفاصل بيننا وبينها اتساعا‏,‏ ونصحو لنجد أنفسنا كأن طيورا عملاقة من ذلك النوع الذي نقرأ عنه في ألف ليلة وليلة قد حملتنا بين مخالبها وألقت بنا في ظلمات العصور الماضية‏.‏

إن تراجع الكتاب المصري دليل قاطع علي تراجع الثقافة المصرية التي كان الكتاب المطبوع اداة من أدواتها وثمرة من ثمراتها‏,‏ أقصد بالطبع ثقافتنا الوطنية الحديثة التي أسسها الطهطاوي‏,‏ ومحمد عبده‏,‏ وأحمد لطفي السيد‏,‏ والبارودي‏,‏ وشوقي‏,‏ وطه حسين‏,‏ والعقاد‏,‏ وتوفيق الحكيم‏,‏ وسلامة موسي‏,‏ ومصطفي مشرفة‏,‏ وزكي نجيب محمود‏,‏ وتلاميذهم‏.‏

الكتاب المصري الذي تراجع هو الصوت الناطق باسم الوطنية المصرية التي نهضت من عصور العبودية والتبعية للأجانب واستعادت لمصر حريتها ودولتها الوطنية المستقلة‏.‏ وهو صوت العقلانية المصرية التي كانت ثمرة جهاد طويل في الاتصال بحضارة العصر واقتباس علومه ومبادئه‏,‏ وهو صوت الديمقراطية المصرية التي أيقظتنا من سباتنا‏,‏ وعلمتنا ان نكون سادة في بلادنا‏,‏ وأن نحارب الطغيان‏,‏ ونحكم أنفسنا بأنفسنا‏.‏

أقول إن الكتاب المصري الذي تبني هذه المبادئ الثلاثة ونطق باسمها هو الذي تراجع‏,‏ تراجع تحت وطأة الحكم العسكري‏,‏ وهزيمة‏1967,‏ وتحالف الأصولية والنفط‏,‏ وسواها من الكوارث التي أصابت الثقافة في مقتل‏,‏ وخولت الكتابة الي ركام من الأكاذيب‏.‏ وحين يفتح القارئ الكتاب فلايجد نفسه ولايجد الواقع ولايجد الحقيقة يهجر القراءة ويفقد ثقته في الكتاب وفي العقل ذاته‏.‏ وقد يمعن في ارتداده ويلج حتي يخرج من العصر كله ومن ثقافته كلها ليضيع في متاهات الماضي ويصدق خرافاته‏,‏ لكن بتقنيات الحاضر وأدواته‏.‏

فكما يحدث في روايات الخيال العلمي التي تستطيع فيها الة الزمن أن تسافر في العصور المختلفة وتحمل الانسان الي الماضي البعيد‏,‏ تدور المطابع الان لتطبع ملايين النسخ الرخيصة من كتب السحر وعذاب القبر وعلاج الأمراض المستعصية ببول الانسان والحيوان‏,‏ وتستخدم الأقمار الصناعية في انشاء القنوات الفضائية التي تستضيف المحجبات والمحجبين ويروجوا للخرافة ويهدموا الدولة الوطنية ويثيروا الفتن الطائفية‏!‏

تذكرني هذه الأيام بأيام بيزنطة الأخيرة في أواسط القرن الخامس عشر قبل ان تسقط المدينة في أيدي العثمانيين‏.‏ في تلك الأيام والسلطان علي رأس جيشه يحاصر المدينة ويستعد لدخولها كان البيزنطيون منهمكين في الجدل حول جنس الملائكة هل هم ذكور أم اناث؟ ونحن منهمكون مثلهم في الجدل حول ارضاع الكبير الذي افتي بعضهم بانه لايحل له ان يختلي بالمرأة الغريبة عنه حتي ترضعه من ثديها خمس مرات مشبعات
ولو زادت لكان أفضل بالطبع؟؟‏!!‏